رئيس جامعة المنوفية يتفقد الانضباط داخل لجان امتحانات كلية طب الأسنان    برلماني: خدمة المواطن ستظل الهدف الأول لتخفيف الأعباء المعيشية    اسعار المكرونه اليوم الأحد 11يناير 2026 فى محال المنيا    مدبولي يفتتح مصنع "فانوارد" الصيني لإنتاج سخانات الغاز باستثمارات تتجاوز 12 مليون دولار    افتتاح مجمع مصانع «إيليت سولار» لتكنولوجيا الطاقة الشمسية باستثمارات 116 مليون دولار    هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية: إصدار وتجديد 53 ترخيصا للبحث عن المعادن واستغلالها    القاهرة الإخبارية: دخول ورش الدفاع المدني لحي الشيخ مقصود لإزالة الركام وعودة الأهالي    الولايات المتحدة تدعو مواطنيها في فنزويلا إلى مغادرة البلاد فورا    محترف إلا ربع.. تعليق مثير من صلاح عقب تأهل مصر لنصف نهائي أمم أفريقيا    الداخلية: قوافل متنقلة للأحوال المدنية في 10 محافظات    فيديو.. الأرصاد: منخفض جوي جديد يضرب البلاد وتقلبات في الطقس غدا    بحضور المتهم الرئيسي، بدء جلسة قضية الدارك ويب في جنايات شبرا الخيمة    ضبط 364 قضية مخدرات و222 قطعة سلاح في يوم واحد    الكلاب والعضة القاتلة!    السادة الأفاضل.. عفوا    فريق عمل «كيما اليوم» في ندوة المسرح العربي: نعرض صورة تشع الحب والأمل    الرئيس التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب يكشف تفاصيل الاستعدادات النهائية لانطلاق الدورة ال57    وحدة الصدفية والأمراض المناعية بمجمع الإسماعيلية تقدم خدمات ل1300 مريض شهريًا    رئيس جامعة المنوفية يتفقد امتحانات كلية طب الأسنان    رئيس الوزراء السوداني: حكومة الأمل عادت إلى الخرطوم وهذا العام سيكون للسلام    نيويورك تايمز: ترامب يدرس خيارات توجيه ضربات إلى إيران    بتكلفة مليار و700 مليون جنيه.. تنفيذ 39 مشروعًا للصرف الصحي بالشرقية    محرز: التحكيم أثر على نتيجة المباراة بشكل غير مباشر أمام نيجيريا    إعتماد وتعديل المخططات التفصيلية ل 3 مدن في 3 محافظات    جامعة العاصمة تحتفي باختيار اثنين من أساتذتها في مجلس أمناء جائزة اتحاد الناشرين    الإعلامي د. عمرو الليثي ببرنامج أبواب الخير: الصبر نهايته جبر، وثقتك بالله تمنحك الطمأنينة.. راديو مصر    علي جمعة: معجزة الإسراء والمعراج أظهرت حالة الحب والاحترام والتوقير بين الأنبياء جميعًا    وزارة «التضامن» تقر قيد 9 جمعيات في 3 محافظات    محافظ الدقهلية: 1458مواطن استفادوا من القافلة الطبية المجانية في قرية جصفا بميت غمر    تحرك القافلة 113 بأطنان من المساعدات إلى أهل غزة    هدية فاخرة ل لومومبا فيا أيقونة مدرجات كأس أمم أفريقيا 2025    وزير الدفاع ورئيس أركان القوات المسلحة يلتقيان نائب القائد العام للجيش الليبي    مصطفى كامل يتواصل مع هاني شاكر بعد جراحة العمود الفقري.. ويستعدان لتعاون فني    الأزهرى: أحداث العالم تفرض تقديم خطاب يسهم في إخراج الإنسانية من الظلام للنور    انطلاق المرحلة الأولى من "الموجة 28" لإزالة التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة    أمم إفريقيا - إبراهيم حسن: الانتصار على كوت ديفوار له طعم مختلف.. ونعمل بضمير من أجل مصر    تعليم المنوفية تطلق مسابقة حفظ القرآن الكريم للمعلمين بالقطاعين العام والخاص    الحماية المدنية تجري عملية تبريد لمحرقة نفايات تابعة لمستشفى قصر العيني    حازم الكاديكي عن مستوى مصر أمام كوت ديفوار: حسام حسن يتألق رغم التحديات    صحة الفيوم: تدريب 14 ألف و483 متدرب من مختلف