ونبه المستشار محمد عبدالوهاب خفاجي في حكمه إلي أن طلب إسرائيل بنقل الرفات ينطوي علي الإيحاء أنهم المتحدث الرسمي الوحيد بلسان الديانة اليهودية، مما يحولها من كائن سياسي إلي كائن ديني، وهذا أمر محظور دولياً. وقد استند- أيضاً- د. الخفاجي في رفضه لنقل الرفات إلي الشريعة الإسلامية التي تحظر النبش في القبور، وانتهت المحكمة- أيضاً- إلي منع احتفالية أبوحصيرة، استناداً إلي ما يقوم به بعض المحتفلين من انتهاك للتقاليد المصرية. الجديد في هذا الحكم أنه استند إلي مجموعة من الأبحاث، التي وصفتها المحكمة أنها لعلماء مشهود لهم بالنزاهة والعلم والتجرد، ومنهم أسماء لامعة متخصصة في التاريخ المصري والشرق أوسطي، بينهم علماء غربيون يعتنقون الديانة اليهودية. كما اعتمدت المحكمة في حيثياتها علي مجموعة من الأمور الرئيسية: الدستور، الذي حدد بوضوح وصراحة- علي حد تعبير د. الخفاجي- أن الحضارة المصرية تتمثل في المصرية القديمة، القبطية، الإسلامية.. كما ارتكز الحكم علي الدراسات القانونية المقارنة وذلك تحديداً في الجزء الخاص برفض نقل رفات الحاخام الإسرائيلي، وأنها عقدت مقارنة بين الفقه والقضاء. بين كل من فرنسا ومصر بصدد النظام القانوني للجبانات والمقابر وما ينتظمها من حقوق فإن الفقه الفرنسي ينظر إلي الجبانات والمقابر علي أنها تراخيص لها صفة العقود الإدارية وتتسم بطابع الاستقرار لإقامة مدافن أو أحواش عليها.. بينما يذهب القضاء الفرنسي إلي أن حق المرخص له في الانتفاع بجزء من أراضي الجبانات هو حق عيني عقاري موضوعه الانتفاع بالجزء المخصص في الأغراض المحددة في الترخيص بمراعاة أن رغبة الأسرة هي أن يستقر موتاهم في المكان الذي خصص لهم.. أما في مصر فإن الترخيص يمثل هذا النوع من الانتفاع يرتبط باعتبارات ومعتقدات دينية وأعراف مقدسة عميقة الجذور في نفوس الكافة منذ فجر التاريخ باعتبار أن القبر هو مأوي المرء وداره التي يواري فيها بعد انتهاء رحلته الدنيوية وكل ذلك أضفي علي التراخيص بشغل أراضي الجبانات في مصر منذ وجدت طابعاً من الثبات والاستقرار لا يزحزحه إلا إنهاء تخصيص المكان للدفن وقلما يتم ذلك إلا فيما يتعلق بالجبانات التي بطل الدفن فيها ودُست معالمها. ومن الأمور التي تجعلنا نقرأ الحكم باعتباره بحثاً علمياً، هو حيثيات الحجية التي استندت إليها المحكمة في رفض الطلب الإسرائيلي بنقل رفات الحاخام اليهودي أبوحصيرة من مصر إلي القدس، حيث ذكرت المحكمة نصاً أن الأمر يتطلب منها التعرف علي قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة لبحث ما إذا كانت الأرض المطلوب نقل الرفات إليها هي أرض ملك دولة إسرائيل أم أنها أرض مغتصبة تحت نيران الاحتلال، وبالفعل سردت المحكمة قواعد القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات المختلفة، التي كلها تؤكد يقيناً أننا أمام دولة احتلال واغتصاب للأرض والشرعية،. وفي النهاية أصدرت المحكمة حكمها برئاسة المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية المستشارين محمد حراز ووائل المغاوري نائبي رئيس مجلس الدولة الحكم في خمسة طلبات هي: أولاً: إلغاء قرار وزير الثقافة رقم 57 لسنة 2001 فيما تضمنه من اعتبار ضريح الحاخام اليهودي يعقوب أبوحصيرة والمقابر اليهودية الموجودة حوله والتل المقام عليه بقرية ديمتوه بدمنهور بمحافظة البحيرة ضمن الآثارالإسلامية والقبطة لانطوائه علي خطأ تاريخي جسيم يمس كيان تراث الشعب المصري. ثانياً: إلزام الوزير المختص بشئون الآثار بشطب هذا الضريح من سجلات الآثار الإسلامية والقبطية، لفقدانه الخصائص الأثرية بالكامل، وإلزامه كذلك بنشر قرار الشطب بالوقائع المصرية. ثالثاً: إلزام الوزير المختص بشئون الآثار بإبلاغ اللجنة الدولية الحكومية »لجنة التراث العالمي« بمنظمة الأممالمتحدة للتربية والعلوم والثقافة »اليونسكو« بشطب هذا الضريح من سجلات الآثار الإسلامية والقبطية تطبيقاً للاتفاقية الدولية الخاصة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي والقانون المصري وإعمالاً لمبدأ السيادة علي الإقليم المصري الكائن بهذا الضريح علي أن يكون ذلك الإبلاغ مشفوعاً بترجمة معتمدة من الصور الرسمية من حكم هذه المحكمة باعتباره الوثيقة والسند لهذا الإبلاغ. رابعاً: رفض طلب إلزام الجهة الإدارية بنقل هذا الضريح إلي إسرائيل استناداً إلي أن الإسلام يحترم الأديان السماوية وينبذ نبش قبور موتاهم، ودون الاستجابة للطلب الإسرائيلي المبدي لمنظمة اليونسكو بنقل الضريح إلي القدس إعمالاً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة واللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لاهاي باعتبار أن القدس أرض محتلة لا ترد عليها تصرفات الدولة الغاضبة وتخرج عن سيادتها وتلافيها لإضفاء شرعية يهودية الدولة بتكريس سلطة الاحتلال الإسرائيلي بتواجد هذا الضريح علي أرض فلسطين العربية. خامساً: إلغاء إقامة الاحتفالية السنوية لمولد الحاخام اليهودي يعقوب أبوحصيرة بصفة نهائية لمخالفته للنظام العام والآداب وتعارضه مع وقار الشعائر الدينية وطهارتها وذلك كله علي النحو المبين بالأسباب وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.