رأت صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية أن العملية العسكرية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو شكّلت الضربة القاضية لما تبقّى من النظام القانوني الدولي، معتبرة أن العالم دخل عمليًا مرحلة جديدة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة ومناطق النفوذ، لا بقواعد الشرعية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وتحت عنوان «كيف دفن ترامب وبوتين وشي جينبينغ النظام العالمي القديم؟»، قالت الصحيفة إن إسقاط رأس النظام في فنزويلا عبر ضربة عسكرية خاطفة، أعقبها إعلان واشنطن نيتها إدارة البلاد والسيطرة على مقدّراتها، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضربة النهائية للنظام الدولي القائم على القانون؟ وأشارت «لوفيجارو» إلى أنه، ورغم أن قلة فقط ستذرف الدموع على نيكولاس مادورو، الذي تصفه الصحيفة بالديكتاتور المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتزوير انتخابات 2024 ودفع بلاده إلى الانهيار، فإن الطريقة التي أُزيح بها من السلطة تفتح بابًا خطيرًا على مصراعيه. فالقضية، بحسب الصحيفة، لا تتعلق بمصير مادورو بقدر ما تتعلق بسابقة إسقاط نظام بالقوة العسكرية خارج أي إطار قانوني دولي. ولفتت الصحيفة إلى أن بعض القادة، ومن بينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لمحوا إلى أن «تحييد» مادورو قد يتحول إلى نموذج يُحتذى، وربما يُستدعى يومًا ما في سياق التعامل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه. ورأت «لوفيجارو» أن خسارة الكرملين لحليفه الأبرز في أميركا اللاتينية، بعد فقدانه نظام بشار الأسد في سوريا، تمثل ضربة استراتيجية لموسكو، لكنها في الوقت ذاته تفتح نافذة أمل للفنزويليين في عودة قوى المعارضة إلى الحكم بعد سنوات من القمع والانهيار الاقتصادي. غير أن الصحيفة شددت على أن النجاح العسكري الأميركي لا يخفي حقيقة أن العملية جرت خارج الشرعية الدولية، في خرق صريح لميثاق الأممالمتحدة. وذكّرت بأن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، حتى عندما غزا العراق عام 2003، حاول – ولو شكليًا – الحصول على تفويض من مجلس الأمن، بينما تجاوز ترامب كليًا مجلس الأمن، بل وتجاوز أيضًا الكونجرس الأميركي. واعتبرت «لوفيجارو» أن ما تسميه واشنطن سياستها الإقليمية الجديدة، والتي وصفها ترامب بأنها امتداد لعقيدة مونرو تحت مسمى «عقيدة دونرو»، تعني عمليًا إحياء منطق مناطق النفوذ الإمبراطورية، ومنح شرعية مفتوحة لتغيير الأنظمة بالقوة في أميركا اللاتينية. وحذّرت الصحيفة من أن تداعيات العملية الفنزويلية ستكون طويلة الأمد. فمن جهة، لا يضمن النجاح العسكري تحقيق استقرار سياسي، مستشهدة بتجارب العراق وليبيا وأفغانستان، حيث قادت إسقاطات الأنظمة إلى فوضى وحروب أهلية بدلًا من الديمقراطية. ومن جهة أخرى، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: من التالي؟ وأوضحت «لوفيجارو» أن ترامب، المنتشي بما يعتبره نجاحًا حاسمًا، تعهّد بتكرار التجربة. كما أشارت إلى أن الاستراتيجية الدفاعية الأميركية الجديدة، الصادرة في ديسمبر الماضي، تمنح أولوية مطلقة للسيطرة على نصف الكرة الغربي. وتساءلت الصحيفة عمّا إذا كانت فنزويلا مجرد سابقة لتصفية أنظمة أخرى لا ترضي البيت الأبيض، مثل كوبا أو نيكاراغوا، أو حتى دول أكبر كالمكسيك وكولومبيا، بل وربما دول ذكرها ترامب صراحة في مناسبات سابقة، مثل كندا وبنما وجرينلاند. ورأت الصحيفة أن الهدف الأميركي لا يقتصر على تحجيم النفوذ الروسي والصيني، بل يشمل أيضًا السيطرة على الثروات الطبيعية، وهو منطق قد يقود في نهاية المطاف إلى مواجهة جديدة مع إيران، عبر استهداف برنامجها النووي والصاروخي. وفي هذا السياق، اعتبرت «لوفيغارو» أن موسكو وبكين استوعبتا الرسالة بوضوح: الرئيس الأميركي مستعد لاستخدام القوة العسكرية متى شاء. كما أدركت الأنظمة الاستبدادية الحليفة لهما أن الاحتماء بالقوتين الروسية أو الصينية لم يعد ضمانة كافية للبقاء. لكن الصحيفة حذّرت في المقابل من أن سابقة فنزويلا قد تشجّع الصينوروسيا على تقليد النموذج الأميركي ذاته في مناطق نفوذهما. وخلصت الصحيفة إلى أن العالم يشهد عودة صريحة لعصر الإمبراطوريات: الولاياتالمتحدة تسعى لإعادة أميركا اللاتينية إلى موقع «الحديقة الخلفية»، وروسيا تحاول بالقوة إعادة تشكيل الفضاء السوفياتي السابق، فيما يواصل شي جينبينغ التحضير لفرض «إعادة التوحيد» مع تايوان. ونقلت «لوفيجارو» تحذير السيناتور الديمقراطي مارك وورنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي قال إن إقرار واشنطن بحقها في غزو دول واعتقال قادتها يفتح الباب أمام الصين للقيام بالأمر نفسه في تايوان، ويقوض ما تبقى من قواعد تمنع الانزلاق نحو فوضى عالمية شاملة. وفي ختام التقرير، رأت الصحيفة أن الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن القانون الدولي لم يُدمَّر اليوم فقط، بل تعرّض للتقويض منذ سنوات، خصوصًا على يد الأنظمة الاستبدادية، وفي مقدمتها روسيا منذ عام 2008، ثم الصين في هونغ كونغ، وسط عجز أو تواطؤ أوروبي غير مباشر. وأشارت إلى أن أوروبا لا تزال تتشبث بخطاب القانون الدولي من دون امتلاك القوة اللازمة لحمايته، في عالم عادت فيه القوة لتفرض نفسها بوصفها الحكم النهائي. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوكراني سابق قوله: «الأخلاق والقانون من دون قوة لا يصمدان. رفض التدخل باسم المبادئ يعني تثبيت الأمر الواقع الاستبدادي. السؤال الحقيقي هو: أيهما أسوأ، خرق القواعد لتحقيق العدالة، أم احترام القوانين وإدامة الظلم؟». سؤال، تقول «لوفيغارو»، سيبقى مفتوحًا ومقلقًا في عالم ما بعد فنزويلا.