المنشآت الصحية التابعة للمديرية    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 11يناير 2026 فى المنيا    عاجل- رئيس الوزراء يطلق مشروعات صناعية ولوجستية ضخمة ب190 مليون دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس    تشيلسي يتأهل لدور 32 في كأس الاتحاد على حساب تشارلتون أثليتيك    إبراهيم حسن : محمد حمدي يغادر لألمانيا اليوم .. وإجراء العملية 15 يناير    إصابة طالبين في مشاجرة بين طلاب بسبب معاكسة فتاة أمام مول بأكتوبر    توافق مصري سوداني على الدفاع عن الحقوق المائية    الرعاية الصحية: السياحة العلاجية في مصر مشروع قومي    مصادر: طرح اسم عمرو الليثي ضمن الترشيحات للحقيبة الوزارية في التعديل المرتقب    بعد الاستجابة لمطالبهم.. عمال " كومبليت " يستأنفون العمل في قنا    وفاة الممثل الأمريكي تي كي كارتر عن 69 عاما    دار الإفتاء: ليلة الجمعة القادمة هي ليلة الإسراء والمعراج    حشيش وآيس.. التحقيقات تكشف أحراز المتهم شاكر محظور في قضية التعاطي    وائل جسار يعتذر لجمهوره في العراق بعد انفعاله على منظمي الحفل    مستجدات حرب غزة ومخططات إسرائيل الكبرى فى تغطية خاصة لليوم السابع.. فيديو    شاهدها مجانًا.. كلاسيكو ناري بين برشلونة، وريال مدريد، في نهائي كأس السوبر الإسباني بالسعودية    محافظ الإسماعيلية ومحافظ الوادي الجديد ينهيان الخلافات بين قبيلتيِّ البياضية والعبابدة    إنجاز طبي مصري جديد يضاف لسجل التميز في علاج أمراض القلب    حمادة الشربيني: هاني أبو ريدة بخير وسعادته كبيرة بتأهل منتخب مصر لنصف النهائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وردة الفجر
نشر في أخبار الأدب يوم 21 - 03 - 2015


1
أتحمّل مسؤوليتي كاملة، لقد قطعت رأسها بضربة واحدة، وقذفت برجلي الغليظة جمجمتها علي الجدار.
أعترف أنّي كنت حينها جبّارا،الجريمة الحقيقية تقتضي ذلك، المشهد الدّمويّ لا يكون رائعا إلاّ بالجبروت.
أنا لا يخيفني حبل المشنقة، فالموت عندي واحدة :أن تموت غريقا أو تدهسك سيارة وأنت شارد تفكر في مشاوير الغد، أو أن تصاب بإحدي الأنفلونزات المستوردة، أو أن يدُقَّ الرّبّ عنقك فجأة وأنت لم تكمل حلمك الملتهب بعد.
أنا لا يخيفني الموت، هو بسيط كابتسامة مراهقة لعشيقها، أنيق مثل قمر يسري بين السّحب مُطِلاًّ برأس أشعث علي البحر.
أنا لا أبالي بما سيقوله النّاس، ما يؤلمني هو دمع أمّي، المسكينة لا تعرف أن وحشا يختبئ داخلي، لن تصدّق ما حدث، لكنّها حتما ستستغفر لي، وستطلب لي النّصرة من أوليائها الصّالحين.
نعم، قطعت رأسها، رميته حيث ألسنة اللّهيب تغزل غلالة زرقاء للنّار، قطعت رأسها لأنّها خائنة والخونة يجب أن يموتوا شرّ مِيتة، يجب أن يُقْتَلَعُوا من الأرض، و أنا اقتلعتها، اجتثثتها من التّراب بقبضتين حديديّتين.
حين هممت بقتلها شيء واحد كان يلمع كعينيْ قطّ أمام ناظري، هو قبلتها الأولي التي طبعتها علي خدّي المتيبِّس.
أذكر أنّها قالت لي وهي تخمش بأظفارها رقبتي: ا حبيبي ... لن أبتعد عنك أبدا. كنت حينها فرحا، ولم أعرف يومها كيف دفنت رأسي بين نهديْها الصّغيرين مثل فرخ، أذكر أيضا أنّي بكيت بحرارة علي نافذة صدرها حتّي أنّني أحسست بدمعي يَمْرُقُ إلي قلبها ا. طوّقت رقبتها البيضاء بكفّي، وحدّقت في عالم عينيها المتوحّش.أحسست بدوار رهيب. كدت أسقط. ببساطة، لم أكن في حضرة بشر، كنت في حضرة كائن أسطوريّ. قلت في نفسي :إلهي، يا كلّي القدرة، هبني بُرَاقًا لأطير بعيدا أو اتركني لشأني، فأنا أخشي صمتك وحكمتك.
