وزير العدل يشهد توقيع بروتوكول لإطلاق منظومة إلكترونية مؤمنة لتداول الطعون بالنقض    إصابة 3 أشخاص في حريق وحدة سكنية بقنا    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد إفطار مدارس السلام ببنها بحضور محافظ القليوبية    اقتصاد أكثر مرونة    إيران تواجه ترامب.. برنامج اليورانيوم والصواريخ ركائز أساسية للنظام    50 ألف مصلٍ يؤدون العشاء والتراويح في المسجد الأقصى وسط أجواء روحانية    زد يصدر بيانا بشأن دعم الحضور الجماهيري والترحيب بالتنازل عن التذاكر لجماهير الزمالك    ديلي ميل: «حرب أهلية محتملة» في ليفربول بسبب استبدال محمد صلاح    أمن القاهرة يكشف حقيقة تغيب طالبة عن منزلها بالمرج    ضبط مصنع أسلحة داخل ورشة حدادة بالفيوم والتحفظ على 400 قطعة    حمادة هلال يقرر اللعب بقواعد الجن في الحلقة السابعة من "المداح 6"    اختطاف «يوسف الشريف».. خطة جديدة تقلب الطاولة في الحلقة 6 من «فن الحرب»    سرقة أحمد العوضي وإصابة شقيقه في الحلقة 5 من "علي كلاي"    8 أنواع للصيام المكروه.. أيامٌ نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم    مفتي الجمهورية: زهد النبي طريق إلى محبة الله والناس والطمأنينة(فيديو)    ما حكم صيام الحائض والنفساء؟    إصابة زيزو في برنامج رامز.. وتصريحات مثيرة عن الزمالك    المستشار الألماني قبيل زيارة بكين: بوتين يمكن أن يوقف الحرب بكلمة من الرئيس الصيني    وكيل وزارة الصحة بالدقهلية يعقد اجتماعًا موسعًا لمراجعة توصيات الاجتماع السابق ومؤشرات الأداء    كريم بدوي: التكنولوجيا مهمة في تعظيم الاستفادة من الفرص البترولية بخليج السويس    «تعليم الجيزة» تتابع تنفيذ مبادرة «مدارس بلا رواكد»    وزير الصحة يبحث مع السفير الفرنسي دعم علاج أورام أطفال غزة بمستشفى «جوستاف روسي»    محافظ الوادي الجديد تناقش إجراءات إنشاء المستشفى الجامعي بأحد المنشآت الشاغرة    تقرير: أتلتيكو مدريد يحدد سعر ألفاريز.. وثنائي إنجلترا ينافس برشلونة    انقلاب سيارة نقل أعلى كوبري ب 6 أكتوبر والاستعانة بونش لإزالة الآثار.. صور    محافظة القاهرة توضح حقيقة قرار نزع ملكية مدرسة المنيرة الابتدائية الرسمية للغات    قناة السويس تشهد عبور سفينة الغطس HUA RUI LONG إحدى أكبر سفن حاملات المثقلات    بعد حكم المحكمة الدستورية …هل تتحول شوارع المحروسة إلى ساحات مفتوحة لتجارة المخدرات ؟    مصر تعزي نيجيريا في ضحايا الهجوم الإرهابي بولاية زامفارا    مواقيت الصلاة اليوم الأثنين في الاسكندرية    سابالينكا تحافظ على صدارة التصنيف العالمي لتنس السيدات    مؤسسة نبيل الكاتب الخيرية عضو التحالف الوطنى توزع 4000 وجبة جاهزة بالبحيرة    جامعة قناة السويس تعزز بناء الوعي القيمي والمهاري لدى طلاب المدارس بسلسلة ندوات نوعية بالتعاون مع المجمع التعليمي    لتحلية رمضانية سريعة، طريقة عمل الكنافة السادة    الداخلية تكشف شبكة غسل أموال مرتبطة بالمخدرات وتضبط 3 عناصر جنائية    تحديد موقف الأنجولي شيكو بانزا من لقاء الزمالك وزد في الدوري    رئيس الوزراء يتابع مُستجدات تنفيذ مشروع رأس الحكمة    فضل صلاة التراويح وكيفية أدائها في رمضان (فيديو)    انطلاق تداول العقود الآجلة في البورصة المصرية.. الأحد المقبل    وزير الري يتفقد المشروعات التنموية لخدمة المواطنين بجنوب السودان    المسرح القومي يقدم العرض الشعبي «يا أهل الأمانة» في رمضان    تحذيرات عاجلة من الهند وألمانيا لرعاياهما بمغادرة إيران    تراجع أسعار النفط مع إعلان أمريكا وإيران جولة جديدة من المحادثات النووية    إيران وسلطنة عمان تبحثان ترتيبات الجولة القادمة من المفاوضات النووية    محافظ البنك المركزي يبحث مع وزير «التعليم العالي» أوجه التعاون المشترك    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى