استقرار أسعار الحديد ومواد البناء بأسواق أسوان اليوم السبت 10 يناير 2026    فنزويلا تعلن عودة ناقلة النفط "مينيرفا" إلى مياهها الإقليمية    مصر للطيران تعلن تعليق رحلاتها من وإلى أسوان وأبو سمبل| إيه الحكاية!    أخطر مما تتصور وغير قابلة للعلاج، تحذير هام من الاستخدام اليومي لسماعات الأذن    من الشمال إلى جنوب الصعيد، الأرصاد تحذر من 4 ظواهر جوية تضرب البلاد اليوم    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الرواية إلي المونديال وأبلة فاهيتا: اللغة العربية في زمن الفيسبوك
نشر في أخبار الأدب يوم 14 - 03 - 2015

في زيارتي الرابعة لبيروت، انتبهت لأول مرة إلي الحشائش والنباتات الصغيرة النامية فوق الجدران الحجرية، طوال الطريق من المطار إلي الفندق، انشغلت بها متسائلة كيف لم تلفت نظري من قبل، مع أن العمارة والنباتات هما مدخلي الأول لقراءة المدن والتعرف عليها.
بعد يومين، ودون سؤال مني، شرح لي صديق، أن هذه الجدران مبنية من الحجر الرملي لذا تخترقها النباتات وتنمو فوقها. شعرت لحظتها، أن هذا معني بيروت ومبناها. بيروت هي تلك النبتات النامية فوق الحائط الحجري؛ هشة ومرتجفة لكنها أيضاً جميلة وقوية وقادرة علي البقاء في أصعب الظروف.
جدران بيروت صلابتها مشوبة بهشاشة ما، وجمالها صلب لا تعوقه حواجز. المدينة تبدو كأنها، بطبيعتها المنفتحة، الأقدر علي تبني المتناقضات والمواءمة بينها.
هكذا، كما في مثال امتزاج الحجر بالشجر، أجدني كل مرة أزور فيها المدينة علي موعد مع العديد من المفارقات والأسئلة المحيرة حيناً والملهِمة أغلب الأحيان. وهذه المرة تحديداً كنت منشغلة بأفكار حول العلاقة باللغة العربية. ولأنني اعتدت علي مفارقات بيروت وانفتاحها، لم يدهشني أن تحتضن جمعية اهتمامها الأول الفنون التشكيلية والبصرية، المنتدي الذي جئت للمشاركة في فعالياته والمخصص للّغة العربية اليوم.
الجمعية المقصودة هي »أشكال ألوان«، والمنتدي المشار إليه هو »اللغة العربية وشبكات التواصل الاجتماعي«، والذي أُقيم في الفترة من 26 حتي 28 فبراير الماضي وأشرف عليه كل من: الباحث والمؤرخ والعلامة اللغوي د. أحمد بيضون والمنشطة الثقافية منال خضر.
تميز المنتدي عن غيره من الندوات والمؤتمرات التي تناقش وضع اللغة العربية في عالم اليوم، بالمرونة والانفتاح والبعد عن التباكي علي حالها، كما تميز بتنوع المداخل المقدمة لمقاربة اللغة العربية (فصحي وعاميات) في علاقتها بشبكات التواصل الاجتماعي.
بدأ المنتدي بكلمة قصيرة لكريستين طعمة مديرة »أشكال ألوان« نوهت فيها بأهمية طرح هذا الموضوع من جوانبه المختلفة وأعلنت أن الأوراق المقدمة من المشاركين سوف تُنشَر قريباً في كتاب.
محاضرة د. أحمد بيضون المعنونة بالعربية مُفَسْبِكة: عاميات يُكتَب بها وفصحي حوارية؟« انطلقت من انسحاب الفصحي شبه التام، منذ زمن، من مناطق للمشافهة كانت تحتلها، ثم عودتها اليوم إلي نوع من الاستعمال المباشر يشبه المشافهة علي الفيسبوك.
