في ظل ما تم في مصر الآن من اختزال للثورة المصرية في مجرد عملية انتقال محدود في السلطة يتصارع عليها رجال الدولة القدامي مع الإسلاميين السياسيين، مع إقصاء في الشارع المصري للقوي الليبرالية وعودتها محدودة التأثير، غير مفهومة في خطابها لدي الجمهور العام. تكتمل عملية السرقة الكبري لشعار الثورة الأساسي وهدفها الجوهري ألا وهو ثقافة التغيير، إذ تتوالي عملية إقصاء المثقفين المصريين عبر مراحل متعددة: أولا كمرحلة أولي: الدفع بمشروعات إعادة هيكلة وزارة الثقافة كمؤسسات وهو حق يراد به إغماض العيون عن انسحاب دورها العاجل الآن.. الآن وليس غداً، ألا وهو نشر الثقافة السياسية الحقيقية بين الجماهير العامة. مثلما حدث بصراع وهمي حول إعادة هيكلة المجلس الأعلي للثقافة، مما أدي إلي شحنه بحالة من عدم الانسجام عطلت دوره الأساسي. ثانيا: كمرحلة تالية: موافقة وزير الثقافة السابق د. عماد أبوغازي علي خفض الميزانية، بينما زادت ميزانية وزارات أخري في إطار فكرة رفع الأجور. ثالثاً: حالة الصراع اليومي داخل مؤسسات الوزارة مما جعلها منشغلة بصراع النخبة الرسمية حول المناصب، وتبادل الاتهامات بالسرقة والكذب والسفه والجهل والعمالة والخيانة الوطنية والفساد الأخلاقي، وليصبح الصراع النخبوي الضيق الصغير، أكبر دليل علي إدانة المثقفين الرسميين، والفنانين والكتاب، في إطار تأكيد السعي نحو إهدار المصداقية لدي الجمهود العام. ولتظل وزارة الثقافة المصرية تسير في إطار سابق لها، كان مرسوماً لها ألا وهو عزل الثقافة عن الجمهور العام، لتنتج النخبة إبداعها وكتابتها لبعضها البعض. أما التحدي غير الملحوظ، وربما يبدو حدوثه بشكل عفوي، ولكن دلالته يجب فهمها وتحليلها، فهو الهجوم علي قصر ثقافة الإسماعيلية، واقتحام المسرح، ولأن الإخوان المسلمين والسلفيين، بل والجماعة الإسلامية تعلموا الدرس السبعيني في مصر فلم يهجم أحد علي المسارح، ولم يبادروا بهجوم عنيف علي أهل الفن والثقافة كما حدث مؤخرا في تونس. فإننا نأمل كمثقفين في إنهاء الصراع المفتعل بين الحداثة وتجديد الفقه الإسلامي، ونشير إلي ما فعلته وزارة العدل بمحاولة تحويل مسرح قصر ثقافة الإسماعيلية لإشارة من أهل القانون وحماية الشرعية والممتلكات العامة والخاصة أن اهجموا علي أوكار الثقافة فهل الفعل العفوي هو امتداد لسلوك بعض القضاة بتغليظ العقوبات بالمخالفة للقانون في أمور تتعلق بالحريات الشخصية وحرية الإبداع والرأي؟ تصرف الشاعر سعد عبدالرحمن برجولة الصعيدي الشهم وأخذ فرق الفنون الشعبية لحماية المكان وتصرف الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة بحكمة وهدوء عالم النفس، الذي أشار بعرض الأمر علي مجلس الوزراء، ثم اختار الصمت، وعاد المسرح لوزارة الثقافة ولكن تبقي الدلالة قائمة ألا وهي النظرة الهينة لمؤسسات الثقافة، سواء من الدولة أو المجتمع فماذا سيفعل المثقف إزاء اقتحام لمكانه؟ سيكتب ثم يمارس حزنه وعزلته التاريخية. لكن سلوك سعد عبدالرحمن وشاكر عبدالحميد كان موجعاً عبر احتشاد الحضور البشري، والاعتراض الرسمي الحاد والأنيق. بقي لهما بالتحديد أن يدركا أن التواصل مع الجماهير هو الحماية الحقيقية، وإخراج وزارة الثقافة من عزلتها عن الشارع هو هدف لايغيب كضرورة وجود، تمنح العمل الثقافي كله معناه. أما التيار الإسلامي فعليه أن يدرك أن ابتلاع الطعم، والاستهانة والهجوم علي مقار الثقافة المصرية هو كارثة محققة حتي لانعيد إنتاج الإقصاء الستيني للإسلاميين ثم المصادرة التي تبعته لأهل الثقافة المنادين بالديمقراطية. وأذكر بالحكمة البسيطة من كليلة ودمنة، أكُلت يوم أكُل الثور الأبيض. لقد دافع أهل الرأي والفن والثقافة عن المعتقلين السياسيين الإسلاميين واحتفلوا بخروجهم للحرية. ليست ببعيدة في ميدان التحرير. فليدافع التيار الإسلامي عن حرية الرأي والإبداع. فالمثقف ورجل الدين معاً ينشران الحق والخير والجمال. والمثقف ينشد المستحيل ولذلك فأرجوك لاتبتسم بعد قراءة هذه السطور، ولاتسخر من تلك القراءة المثالية الطابع فالبراءة والقيم علي تناقضها مع المصلحة والقوة في عالم السياسة، ضرورة لعودة الدور الثقافي المسروق، ولتكامل القوي الناعمة والصلبة في مصر، سعياً لعودة مشهد الانسجام والوحدة بين كل طوائف المجتمع المصري، والذي كان مستحيلاً متجسداً منذ شهور