المريوطية دون إصابات    تصل ل 8 درجات مئوية.. أجواء باردة ورياح قوية محملة بالأتربة    مصر تتابع باهتمام وقلق بالغين مسألة الحدود البحرية بين الكويت والعراق    بدء اجتماع لجنة الصحة بالنواب لبحث مشكلات قطاع الدواء وتراخيص التركيبات الخطرة    العشري: لم ننسحب أمام دجلة.. وما حدث كان رسالة اعتراض على الظلم التحكيمي    فعاليات متنوعة.. الأوبرا تطلق لياليها الرمضانية فى القاهرة والإسكندرية    حماية ل رغيف الخبز.. ضبط 14 طن دقيق مدعم وحر فى حملات رقابية على المخابز    القبض على رجل أشعل النار فى زوجته وحماته بالفيوم    ماجد الكدواني: "كان ياما كان" يسلط الضوء على التأثير النفسي للطلاق والتفكك الأسري    جمال العدل: الزمالك «نور العين والروح والقلب».. وفتحت الشركة الساعة 8 الصبح علشان 15 ألف دولار للاعب    انتخاب كيم جونج أون مجددا أمينا عاما للحزب الحاكم في كوريا الشمالية    فيلم «One Battle After Another» يتوج بجائزة أفضل فيلم في جوائز بافتا 2026    نادر شوقي: هذا أول رد لوالد زيزو على عرض الأهلي.. والنادي رفض ضمه في البداية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صلاة خاصة: آفاق جديدة لتلقي السرد الروائي
آفاق جديدة لتلقي السرد الروائي
نشر في أخبار الأدب يوم 04 - 05 - 2019

بعض النماذج الروائية الجديدة تحفز علي التساؤل عن تحولات فن الرواية وتطور أنماطه وأشكاله الفنية وعلاقته بمجالات أخري، وإثارة تساؤلات عديدة حول صلة فن الرواية بمجالات التعليم والإدراك المعرفي ونظرياتهما وكذلك تشكيل الوعي والبنية الذهنية للمتلقين أو تحريكها في اتجاهات بحثية بعينها. رواية »صلاة خاصة»‬ للروائي المصري صبحي موسي الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب 2019 تمثل واحدة من تلك التجارب الروائية التي تثير هذه الأسئلة حول الأبعاد المعرفية والتعليمية وجدل الجمالي والمعرفي في الخطابات الروائية وغيرها الكثير من التساؤلات المهمة. رواية »‬صلاة خاصة» هي نموذج فني ينحت في تاريخ المسيحية في مصر بدأب وبطابع بحثي لا يتجاوز الخصائص والسمات الجمالية للنوع الأدبي، وتقارب التحولات التاريخية الكبري والمصيرية للكنيسة المصرية ورأسها في الإسكندرية في فترة مهمة من العصر الروماني وبعد ذلك، ومن ثم تقارب التحولات والتشكلات العقدية في الكنيسة المصرية وبداية خصوصية تصوراتها للعقيدة المسيحية ومن ثم حربها أو صراعها مع السلطة الزمنية المتمثلة في الأباطرة الرومان وكذلك حربها وجدلها التاريخي مع الكنائس الأخري. السؤال الملحّ والجوهري هنا، كيف تبدو هذه المساحة من الجدل الديني والعقدي الرسمي والتاريخي مجال اشتغال جمالي للخطاب الروائي؟
الحقيقة أن الرواية عبر حسّ خاص استثمرت هذه المساحة من الصراع العقدي التاريخي والممتد لعقود طويلة بحسب حكاية دير الملاح كما يدوّنها روفائيل السكندري وتلميذه بنيامين وغيرهما وكما كشفتها رسائل أوريجانوس، هذه المساحة من الصراع العقدي والجدل الديني والخلاف والصدام مع الأباطرة والأساقفة الآخرين والباباوات أنتجت منها الرواية حالة من الشجن الإنساني العميق الذي يخلق حالا شعرية ينضح بها خطاب الرواية ويبدو في إطار هذه الشعرية علي قدر كبير من الإيحاء بمعان مطلقة حول تحولات الإنسان وتضحياته وانتهازيته أو قدر إخلاصه ونقائه ورغبته في المعرفة وإدراك الحقيقة. كما أن الرواية تبدو وفق هذه الشعرية الناتجة عن شجن هذا الصراع الممتد والمليء بالتضحيات والتحولات والتراكم والميراث الفكري والاجتهاد أو المطامع وجدل كل هذه القيم، تبدو ذات شكل إنساني أو دفق إنساني يجعل المتلقي في حال من المراقبة الرهيفة والتساؤل عن طبيعة الإنسان في المطلق وجوهره حين يموت أو يتعذب في سبيل أفكار واجتهادات لا يقدر علي حسمها من حيث الصواب والخطأ أو الحق والباطل أو الخير والشر.