بحسب د. بيضون، »ما يميّز الفيسبوك لجهة اللغة، ومعه ما جري مجراه من الشبكات، إنما هو أمران: 1- اعتماد العاميّة لغة مكتوبة علي نطاق يجعله اتساعه واقعة جسيمة في تطور العلاقة بين الفصحي والمحكيات. 2- اعتماد الفصحي، علي نطاقٍ أضيقَ بكثير من ذاك المتاح للعامّيّات، ولكنه جدير جدّاً بالاعتبار، لغةً لأنواع من الحوار الفوري كانت تختصّ بها العاميات في الأعمّ الأغلب.«
التجاور، علي شبكات التواصل، بين عاميّات مختلفة وفصحي متنوّعة الأغراض والمستويات ولكنّها واحدةٌ، من حيث الأساس، لا يخلو من تفاعل يسعه أن يثمر تجديداً ومكاسب، كما يري د. بيضون الذي يتوقف أمام ظاهرتين لهما شواهد لا تحصي علي الفيسبوك وعلي غيره من الشبكات. »1- تنحو العاميّات العربية إلي التعارف في ما بينها فيكتسب كلّ مطالع أو محاور من محاوريه الأبعدين قليلاً أو كثيراً من المعرفة بعاميّاتهم. وهو ما ينحو إلي جعل العاميّات نفسها شبكةً لغوية حية تنبض من زواياها كافّة ويصل كلّ نبض يحصل في زاوية منها إلي الزوايا الأخري. 2- تطوّع الفصحي نفسها لأغراض التبادل الكلامي اليومي، عبر التعرّض المتمادي لحالات منه ومناسبات له لا حدّ لوفرتها وتنوّعها. وهذا فضلاً عن احتفاظها بوظائفها المألوفة في الكلام المعدّ أصلاً للقالب المكتوب.«
أي أن مخالطة الفصحي للعاميّات علي أنحاء غير معهودة سابقاً وبكثافة وتكرار لا سابق لهما أيضاً. »يباشر بلا ريب نوعاً من التذليل النسبي للحاجز الماثل بين كلّ من العاميّات والفصحي التي نعرفها لغةً للكتابة. وهو ما يبقي الفصحي واسطة عقد في هذه الشبكة اللغوية الحية التي تمثّل العاميّات أجنحةً خافقةً لها. يزيد من هذا الإمكان شعور المتكلّمين علي الشبكات، حين يغادرون حلقات الدردشة المحصورة، أنهم يتوجّهون بكلامهم إلي جمهور، أي أن لهذا الكلام نصيباً من العمومية يقتضي القالب الفصيح أو ما يمتّ إليه بنسب قريب وإن يكن عاميّاً.
ليس لنا أن نطمح لأيّ من هذين المسارين (تعارف العاميّات وتطويع الفصحي للحوار ولأغراض الحياة اليومية) أن يفضي بنا إلي نهاية قطعية. فمثل هذا لا يحصل في المضمار اللغوي أو يحتاج حصوله إلي زمن مديد جدّاً. ولكن هذا شيء حسن يحصل للعربية ويدلّ حصوله، ولو تعرّج المسار أو تقطّع، علي أن ما يحلّ بلغتنا علي الشبكات لا يختصره غزو أجنبي ليس للشبكات مسؤولية خاصة عنه ولا يستنفده طغيان للعاميّات من غير ثمرةٍ طيبة تجنيها العاميّات والفصحي سواءً بسواء.«
أما د. عماد عبد اللطيف فقدم تحليلاً للغة الجمهور في الفضاء الإلكتروني انطلاقاً من تعليقات الجمهور علي المناظرة الشهيرة بين السيد عمرو موسي ود. عبد المنعم أبو الفتوح في المرحلة الأولي من الانتخابات الرئاسية المصرية لعام 2012.
ميّز صاحب »بلاغة الحرية« في محاضرته بين نوعين من الحجاج، استناداً إلي دراسات باسل حاتم، »الأول: الحجاج المساير Through-argumentation، ويبدأ بعرض وجهة نظر، يتم تدعيمها بالحجج والبراهين، ويُختتم بالاستنتاج، وذلك دون أن تكون هناك إشارة ظاهرة إلي وجهة نظر مخالِفة أو معارضة. والثاني: هو الحجاج المضاد Counter-argumentation، ويبدأ بموجز مُختار من وجهة نظر شخص آخر، يتبعه رأي مضاد، ثم البراهين التي تحدد أسس المخالفة، وفي النهاية يأتي الاستنتاج..