وقبل أن أُرِيقَ دمها، تراءت لي قصائدها التي زعمت أنّها كتبتها لأجل حبّنا الكبير. كانت الكلمات رقيقة في طعم مطر شتائيّ هادئ، ولذيذة مثل رائحة الأرض.
كنت أودّ أن أقرأ ما كتبت حبيبتي علي العشّاق جميعهم، كنت أريد أن أصرخ في وجوه اليائسين أنّ الحبّ الكبير ليس وهما. كنت أضمّ قصائدها إلي صدري كما يضمّ الطفل لعبته ليلة العيد، ثمّ أركض في الغابة إلي أن أدرك النّهر. هناك كنت أُسْلِمُ جسدي لمائه، فيَخِزُنِي ببرودته المثيرة، ثم ّأشرع في النّشيد. وحدها العصافير كانت تفهم سرّ الكلمات فحطّت علي كتفيّ، وأمعنت في الزّقزقة. أمّا الأشجار شقيقاتي فكانت تبكي. بأمّ عيني رأيت الأوراق دامعة.
2
لِتموتي يا سنيا ألف مرّة. أنت لا تستحقّين نحيبي في هذه الزّنزانة، كلب حديقتنا الرّمادي، ذاك الذي عضّني أكثر من مرّة، أحترمه ولا أحترمك. الصّراصير وديدان الأرض التي أتقزّز منها أحتملها ولا أحتملك. لست إلاّ جرذا مسعورا يسعي مقطوع الذّيل في البالوعات، أو ضفدعة تمدّ لسانها الكريه لتلتقط الحشرات المكدّسة في المستنقع.
آه كم كان فرحي عظيما عندما رأيت عينيك جاحظتين في ذلك الصّباح المغسول بأشعّة شمس أكتوبر الحارقة، وسمعت شخيرك لحظة حززت رأسك عن جسدك. أذكر يومئذ أنّي صحت بقوّة حين تدفّقت الدّماء من وريدك، وأنّي قبّلت سكيني المشحونة بالضّياع والقهر. تمتمت يومها: بربّك أيّها السّلاح المقدّس، قطّعها إربا إربا، ثم ارم بلحمها إلي الضّباع .
لست، سفّاحا، ولا مجنونا، أنا لست نادما علي ما فعلت. أسررت إلي الليل والنّهار، وإلي كلّ الكائنات في غابتنا الصّغيرة بما كنت أطويه بين أضلعي، فلم يعترض أحد. لقد انتصر لي الجميع، أنا الحبيب المخدوع، انتصروا وانتظروا انتقامي وانتصاب قامتي من جديد.
حتّي أمام السماء لن أعترف بأنّي أخطأت، بل سأسجد بطريقة تليق بسماء كبيرة مثلها، ثمّ أهمس في أذنها الزرقاء الكبيرة: لقد ظلمتني. سأطلب منها أن تعيرني كلّ ما في جحيمها من غضب وسعير لأصُبّه علي جسدها الآثم.
سألاحقك يا سنيا في كلّ مكان، في مغاور السّماء، في الأرض،في مجاهل الغيب، وأهلا بالمشنقة. لقد كففت أن أكون حبيبا، أصبحت أكثر من شيطان. ألم تر قرنيّ وأنا أرفس كبدك بيديّ؟ ألم تنصتي إلي صوتي المبحوح وأنا أكْسِرُ عظامك عظما عظما؟
أعترف أنّي قتلتها مُضْمِرًا ومترصّدا. أعترف أنّي مثّلت بجسدها، فقط لأنّها أشركت غيري في مأدبة جسدها، ونسيت شفتيّ وهما تلعقان سكّرها من إصبع قدمها إلي مفرق رأسها، لأنّها لم تقم وزنا للأزهار التي غمرت بها نهديها وللأشجار التي حفرت بمنقاري لحاءها كاتبا اسمي واسمها، لأنّها لم تشاركني لعبة السّقوط السّريع.