»‬صلاة خاصة» لها منافذها الجمالية الدقيقة التي قد ترهق النقاد لما لها من وجه تاريخي وبحثي قد يُخفي أو يطمر بعض الجوانب الإنسانية أو شعرية الألم والعذاب الإنساني وشعرية تكرار المأساة وتكرار المصائر والتضحيات بشكل قدري يبدو فيها الإنسان مثل موجات متدفقة في نهر الوجود. بين تحولات الزمن وثبات المكان نسبيًّا وكذلك تبدل الشخصيات والأسماء والأفكار والمعتقدات وثبات الأسئلة أحيانا حول الله وحول جوهر العقيدة ومفرداتها ولوائح الإيمان وقوانينه يبدو نهر الإنسانية الشعري بمعالمه المحفزة علي التساؤل والمثيرة للدهشة. يتغير الجالسون علي المقعد البابوي في الإسكندرية مرات عديدة ويظل الصراع وتبقي الأسئلة ويظل الاجتهاد ويتنوع الإنسان بين نماذج عديدة ثابتة عنيدة وأخري أكثر مرونة وقبولا للاختلاف. من يميلون إلي الدماء والعنف وتصفية الحسابات بالمؤامرات والأكاذيب والمكائد ومن يبقون علي شرف الخصومة وحق الاختلاف ومن كافة هذه الحوادث والنماذج والتناقضات تتجلي شعرية تنوع الحياة الإنسانية التي تتجاوز الأحادية، ومن هذه الخلافات والاختلافات تتوالد التجارب والامتحانات والفتن والعذابات ومن يبقون راسخين في الذاكرة الجمعية بلا هفوات قديسين حامين للكلمة والمبدأ وآخرين يسقطون في اختبارات سهلة أحيانا، لتتجلي الطبيعة الإنسانية بتراكبها وغموضها واحتياجها الدائم للبحث والتنقيب فيها عبر الكتابة والتدوين والتساؤل وكتابة التاريخ.
فن الرواية وفق هذا النموذج الإبداعي المتحقق في رواية صلاة خاصة يبدو فنا جبارا إذا جاز التعبير، يملك من القدرات ما لا تملك الخطابات الأخري سواء السينمائية أو الدرامية أو الخطابات العلمية الأكاديمية أو التاريخية البحثية. فهو يحقق المعادلة الصعبة الجامعة بين الجمالي والمعرفي بطاقاته الفلسفية والتدوينية والتأريخية دون سأم أو جفاف بحثي. الخطاب الروائي علي هذا النحو يملك القدرة علي استثمار الوقفات البحثية والتأملية وطرح الأسئلة الصعبة التي تحتاج نقاشا يطول بالدليل والبرهان حول وحدة الإله أو الأقانيم أو صفة مريم البتول وما يستتبع الخلاف حول كونها أم الإله لدي البعض من جدل في مسائل عقدية أخري. بعض هذه الأفكار والمسائل قد لا تقدر علي طرحها ومقاربتها الدراما التلفزيونية أو السينما بقدراتها الشفاهية المتجردة من قدرات النص المكتوب.