أثبت باسل (1997) أن النصوص العربية يشيع فيها الحجاج المساير بدرجة أكبر من الحجاج المضاد. وعلي العكس من ذلك يشيع في النصوص المكتوبة بالإنجليزية الحجاج المضاد بدرجة أكبر من الحجاج المساير. وأشار إلي أن تفضيل كل ثقافة لنوع مغاير من الحجاج متأثر بالأعراف الاجتماعية الموجودة داخل كل ثقافة، والطبيعة الاجتماعية-السياسية لها، خاصة ما يتعلق بموقف كل ثقافة من الحقيقة وحرية التعبير.«
شيوع استخدام الحجاج المساير في النصوص العربية يُبرّر، كما ذكر د. عبد اللطيف، »بأنه يُظهر حرصًا أكبر علي الحفاظ علي التناغم الاجتماعي، وعدم التصادم مع الآراء المخالفة، وإيثار الحفاظ علي العلاقات الاجتماعية، حتي لو كان ذلك علي حساب تعبير المرء عما يعتقد فيه أو يؤمن به. وعلي العكس من ذلك، يعكس شيوع استخدام الحجاج المضاد في النصوص الغربية ميلاً إلي الاشتباك مع وجهات النظر المخالفة، والتعبير الواضح عن موقف الفرد منها. كما يكشف عن إيثار إعلان »الحقيقة«، حتي لو كان ذلك علي حساب العلاقات الاجتماعية. ويكشف هذا الاختلاف بشكل غير مباشر عن أن الثقافة العربية لديها حساسية عالية تجاه مخالفة الآراء ومعارضتها بشكل مباشر أو معلن. وهو أمر ربما كان غير محمود؛ لأنه قد يؤثر علي حركة تطور الحجاج ذاته، الذي لا يمكن أن يتطور من غير نقد اللاحق للسابق نقدًا جذريًا، وإعلان هذا النقد.«
لكن هل الأمر نفسه علي شبكات التواصل الاجتماعي؟! تفحص د. عبد اللطيف للتواصل اللغوي عبر وسائط التواصل الاجتماعية أثناء الربيع العربي، دفعه للخروج بنتيجة مفادها ضرورة مراجعة فرضية باسل حاتم. فمادة بحثه، ممثلة في التعليقات علي مناظرة موسي أبو الفتوح، يهيمن عليها الحجاج المضاد، ويتراجع إلي حد كبير استخدام الحجاج المساير.
خلص عماد عبد اللطيف إلي أنه »ربما تصدق فرضية باسل علي التواصل المباشر في السياق الاجتماعي بين أشخاص تجمعهم صلات ما. في حين أن معطيات المدونة التي بين أيدينا تبرهن علي أن الأفراد يلجأون إلي الحجاج المضاد بصورة أكبر في سياق التواصل غير المباشر عبر وسيط إلكتروني، الذي يدور حول موضوعات سياسية ساخنة، ويكون المشاركين فيه غرباء عن بعضهم البعض. واتساقًا مع فكرة التناسب الطردي بين المجهولية واستخدام الحجاج المضاد،
يمكن افتراض أن اللجوء إلي الحجاج المضاد في فضاءات التواصل الافتراضي سوف يزداد بدرجة أكبر إذا كان الشخص يستخدم هوية مزيفة، أو غير مُعرّفة كما هو حال أغلب المشاركين في التعليق علي المناظرة. ويمكن ملاحظة أن الأشخاص الذين يتخفون وراء تسميات وهمية تتكون من تعبيرات أو أرقام يستخدمون عبارات قاسية في حق مخالفيهم.«
اللغة والرواية
توقف المنتدي في يومه الثاني أمام اللغة العربية في علاقتها بالرواية عبر شهادتين؛ الأولي لكاتبة هذه السطور والثانية للروائي اللبناني هلال شومان.