كان لا بدّ من موتها لأنّها قتلتني مرّات ومرّات. نعم لقد عشت بين الأموات، استنشقت روائحهم، أكلت من طعامهم، وكدت أُحاسَبُ، إلاّ أنّي بعثت من جديد، وحاسبتها دون رحمة.

قبل تعرّفي إلي سنيا لم يكن لحياتي معني. كنت أهيم علي وجهي في النّهار وأختلي ليلا بأفلام الجنس الصاخبة، لم أفلح في تحقيق شيء مهمّ قبل أن تقتحم علي سنيا حياتي، وتنفخ فيها من روحها، كلّ ما حقّقته هو نجاحات متفرّقة في الدّراسة والسّياسة، وهي أمور لم تكن رهاني الحقيقيّ. فبعيدا عن الجسد كلّ الرّهانات التي يخوضها الإنسان واهمة.
قبل لقائي بها لم يحدث أن اقتربت من أنثي، كنت أعوي مثل كلب كلّما تملّيت عشيقين يقطعان الطريق متشابكي الأصابع ، كنت آكل كثور معدّ للذّبح.
كنت متيقّنا أنّ حياة الإنسان لا معني لها دون حبّ، لكنّي لم أستطع العثور عليه. كان بعيدا وغامضا كالقدر . ناديته يا حبّ اقترب، غير أنّه كان يهرب منّي. لم يسمعني الحبّ في تلك الأيام . كان مكسور الجناح.
اقتنعت تدريجيّا أن أكفّ عن هذا المطلب. اكتفيت بالتضرّع إلي الأرض: سيّدتي لا تتركيني ليأسي. ضمّيني إليك، أو ادفعيني كما تدفعين النّبات إلي أعلي، إلي أعلي ارفعيني أيتها القديسة، سيّدتي تمّوز يأتي كلّ عام ولم تمكّنيني يوما من حضور موكبه الأخضر.
كنت تائها ومحروما. الرّجل الذي لا يجد امرأة تحتضنه يكون كذلك. ولم يكن لي من عزاء في غربتي إلا البّحر. كنت أجلس أمامه، وأصرخ في وجه أمواجه العاتية: أيتها الأمواج امنحيني جرأتك أو اقتلعيني من الأرض بأصابعك البيضاء أو اسحقيني تحت إبطك الأزرق. أيتها الأمواج، يا من سمّيتها لهيب المياه، قولي للرّب إنّ عبده لم يجد ولو نهدا صغيرا يتّكئ عليه، لم يجد شعرا واحدا يختبئ بين ضفائره في زمن يختنق فيه النّاس.
كنت أعرف أن الأمواج لم تنصت إليّ، لقد كانت مشغولة بصياح الأسماك، لذلك كنت أضع رأسي بين ركبتيّ، وأشرع في الْتهام السجائر، وأترك للّيل مهمة دقّ مفاصلي.
3
تعرّفت إلي سنيا في الكلّية. في المشرب الجامعي حيث الطلبة يغلُون مثل خليّة نحل، لمحت جمالها المُرْبِك: عينان واسعتان يقطران شهوة، وأنف حادّ متغطرس يطلّ بكبرياء علي شفتين مكتنزتين زادهما أحمر الشّفاه القرمزيّ زهوا، وشعر أسود تتحرّك خصلاته المجنونة بمرونة في كلّ اتّجاه. أمّا رقبتها فكانت طويلة ومتوحّشة. كانت شامخة مثل نخلة.ِ
كان الطّلبة منبهرين بحسنها، إلاّ أنّهم كانوا يكتفون أمام هذا الحسن بعبارات الإعجاب، فيما كنت أتعبّد في محرابها آناء اللّيل والنّهار، أصلّي لعينيها المكحّلتين، أتبعهما في كلّ مكان، لا أغادرهما، فالدّنيا ظلام دامس بعيدا عنهما.
آه من العيون، الآن أدركت لماذا يدقّق هؤلاء الشعراء الأوغاد في وصفهما، إنّهم يدركون حتما أنّ المرأة تبدأ من هناك، أنّ العالم يبدأ من هناك.
طوبي لكم أيّها الشعراء. لو كان لديّ لغتكم، فرحكم، دهشتكم، جرأتكم، تسكّعكم لأملْت قلب سنيا إليّ. لكن هيهات . كنت عندما أهمّ بمحادثتها يقف ألف جدار من اسمنت مسلّح بيني وبينها.
