محافظ المنيا يتابع من مركز السيطرة انتظام التصويت في اليوم الثاني والأخير من جولة إعادة انتخابات مجلس النواب    رئيس الوزراء يهنئ البابا تواضروس بعيد الميلاد المجيد.. صور    وزارة «التضامن» تقر قيد 6 جمعيات في 4 محافظات    عاجل| هؤلاء الموظفون محرومون من إجازة عيد الميلاد المجيد 2026    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم 4-1-2026 في البنوك المصرية.. توازن نسبي بين العرض والطلب    المتاحف تحتفي باليوم الدولى للتعليم.. تسليط الضوء على مكانة العلم والمعرفة عبر العصور    النفط الفنزويلي بين الاستثمارات الأمريكية واستراتيجيات السوق العالمية    بورصة الدواجن تعلن أسعار الكتاكيت البيضاء والبلدي والساسو اليوم الأحد 4 يناير 2026    صدمة في أسعار الذهب في بداية تعاملات الأحد 4 يناير 2026 بعد ارتفاعات الأمس    سعر الريال السعودى مقابل الجنيه اليوم الأحد 4-1-2026    البورصة المصرية تربح 9 مليارات جنيه خلال أول ربع ساعة من أولى جلسات 2026    "ليلة سعيدة وسنة سعيدة"| أول تعليق من رئيس فنزويلا لحظة اعتقاله في نيويورك    شاهد فيديو العملية العسكرية بأمريكا اللاتينية وخطف رئيس فنزويلا وزوجته    استشهاد فلسطينيين برصاص الاحتلال الإسرائيلي وإصابة آخر في خان يونس    فريق متخفى من CIA ومسيرات ومقرب من الرئيس..كيف أوقعت أمريكا بمادورو؟    ترامب: ديلسي رودريجيز أدت اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة لفنزويلا    المغرب يخشى سيناريو 2019 و2023 أمام تنزانيا بدور ال16 لكأس الأمم    «الشروق» تكشف ملامح تشكيل المنتخب أمام بنين    وكيل حامد حمدان يكشف سر انتقال اللاعب إلى بيراميدز    شوبير: الأهلي يبحث عن مهاجم تحت السن.. وجلسة فى الزمالك مع محمود بنتايج    تحذير عاجل.. انخفاضات غير مسبوقة لأول مرة منذ شتاء هذا العام والقاهرة 8 درجات    سقوط تلميذة من الدور الأول يكشف إهمالًا صادمًا.. إحالة 4 مسؤولين للمحاكمة التأديبية بالغربية    جائزة ساويرس الثقافية تعلن تفاصيل حفل نسختها الحادية والعشرين    بزيادة 25% لفناني الورشة الرئيسية اليوم.. انطلاق الدورة الثلاثين لسيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    الصحة: تنفيذ برنامج تدريبي مكثف لاعتماد مستشفيات الصحة النفسية    يا زمالك مايهزك ريح    قافلة «زاد العزة» ال108 تدخل إلى الفلسطينيين في قطاع غزة    واعظات أوقاف شمال سيناء يواجهن غش الامتحانات بدروس تثقيفية للسيدات    النشرة المرورية.. زحام الطرق الرئيسية فى القاهرة والجيزة    مصرع شابين إثر حادث سيارة بالطريق السريع في الحوامدية    «الداخلية» تقرر السماح ل 122 مواطنًا مصريًا بالحصول على جنسيات أجنبية    عقر كلب يُصيب 4 صغار بسوهاج.. مطالب عاجلة بالتدخل وحماية الأهالي    الأوقاف 2026.. خطة بناء الوعى الدينى ومواجهة التطرف بالقوة الناعمة    بعد الهجوم الأمريكي عليها| هام من الخارجية بشأن المصريين في فنزويلا    الشعوب تحتفل.. والسياسة حاضرة    ماذا قرأ المصريون فى 2025؟    