شهادتي المعنونة باللغة العامية: بديل للفصحي أم جيتو لغوي؟« انشغلت بأسئلة من قبيل: هل نملك العربية حقاً؟ هل نملك حرية اللعب معها بعيداً عن سطوة كهنتها وسلطتهم أو وهذا هو الأهم- بعيداً عن سلطة النص المقدس؟! كيف يمكنني كروائية أن أكون مرتاحة في لغتي في وقتٍ أفكر فيه بلغة« وأكتب بأخري؟! وإلي أي حد يؤثر اختياري لمستوي ما من مستويات اللغة العربية علي رؤيتي لشخصياتي ورؤية شخصياتي للعالم؟ وإلي أي درجة اختلفت تحديات تطويع العامية المصرية لمتطلبات الرواية الآن عنها في ما مضي؟
أسئلتي الخاصة بعلاقة العربية بالنص المقدس حفزها قبل سنوات سؤال من كاتب مكسيكي: » ما شعورك وأنت تكتبين بلغة يُنظر إليها كلغة مقدسة؟«
سؤال الكاتب المكسيكي رافقني طوال الوقت. كنت أسأله لنفسي بطرق مختلفة، كيف ككاتبة، أشعر بحريتي مع اللغة وارتياحي فيها، حين تكون هذه اللغة ليست حرة بالدرجة التي أتمناها، حين تكون ملتصقة بجذورها أكثر مما ينبغي وغير قادرة علي التطور بما يلائم العصر؟ أو كي أكون دقيقة، لغة تتطور، لكن تطورها الأكثر حيوية يُنظر إليه كمسار غير شرعي، كلغة مدنسة تشوش علي اللغة النقية المشتهاة، والمفارقة أن من ينصبون أنفسهم حماة لها هم، في الغالب، الأكثر معارضة لتطورها وعصرنتها، أي الأكثر إيذاءً لها.
حلي الوحيد، في هذه الحالة، أن أتناسي قداستها المفترضة، أن أمارس حريتي في التجول بين مستوياتها وعصورها المختلفة، أن أقرأ »فقه اللغة« للثعالبي كنص فني، وأن أغوص بالساعات في »لسان العرب« بلا غرض سوي المتعة، وأن أصالح بين المستويات المختلفة للعربية فصحي أو عامية بحثاً عن معجمي الخاص المتوائم مع إيقاعي الداخلي.
أما شهادة هلال شومان: »في تلاقي وافتراق العربية الفصحي والمحكية اللبنانية: رحلة بين وسائط تقنية وفنية«، فتمحورت حول علاقته الذاتية كروائي باللغة تلك التي شبهها، بل شبَّه العلاقة باللغة في المطلق بالمعركة الصاخبة.
»هل المطلوب من اللغة دائمًا وفقط أن تكون انتقاءات ألفاظ وتركيب جمل ومقاطع بشكل مبهر؟ ولماذا تكون البداية من اللغة لا من الوسيط / القالب الذي تستخدَم فيه اللغة نفسها؟« تساءل شومان الذي يري أنّ »اللغة عندي في الرواية هي لغة حركة لا لغة وصف. فأنا أحرص في رواياتي مثلًا أن أُنهِض الشخصيّة من السرير، وأن أجعلها تذهب إلي الحمام، وأن تمشي في الشارع، وأن تجلس في التاكسيّات، وأن تنظر وأن يُنظَر إليها، وأن تتحدّث في عقلها أو علي لسانها. والحديث تحديدًا يأتي مع الاستطرادات، ونفي ما قيل، وتبرير ما حصل، وإعدام صلابة الخبر أو الرأي المؤكّد.«
ويضيف: »الحركة المشار إليها لا تتعارض مع السرد أو مع الوصف الساكن. إذ أنني قد أضمّن مقاطع سرديّة ووصفية كاملة. لكنّ الشخصيّة هي إما أن تكون حاضرة فيها، أو تكون المقاطع حجة للنظر إلي الشخصية من الخارج أو الولوج إلي الأفكار داخلها. اللغة في الرواية، إذًا، هي سبيلي إلي التعرف علي الشخصيات أولًا، وسير الرواية التفصيلي ثانيًا. فاللغة عندي أفضّلها وسيلةَ لا غايةً، ولاحقةً لا سابقةً، بالرغم من التحرير المتكرّر، ومن ثمّ النهائي الذي تخضع له الرواية- فتُشذّب فيها العبارات، وتستبدل بعض الكلمات منعًا للتكرار، ويعاد توزيع الفقرات، ويُحدّ من الاستفاضة، ويُعاد استخدام أدوات الوقف لتلاقي الإيقاع المطلوب من بعض المقاطع.«