فالنص المكتوب له طبيعة خاصة فيما يخصّ زمن التلقي، لأن القارئ يملك القدرة علي إعادة القراءة مرات عديدة دون حاجة لتكرار التشغيل أو المشاهدة كما في الفنون السردية الأخري كالسينما والتلفزيون، وهذه الطاقات البحثية والمعرفية إنما تشبع بالأساس بعض احتياجات المتلقين للمعرفة ونزوعهم إلي إدراك السر الجوهري في الصراع والدوافع الحقيقية للقتل والتعذيب والتنكيل والنفي وكافة الحوادث التي تمتلئ بها الرواية علي نحو ما تضج بها الحياة نفسها من الخلافات والاقتتال العقدي الذي يبدو هو النغمة الإنسانية الأكثر ثباتا في هذا الوجود، مهما كانت تنويعات هذه النغمة، فما خلاف المسلمين بتنويعاتهم حول الجهاد والعنف والقتال إلا صورة من الأصل الواحد الذي كان منه خلاف المسيحيين الأوائل في العقيدة. فالخلاف كله في النهاية عقدي والنتيجة كذلك واحدة تنوعت بين القتل والنفي والتعذيب، كما كان هناك دائما المرحبون بالاختلاف في الرأي والمتقبلون لأي الاجتهادات، حتي قد يصل الأمر لقبول الشيطان نفسه وإيجاد مبرر لأفعاله أو إدراك رفضه وعصيانه وفق منطق لا يخلو من وجاهة حسبما رأي أوريجانوس في رسائله وحسب ما استقرت عليه رحلة بحثه من التسامح والغفران مع الجميع وللجميع كما طرحت الرواية.
الرواية تمثل لحنا طويلا أو معزوفة موسيقية كبيرة تتراكب وتتداخل فيها تنويعات نغمية عدة، ففيها عدد من الأصوات السردية والحكايات المركبة والممتزجة وفق نسق تبادلي من بداية الرواية حتي نهايتها، فالحكاية الإطار التي تقع في الفترة المعاصرة وهي قصة أنطونيوس ودميانة وملاك كاتب دير الملاح وغيرهم من الشخصيات تمتلئ بالأحداث والتحولات ويصبح المكون العاطفي فيها روحا تصنع تواشجا ونغمة صغري ممتدة داخل النغمة الأكبر، كما فيها كذلك خط التحقيق الممتد وقصة نشر الكتاب الممنوع رسائل أوريجانوس علي أنها سيرة القديس أنطونيوس، وكذلك فيها خط البحث عن دميانة ولقائها مرة أخري بحبيبها بعد فراق وإنقاذها من الراغبين في التخلص منها لأنها اطلعت علي أسرارهم، وهي في ذاتها قصة فيها قدر كبير من التشويق والإثارة، كما في هذه الحكاية المعاصرة/الإطار قصة غامضة حول مقتل الراهب بوخوميوس أو انتحاره وهو لغز لا تتضح حقيقته إلا في نهاية الرواية، وهو ما يمنح الرواية الشكل البوليسي الذي يعزز بنية اللغز ويمنح خطابها نسقا حركيا يتمثل في السعي نحو كشف هذا اللغز ومعرفة القاتل.

أما الحكايتان الأخريان اللتين تتشكل منهما بقية النغمات السردية التي تتقاطع وتتبادل التوزُّع في فضاء الرواية، فهما قصة دير الملاح من بداية نشأته بما فيها من الحقائق أو الكرامات أو الأساطير إن جاز التعبير عن ميخائيل الملاح المعتزل في الصحراء بلبوءته وأشبالها التي تظل حاضرة من البداية للنهاية وفق منطق روحي أو اعتقادي جعلها لا تغيب عن عقيدة المؤمنين بوجودها سواء في الواقع أو الأحلام أو التحايل ومن هنا تمتد فاعليتها. وقصة دير الملاح في ذاتها هي الوسيط بين الحكايات الأخري لما مثل الدير ورهبانه من حال الوسطية والتوازن المعرفي والمعبرة أو القنطرة التي عبرت منها المعارف المختلفة في كافة الاتجاهات، وبشكل كبير من التوازن وقبول الآخر أو التنوع الفكري دون صدام وبخاصة في الماضي. فيبدو دير الملاح بتاريخه رمزا للمعرفة بشكل مطلق عبر سيرة رجاله ورؤسائه ديمتريوس وأبانوب المصري الجنوبي ورفائيل السكندري وإيمانوئيل الطيب وبوخوميوس. والنغمة السردية الرئيسة الثالثة التي تتبادل وتتراوح مع النغمتين السابقتين هي سيرة أوريجانوس حسبما دوّنها في رسائله الاعترافية إلي صديقه البابا ديونسيوس، والحقيقة أن هذه السيرة/الرسائل هي الجزء الجوهري في خطاب رواية صلاة خاصة، فهي الجزء المشترك بين الحكايات الثلاثة وتربطها جميعا ببعضها، وهي كذلك تعكس حالا خاصة من السماحة والسلام الروحي والمحبة الخالصة لكافة عناصر الوجود التي تبدو متصارعة.