كنت أقضي اليوم كلّه أبحث عن فرصة لأكلّمها، وإذْ تحين الفرصة تتّحد كلّ الشّياطين لتجعل منّي صنما أخرس.
علي مرّ سنة كاملة نجحت في أن أقول لها صباح الخير بطلاقة، لم تردّ عليّ أوّل الأمر، كانت تكتفي بابتسامة باردة وتمرّ. تعمّدَتْ إذلالي .أظنّها تقزّزت من جبني وتردّدي، فالمرأة لا تهب دمها إلاّ لرجل جريء.
لتَسْحَقْنِي السّماء يا سنيا، لك أن تبصقي عليّ، فمثلي ليس جديرا بجسدك النّاعم، مثلي لا يستحقُّ شَهْدَهُ، مثلي عليه أن يصمت إلي الأبد .
بعد مثابرة كبيرة كلّمتها. قلت لها إنّي معجب بك، وأشتهيك. خرجت العبارة من حنجرتي متعثّرة مثل فتاة مطعونة في الظّهر. كان ردّ فعلها باهتا أوّل الأمر. إلاّ أنها تدريجيّا أصبحت أكثر لطفا معي. سعدت كثيرا بهذا الفتح العظيم، واحتفلت به علي طريقتي الخاصة. التهمت طبقا من االماكارونا»، ثم شربت كثيرا. سكرت يومها، قلت كلاما بذيئا، تبوّلت في الشارع، تقيّأت. سبّني أناس وتعجّب من أمري آخرون. أذكر أنّي نمت تلك الليلة كما لم أنم من قبل.

حبّي لسنيا شغلني عن دراستي، شغلني أيضا عن رفاقي. لم أعد أري في الدّنيا غيرها. كان حبّا مجنونا. كنت أعبدها. كنت مستعدّا أن أقطع الجبال حبوا، أن أشرب البحر بأسماكه وطحالبه فداء لبريق أسنانها و روعة صدرها.
كنت أري في جسدها خلاصي، جنّتي الموعودة. كلّ ذرّة فيه كانت تذيبني، تعيد تشكيلي من جديد.
تُرَي ما هذا المارد الذي عصف بي. أهو فعْلُ حُبٍّ أم لهفة محروم إلي جسد يروي ظمأه المرضيّ؟
أهو حبّ أم مجرّد إعجاب اجتاح قلب رجل لم يسبق أن استقرّ وجهه بين راحتيْ امرأة قط؟ لا ..لا.. هو حبّ حقيقي لذلك قطعت رأسها.
تحيّنت فرصة أخري وكلّمتها. كان كلاما في خفّة نسيم الصّباح. أذكر أنّي قدّمت لها قطعة شكلاطة، ودَسَسْت في جيْبِها حفنة من الحلوي. فرحت كثيرا. سنيا فرحت. ظبيتي فرحت. لا أعلم ماذا فعلت عندما غشيت ابتسامتها السّاحرة وجهي. قالت لي فيما بعد إنّي قبّلتها في فمه
وأنشدتها مقاطع من شعر درويش. عرفت بعد ذلك أيضا أنّ سنيا كانت معجبة بمواقفي النّقابيّة في الكلّية، وأنّها كانت تتابع أخباري أوّلا بأوّل.
إثر ذلك اللّقاء المصيريّ كثرت نجاحاتي مع سنيا. تفطّنت إلي أنّ المرأة لا تحبّ التحليلات المركّبة والأفكار الكبيرة بقدر ما تعشق من يهتمّ بأشيائها الصّغيرة : أزرار معطفها، الأرنب الصّغير المُعَلَّقِ بحقيبتها ومانيكور أظفارها.
آه لو تفطّنت إلي هذا الطّريق من قبل. سبعة وعشرون عاما وهذا الجسد المتشقّق لم يعرف المطر والفرح يوما. لماذا كلّ هذه القسوة، يا إلهي، ألم تكن تعلم أيّ هشاشة تسكنني؟

توالت لقاءاتي مع سنيا بعد ذلك في أماكن متعدّدة. كان يحلو لها ارتياد المقاهي الفاخرة حيث كانت تدخّن النّارجيلة بشراهة. أمّا أنا فكنت كثيرا ما أحملها إلي الشاطئ. كنت هناك أخاطب الموج بعينْيّ، ودون أن أتكلّم كنت أقبّل سنيا مستمتعا برائحتيْ البحر وعطرها الماجن. كنت أسمع لهدير البحر لحنا لم أسمعه من قبل. أظنّ أنّه كان يحتفل بي، فأحد عشّاقه الأكثر ألما قد انتصر.