غير أن أكثر ما يلفت النظر في مداخلة هلال شومان، هو هذا التردد في استخدام العامية في حوارات رواياته السابقة، تردد لم يبدأ في التغلب عليه إلّا أثناء كتابة الرواية التي يعمل عليها حالياً، إذ يقول: »تشجّعت وأخذتُ أفرد بعض المقاطع الكاملة باللغة العاميّة. ووجدتُ أيضًا أنّ علي أن أبدأ بحسم خوفي من الحوار، فحرصتُ أن أستفيض فيه حيث يجب وأن لا أقصره علي الأسئلة والأجوبة، بقدر ما أستخدمه لرسم إضافي للشخصيّات. واكتشفتُ أنّ المحكّية العاميّة في حوارات الرواية يمكنها أن تعطيك، بسهولة، شيئًا قد لا تحقِّقه عبر السرد بالفصحي إلا بجهود أكبر. إذ يمكنني أن أرسم شخصيّة من طريقة كلام، كما يمكنني أن أعيدها إلي أصولها المكانيّة بطريقة النطق، ويبقي لي أن أجرّب كيف تعبّر عن هذا النطق بالطريقة اللغوية الأنسب.«
الكُرد والعلاقة الإشكالية بالعربية
لم يتمكن الكاتب السوري المعارض رستم محمود من القدوم إلي بيروت بسبب رفض منحه التأشيرة اللبنانية، لكنه شارك في المنتدي، عبر »سكايب«، بمحاضرة مثيرة للاهتمام تناول فيها علاقة الكُرد الإشكالية باللغة العربية لافتاً النظر إلي أنها تاريخياً لم تكن علاقة تخاصمية، فالكُرد كانوا »أكثر المجموعات السكانية في المنطقة تقبلا للغة العربية، بشكلها الكلي كلغة للمعرفة والتدين، أو بشكلها النسبي من خلال استخدام الكلمات والتعابير العربية، بشكل أكثر سلاسة وقبولا من جميع المجموعات السكانية »القومية« الأخري في المنطقة.«
حدد محمود عشرينيات القرن العشرين باعتبارها بداية التفارق بين الكُرد واللغة العربية، وهو العقد الذي أصر فيه اللغوي الكردي المير جلادت عالي بدرخان علي تحويل حروف الكتابة الكردية من الحروف العربية إلي الحرف اللاتيني.
واللافت أنه في الوقت الحالي لا يزال الكُرد في كل من العراق وإيران يكتبون الكردية بالحروف العربية، بينما يكتب الكرد في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية.
الورقة التي حملت عنواناً دالاً هو »تراجيديا الكُرد واللغة العربية« بينت من فقرة لأخري أبعاد هذه التراجيديا، كون العربية هي لغة الدين، لكنها أيضاً لغة القوميين العرب ممن رأوا في الكُرد بلغتهم الأم وعِرقهم المختلف تهديداً لطموحهم القومي. يقول محمود: »شكلت اللغة العربية المفروضة والمحتكرة لكل المجال العام، في التعليم والمؤسسات والإعلام والتبادل التجاري والإنتاج المعرفي والثقافي وبيروقراطية الدولة، سواء في المناطق ذات الأغلبية السكانية الكردية أقصي شمال البلاد، أو في المناطق الداخلية التي كانت تشهد حضورا سكانيا كرديا متفاوتا، شكلت ذلك الفرض وتلك الاحتكارية أقرب نموذج لصورة الطرف »الطاغي« في المخيلة القومية الكردي السورية.«
لكن المفارقة الحقيقية في علاقة الكُرد بالعربية تكمن في أنه رغم أن التحادث المحكي بالعربية لا يزال مرفوضاً ومستهجناً في المجتمع الكردي السوري، فإن التحادث والتواصل عبر شبكة الفيسبوك بالعربية »لا ينال ذلك الرفض من قبل المتن الأعلي من النُخب الاجتماعية والسياسية والثقافية الكردية، إذ يُعتبر ذلك شيئاً عاديا وطبيعيا. حتي أن التعليق علي الأحداث والمناسبات في شبكة الفيسبوك، من قبل جميع المؤسسات الثقافية والسياسية الكردية السورية، إنما يتم باللغة العربية غالب الأحيان، حتي من قبل طبقة القوميين الكرد الأكثر راديكالية.«
غواية العمومية
وفي بداية محاضرات اليوم الثالث، اختار الشاعر اللبناني يوسف بَزي حدث »المونديال« منطلَقاً لتفحص علاقة الفيسبوك باللغة في محاضرة عنوانها »حالات فيسبوكية: المونديال مثالاً«.