نقابة الصحفيين تكرِّم «روزاليوسف» بمناسبة 100 سنة على صدورها    مع دخول العام الجديد «2026» : هل أصبحت مصر قبلة تعليمية رائدة؟    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    ريال مدريد يستضيف بيتيس في الدوري الإسباني    طريقة عمل كيكة الشوكولاتة في الخلاط، طعم غني وتحضير سهل    اليوم.. نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش السلام    "كنت قلقان جدًا".. آسر ياسين يكشف كواليس إعادة مشهد "البشكير" الشهير لأحمد زكي    ليست المرة الأولى.. فاركو يشكو حمادة القلاوي    بصوت نانسي عجرم... أغنية جديدة تُشعل عالم الطفولة في «بطل الدلافين»    إسماعيل شرف يكشف معركته الصعبة مع الورم الخبيث: "كنت على حافة الموت"    45 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات «طنطا - دمياط».. الأحد 4 يناير    صور.. لقطات مهينة تظهر مادورو وزوجته داخل مبنى مكافحة المخدرات في نيويورك    الأرصاد: طقس شتوي بامتياز الأسبوع الجاري.. وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة ليلًا    أمم إفريقيا – بيسوما: نحن محاربون لا نستسلم.. ومباراة السنغال مثل النهائي    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    لماذا يفضّل الرياضيون التمر؟    عيادة أسبوعية متخصصة لجراحة الأطفال بمستشفى نجع حمادي    نتيجة مباراة إسبانيول ضد برشلونة في الدوري الإسباني    ماك شرقاوي: اعتقال مادورو خرق للقانون الدولي وعجز لمجلس الأمن    غدًا..«بيت الزكاة والصدقات» يبدأ صرف إعانة شهر يناير 2026م للمستحقين بجميع المحافظات    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ميرال الطحاوي في حوار عن خيانة السيرة والأهل.. والمرأة الجديدة التي خلقتها الغربة:
أخيراً.. تحررت من عائلتي!
نشر في أخبار الأدب يوم 28 - 08 - 2011

"لم أعد مشغولة بأحد". تعترف ميرال الطحاوي بأنها أسقطت من ذهنها، وهي تكتب رواية "بروكلين هايتس" كل ما كان يقلقها، اسم العائلة، الأصدقاء، المثقفين، والمتلقين. تقول "قضيت علي الرقيب الداخلي تقريباً". هناك أسباب واضحة أوصلت ميرال إلي تلك الحال، منها الغربة "في المجتمع الجديد تصبح المرأة أكثر تحرراً من مخاوفها"، ووفاة والدتها "رحيل أمي أشعرني بتقطع الحبال التي كانت تشدني إلي عالمي القديم"، وأيضاً التقدم في العمر الذي "جعلني أكثر رغبة في الصدق".
في القاهرة سلمت ميرال أحدث أعمالها »امرأة الأرق« إلي سلسلة "كتابات جديدة". الكتاب أقرب إلي سيرتها الذاتية مع القراءة والكتابة. تضحك: "أعرف أن هناك من يرغبون في التلصص، وذلك الكتاب فيه كل شيء عن علاقتي بالكتابة". هنا حوار معها عن خيانة السيرة والأهل.. والمرأة الجديدة التي خلقتها الغربة، وأيضاً كيف عاشت أيام الثورة المصرية في الطرف الآخر من العالم. أمريكا.
سألتها.. "أنا كل نساء روايتي وليس هند فقط، ولا حاجة لي للاعتذار عن تلك الخطيئة"، إلي أي مدي يمكن أن يستفيد الكاتب من محطات في حياته؟
يمكن للكاتب أن يستفيد من كل المحطات في حياته، ويمكن له أيضاً استخدام كل التجارب والشخصيات المحيطة به. الكاتب قادر طوال الوقت علي استلهام الواقع وخيانته، في الوقت نفسه.