كنت كالبحر، لذلك لم أكن متسامحا .
لم تستمرّ هذه السّعادة متألّقة كما بدأت، فتفاعل سنيا معي كان يخفت شيئا فشيئا. كانت تحاول أن توهمني بعكس ذلك، لكنّي انتبهت. الموعودون بالشّقاء مثلي لا تغيب عنهم تفاصيل الخيبة والانهيار. قلت في نفسي : أين حرارة القبلة الأولي؟ أين وهج الكلمات وسحرها؟ أين ذلك الجسد الذي حملني إلي الأعالي، وجعلني أرفرف فوق الغيمات ؟
الموجوعون مثلي لهم حدوس لا تكذب، لذلك لم أجد أجوبة عن أسئلتي. لم أفهم كيف رسمت بأصابعي المبتورة وجهها الباهت، كيف سَقَطْتُ مثل ذراع كَمَانٍ مقطوعة.
سألتها عن سرّ تذبذبها فبكت، وقالت إنّها تمرّ بأزمة نفسيّة لا غير. وقبل أن تكمل تبريرها الباهت. أخذتها في حضني، وضعت رأسها علي كتفي، وشرعت أتابع أنفاسها. كانت مختنقة. ضغطت بذراعيّ علي ظهرها، أحسست بصدري يرفس صدرها، ثمّ دندنت في أذنها أغنيّة شعبيّة حزينة. وما إن فرغت منها حتّي وجدت شفتيها عند شفتيّ. وبعد عناق حارّ ارتميْنَا علي الرّمل. كنت في تلك اللّحظات متوتّرا، ثمّة نداء داخلي يقول إنّ هذه اللّذة لن تتكرّر. لا شيء يدوم غير لذّة القتل.

أحبّك يا سنيا. أعلن ذلك أمام كل الكائنات. أحبّك، لذلك لم أتراجع لحظة وأنا أرمي بك إلي الجحيم.
استحوذ عليّ شعور عميق بالوحدة والغربة إثر ابتعاد سنيا عنّي، صرت أمشي في الكليّة مُخْتَنِقًا أسحب أنفاسي بصعوبة، العالم كان ضيّقا عندي. كان أضيق من كوّة باب. كلّ الوجوه كانت أمامي مطموسة الملامح، كائنات خرافيّة مرعبة. كنت أرغب في الرّكض، في أن أهرب إلي مكان ما، إلاّ أن إحساسي بأنّي محاصر سمّرني في مكاني. كانت العيون في الكلّية تخترقني لذلك. كنت أتحسّس بكفّي صدري وبطني. لم أشّك حينها في أنّ جسدي كان مثقوباّ، في أنّي كنتُ مخطوفَ البصر.
تأمّلت كفّي أبحث عن آثار دم أو أي شيء آخر فلم ألحظ إلاّ خارطة في كفّي اليسري طالما حاولت فكّ رموزها زمن مراهقتي، كنت أحاول في تلك الفترة أن أجمع القرائن التي تدلّ علي أنّي سأعمّر وأنّي سأجمع أموالا كثيرة وأنّي سأتزوّج فتاة جميلة، وكنت إذا ما كشف لي بعض الأصدقاء عكس ذلك أبكي كثيرا حتي تبتلّ ياقتي. كانت الدّموع تسيل غزيرة، كنت كَمَنْ يَعْصِر غيمةً.
كنت في الكلّيّة أقضّي ساعات خلف المدرج الكبير الذي كانت تصلني من شبابيك المحاضرات الباردة للمدرّسين. كنت أضمّ ركبتيّ إلي صدري مُسْنِدًا ظهري المُحْدَوْدِبِ قليلا إلي الجدار، ثمّ أشرع في متابعة ما يحدث بين أغصان الأشجار التي تقابلني، وكنت كلّما آلمني ظهري أضغط بذراعيّ علي ركبتيّ حتي أسمع طقطقة عظامي، وأخيرا أستسلم لنوبة من الضّحك.