رحلة أوريجانوس رحلة صوفية ثرية وفي غاية العمق وتمثل العمود الفقري للرواية بما فيها من رحلة بحث روحي ومعرفي وبما فيها من الإخلاص والنقاء والجَلَد وقبول الآخر ومحبته ومبادلة الشر خيرا، ولما فيها من الحكمة والتحولات الكبيرة وشجن الموت والترحال وتبدل الحياة بين الهناءة والألم والعذاب تبدلا لا يمكن توقعه ولا قراءته، ولكن يمكن لأوريجانوس فقط أن يتصالح معه ويستوعبه ويمر عبره كما لو أن كل هذا الألم لم يحدث من الأساس. النغمات السردية الثلاثة السابق عرضها تقع في أزمنة مختلفة ولكنها تبدو متشابهة وأسئلتها واحدة ونماذجها الإنسانية مكررة، وتبدو امتدادات لبعضها، حتي الأسماء تتكرر، فأنطونيوس الصغير أو الحالي قد يقابل القديس أنطونيوس الكبير الذي عاش في دير الملاح، ودميانة تري نفسها ومصيرها في رضا القديسة تريزا وقبولها لها وكذلك موقفها من أمها التي لها نفس الاسم كذلك. والحيوانات الحارسة الأسطورية أو الكرامات والشهادة تيمة متكررة في كافة الأزمنة بوصفها جزءا من العقل المؤمن ونسيجه الواحد، وأحد المكونات الفاعلة فيه، فنجد اللبوءة وأشبالها ودفاعها الثابت عن الحق وحراسة المظلومين والضعفاء لا تبدو بعيدةعن طبيعة كلب السماء الذي يبدو أشبه ببوصلة روحية لكل من أنطونيوس ودميانة ويوجههما ويربط بينهما كما يربطهما الحب، هنا يكون دور التكرار أو هذه الثنائيات المتوازية أو المتقاطعة أو المتناظرة ليس فقط الربط النفسي للشخصيات أو صنع حالة من الانسجام في النسيج الإنساني الذي يكون فيه العقل المسيحي المؤمن حالة واحدة أو متشابها إلي حد بعيد، ولكنها كذلك تخلق نوعا من التكرار في خطاب الرواية بحيث يحيل بعض الرواية علي بعض ويمثل التكرار شبكة من العلاقات والتقاطعات الداخلية التي تصنع وحدة النص وانسجامه أو تكامله. الرواية تجسد حالات عديدة من الصراع التي تجعلها مشحونة بالكراهية والحب وتنوع المشاعر الإنسانية، والإحساس بالانتظار أو الخوف والترقب والتخطيط والتدبير والحركة، وكلها في النهاية تصب في عنصر التشويق وتجعل الرواية تقدم حالات إنسانية نابضة وتمثل هذه الصراعات مرآة تكشف الشخصيات من الداخل، تكشف نزقها وطمعها أو صبرها وجلدها وتحملها، كما فيها عديد الاتجاهات والنماذج من الخير والشر والخليط أو الممتزج وهو الأكثر. كذلك فيها ما يمكن أن يكون صراعا بين الملائكة والشياطين أو بين النقاء والدنس، بين السامي والمنحط، بين المادة والجوهر، وهكذا ليبدو عالم الرواية عبر الحكايات الثلاث تركيبة حياتية شاملة ومعقدة فيها كافة التناقضات والتعارضات التي في الحياة الطبيعية أو التي يتشكل منها الوجود كله، فتركيبة الحياة هي تركيبة الوجود بتكامله وتعارضه وقيمه المتصارعة أو المتصالحة والمنسجمة، والتقاط الرواية لهذه الحالة الجوهرية للوجود هو قدرة خاصة للسرد الروائي علي اقتناص إيقاع الوجود وصراعه أو حركته نحو المعرفة أو التضليل.