رأي بَزي أن الستاتوس النموذجي تطور إلي أن يصير جنساً كتابياً تقريباً، »فهو في الشكل ليس مقالة، ولا رسالة، ولا مقطوعة أدبية نثرية أو شعرية وليس محادثة أو اقتباسات. إنه هكذا، شبه برقية، ينحاز إلي إعلان موقف، غالباً ما يكون ساخراً، وعلي العموم يلتقط المفارقات، أشبه بخاطرة، لكنه متناسل من تراكم ذاكرة الفايسبوك ولغته العمومية، التي حددنا سماتها آنفاً. الستاتوس فن تطور بذاته عبر التجريب اليوميوما يمكن أن نسميه التناص المعمم. هو يستولد الرموز والعلامات والدلالات، من نظام رموز وعلامات ودلالات سابقة عليه.«
ولأن صاحب »نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم« متبرم بطبعه من كليشيه صورة المثقف النمطية، فقد وجد في الفيسبوك فرصة رائعة لتحطيمها والسخرية منها وتجاوزها. »إنها لحظة الإنغماس في العمومية، كما هي لحظة تعرية الذات وإشهارها، بل أيضاً ممارسة العلنية في ما هو شخصي وحميم ومتعوي ومجاني.«
وقد مثَّل حدث مونديال 2014 ذروة الانغماس في العمومية وتحطيم صورة المثقف النمطي. وهو ما وضحه يوسف بزي عبر عرض للسجالات الدائرة بينه ومعه مشجعي المنتخب الألماني من جهة وبين يحيي جابر ومشجعي المنتخب البرازيلي من جهة أخري.
أشار بزي في محاضرته إلي نقطة مهمة هي أن الكتابة بالفصحي في هذه السجالات »الاعتباطية«، »أقرب إلي أن تكون فعلاً تمثيلياً، محاكاة ساخرة، »بارودي«، كتابة تتوسل الخفة بتمثيل علي ثقل الفصاحة وبلاغتها. هو استدعاء متعمد للرطانة. هذا النوع غير الأدبي هو من ميزات الكتابة الفايسبوكية.«
أما الباحث والمترجم الفرنسي فريدريك لا غرانج فقد قدم محاضرة، حظيت بحضور كثيف، حلل فيها المقومات اللغوية لفكاهة الدمية الشهيرة »أبلة فاهيتا«، محاولاً »تحديد المرجعية الثقافية والطبقية التي تميز روحها، من خلال إظهار المراوغات اللفظية والتلميحات المبطنة وتحليل الخلط المحكم بين عناصر معجمية خاصة بالعولمة وتعابير ذات طابع بلدي ونسائي، وأخري تنفرد بها الأبلة بحيث تكون لها لغتها الخاصة المتميزة علي صعيد النطق والتصريف والبني والمعجم.«
إلي جانب المحاضرات والشهادات قدم الشاعر اللبناني يحيي جابر عرضاً آدائياً يجمع بين الشعر والمسرح بعنوان »هذا حائط«، »عن تطور لغة الشعارات السياسية والعاطفية والشعرية والاجتماعية والإعلانية والحربية علي حيطان المدينة وصولاً إلي تطورها مع لغة حائط الفايسبوك.«


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.