هكذا كانت أيّامي في غياب سنيا، فيما كانت هي تتبختر مع سلمي رامية بنظراتي المَثْقَلَةِ بالهزيمة إلي الهاوية. لم يكن لها من همّ سوي أن تبقي لصيقة بخليلتها. قلت لها : عليك أن تحترمي مشاعري علي الأقلّ ». لم تردَّ عليّ. أمسكتها من زندها بعنف إلي درجة أحسست معها أنّ أصابعي قد اخترقت لحمها الطريّ ثم جعلت ظهرها إلي جدار المشرب الجامعي و همست : إنّك تقتلينني . تملّصت منّي بعد أن ضربت يدي بقوّة ورددت : حاولت أن أبقي معك، تحمّلت تعنيفك لي، أمّا الآن فلا صبر لي، سلمي عشيقتي وأنت لا شيء... هممت بضرب رأسها علي الحائط الرّمادي ذي الطّلاء الخشن لكنّي تراجعت. لتقطت أنفاسي وأضفت مُتَظَاهِرًا بالتودّد : ماذا فعلت لتعاقبيني بهذه الطّريقة؟ دفعتني بتشنّج ثمّ وقفت علي بعد مترين وقالت بحنق وبصوت عال : أنت أعجز من أن تحرّك رغبتي، ألا تفهم ؟ وقبل أن أردّ أخذت تصيح وهي تشدّ جدائلها بعصبيّة: أكرهك يا طلال أكرهك أكرهك .
كان المشهد مغريا بالنّسبة إلي الكثير من الطلبة، لذلك تابعوه بشغف كبير. لم يتدخّلوا. حتّي رفاقي التزموا الصّمت، لم أكن في نظرهم منذ أن تعرّفت إلي سنيا الرّجل الذي يعرفونه. كنت شخصا آخر. لست طلال الذي يعرفونه، طلال الذي يشاركهم همومهم ويقتسم معهم الخبز والخمر والمنحة الجامعيّة، طلال الذي يقضي ساعات طويلة في تحليل المشهد السياسيّ وفي تدقيق المسائل النّظريّة ، طلال الذي يتدخّل بكلّ عنف وصدق في الاجتماعات العامّة دفاعا عن أبناء المُفقَّرِين
كانوا يعرفون عنّي كل شيء إلاّ مأساتي التي تنخر عظامي. كانوا لا يدركون أنّي كائن أحيا بجسدي قبل فكري، كانوا بكل بساطة رفاقا جيّدين.
لم أعد أتردّد علي الكلّية، كنت أقَضي أيّاما طويلة في البيت مشلول الحركة آكل من الطعام القَدْرَ الذي يجعلني أخربش به بعض الأسطرعلي كراريسي البائسة، النّشاط المنتظم الذي كنت أقوم به، هو فتح الشّبّاك الأزرق النّيلي، وزجّ عينيّ وحواسّي جميعها في معمعان الشّارع الطّافح بأزيز السّيارات وعربات المترو وبالضّحكات العالية لبعض الطّلبة الأفارقة الذين كانوا يملأون الشّارع.
تيبّست عروقي في تلك الفترة. كان قلبي ينبض ببطء. كان يجتاحني دُوار عنيف من حين إلي آخر. كنت أنتظر الموت في كلّ لحظة، وحين أوشكت علي النّهاية وأحسست بجسدي أقرب إلي الأرض وبأعضائي غريبة عنّي، انبجس صوت من مكان لا أعرفه في جسدي الخاوي وحملني علي العودة إلي الكلّية، صوت غسل الأدران التي تراكمت في جسدي، صوت خلّصني من الخوف والشّفقة والرّحمة، جعلني قاسيا.
رجعت إلي الكلّية. كان كلّ شيء عندي منتهيا؛ انقطعت عن الدّراسة، رحلت عنّي سنيا، وأخذت الغربة رفاقي منّي. كلّ ما تبقّي لي هو جسدي؛ جسدي في مواجهة عالم متورّط في تضليل العاشقين .
تمنّيت وأنا أتابع حركات سنيا وسكناتها أن تحدث معجزة. لماذا لا تعضّ سنيا يد سلمي وترتمي بين أحضاني؟ لماذا لا تتحول سلمي إلي عجوز خَرِفَةً فتفزع حبيبتي منها، فتهرع إليّ وتضع رأسها علي صدري كما كانت تفعل ؟ لماذا لا يأتي ملاكان ويشرحان صدر سنيا لتعود إليّ نقية كما كانت ؟
لا تأتي المعجزات من فراغ. الجريمة وحدها واقعيّة ورومانسيّة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.