للرواية نقطة إنجاز مهمة أخري تتمثل في قدرة خطابها علي تمثل العقل المسيحي بكافة شحوناته المعرفية والاصطلاحية وكافة الأسئلة والشواغل القديمة أو المتجددة، فنجد أنها علي قدر كبير من التدقيق فيما يخص مصطلحات علوم اللاهوت المسيحي وما يعرف بلائحة الإيمان والمجامع المسكونية أو الكنسية وما مرت به المسيحية من منعرجات أو اجتهادات وأبرز المجتهدين من الناحية التاريخية، فيكون القارئ بعد القراءة في القلب من مسائل الحياة الدينية المسيحية وقضاياها وتاريخ الكنيسة الذي ترصد الرواية تموجاته برهافة كبيرة لا تنتقص من الطبيعة الجمالية للسرد أو تجنح إلي الجفاف التاريخي الصرف. هذه المصطلحات والمعارف المسيحية تأتي موزعة وفق استراتيجية مشهدية تضج بالحركة والانفعالات والتصرفات البشرية والمطامع وحركة الأقدار التي تنتزع أحد أطراف الصراع أو كليهما، فيزول المتصارعون والمختلفون ويبقي الخلاف موروثا ويبقي أحيانا الحقد راسخا كما تبقي المحبة والتسامح والسلام النفسي قيما راسخة كذلك لدي آخرين.
الرواية فيما يخص ما ينتج عنها من الدلالات تبدو ذات طاقة إيحائية عالية ولا تميل إلي التصريح فهي تستعرض الحوادث والمواقف دون تفسيرها ليكون للقارئ حق التأويل والتفسير والفهم واستيعاب ما وراء الحوادث وما بين السطور، وليحاول أن يعرف أين يكون الخير وأين يكون الشر وأين التقائهما. ومن جمالياتها في تقديرنا منطقها في التعامل مع الأماكن والمواقع وتاريخ الأديرة وخصوصية كل دير والمعالم الجغرافية القديمة ورصد حركة الأسفار والترحال التي لا تنتهي أو تتوقف عند مرحلة أو فترة زمنية، وهو ما يمثل زادا معرفيا وجماليا إضافيا للرواية ويجعلها تتجاوز البنية التقليدية للسرد الروائي الذي يقتصر علي الحكاية التقليدية بأن يكون تاريخا للمكان سواء الديني أو المكان بصفة عامة من صحار وأنهار ومناطق جبلية أو مدن عريقة مثل أسيوط أو ليكوبوليس وكذلك الإسكندرية العريقة وما حدث فيهما من تحولات في هذه الحقبة وبخاصة صراع الديانات المصرية والرومانية القديمة مع الديانات السماوية أو بين اليهودية والمسيحية من جانب أو بين المسيحية ومن يسمون بالهراطقة والتيارات الفلسفية مثل الغنوصيين والأفلوطنيين أو تيارات المسيحية وبعضها ما بين مجسدين وغير مجسدين أو تداخل الديانات ببعضها علي نحو ما نري من وصل بعضهم إيزيس بمريم في فكرة (أم الإله)والقيامة والعودة بالجسد مرة أخري بعد التلاشي. فيما يشبه حالا عامة من الديناميكية العقدية الدائمة التي ليس لها وجهها الاجتهادي في المعرفة وحسب بل كذلك لها وجهها الدامي والعنيف ومن ثم تكون الطبيعة الإنسانية للصراع.

وفي تصورنا أن لهذه الرواية وجوها جمالية عديدة ومنجزات كثيرة، وتمثل حالة إبداعية تستحق الاهتمام والمقارنة بما سار قريبا من دربها من الروايات حتي تتضح الفوارق في المنجز المعرفي والجمالي. فنجد أن لغتها متنوعة ومتفاوتة بحسب السياق أو اختلاف الصوت أو شخصية المدون، فلغة أوريجانوس تختلف عن لغة ملاك أو لغة رفائيل، وهكذا، كل بحسب علمه وذهنيته. وتبقي فكرة التدوين والكتابة ذاتها ذات طبيعة روحية وبحثية تجعلها في مرتبة الصلاة أو رحلة البحث الروحي التي لا تختلف عن أشكال العبادة الأخري.
الكتاب: صلاة خاصة
المؤلف: صبحي موسي
الناشر: هيئة الكتاب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.