كل كتابات جيلي كانت تقترب من السيرة بشكل أو بآخر، حمدي أبو جليل، مصطفي ذكري، منتصر القفاش. هل يستطيع أحد أن يقول إن أعمالهم منفصلة عن السيرة؟
أنا نفسي لا أستطيع معرفة الفارق بين ما هو سيرة في رواياتي، وما هو محض ابتكار، ولكن ما أعرفه هو أن الكاتب لا بد أن يخون السيرة بكل الطرق.
الأمر الآخر أنني استطعت القول في "بروكلين هايتس" أن الغربة تحقق بعض التحرر الذي يحدث بالنضج، التحرر من العائلة. لم يعد هناك خوف. تستطيع أن تحذف الفاصل بينك وبين المتلقي. نعم أصبحت أكثر تحرراً في تلك الرواية، وبصدق أقول إنه كانت لديّ مشكلة مع التابوهات والمحرمات، تقابلها رغبة دائمة في كسرها. كانت تحاصرني مخاوف، من سوء التلقي، لطبيعة نشأتي، وحياتي القروية، دائماً كانت الكتابة علي مسافة من ذاتي. الغربة حررتني من تلك المخاوف. الآن أستطيع أن أكتب عن علاقة المرأة بجسدها، بشكل أكثر تحرراً، أو عن علاقتي بالرجل، بصورة أكثر وضوحاً. لم تعد للرقابة الذاتية سطوتها السابقة. قلّت تماماً. في "بروكلين هايتس" لم أكن مشغولة بالتلقي، كما كان الحال في نصوص أخري، كنت أخشي وأنا أكتبها من التلقي النقدي. ذلك أكبر إنجاز حققته. كسرت المراقب الذهني الذي يحد من العملية الإبداعية داخلي.
التقدم في السن.. هل يسهم أيضاً في تحرير المرأة؟!
المرحلة العمرية أصبحت تسمح، فعلاً، بالتأمل. تمنح قدراً أكبر من الشفافية. إنها مرحلة مهمة في حياة المرأة، حيث تصبح أقل حساسية للتلقي وأكثر رغبة في التعبير بصدق، عن مواجعها، بصرف النظر عن المتلقي. كنت أخاف من النشر، ومن الفضائحية، وكنت أخشي علي اسم العائلة. المرأة حينما تنضج، بحسب ما قالته لي ظبية خميس، تصبح لديها قدرة رائعة علي نقد الذات، خصوصاً وأنك لست في سبيلك لخلق بطل مثالي. صور الذات تتغير مع تقدم العمر.
واقترابك من ثقافة شديدة الخصوصية مثل الثقافة الأمريكية.. هل له يد في الحال التي وصلت إليها؟!
نعم، قرأت نماذج من الرواية الأمريكية، حيث لا يوجد تابو، وحيث بإمكانك أن تكتب كما تشاء. وجدت أمامي صورة أكثر تحرراً للأدب، وأدركت أن الوجود في ثقافة مختلفة يقلل مخاوفك، وهكذا قللت أمريكا من مخاوف المرأة المترددة في البوح والإفصاح، وغيرت من مفاهيمها عن العائلة والإبداع والحرية. باختصار بسبب السفر وتقدم العمر لم أعد معنية بفكرة إن كنت أكتب سيرة أم لا. كان المهم بالنسبة لي، إلي أي حد استطاعت ميرال أن تستلهم أجزاء من السيرة بشكل فني؟
وجود الابن والعالم البدوي في "بروكلين هايتس"، جعل هناك إحساساً بأنك تكتبين سيرة ذاتية، وبالتالي فهناك من يتحدث عن انتقامك من بعض الشخصيات في العمل.. ما رأيك؟
ليس انتقاماً، ولكن رغبة في الخلاص من أحمال ومن تجربة شائكة في الحياة. إذا كان هناك انتقام فمن الذات، لا من إحدي شخصيات الرواية، إلا إذا اعتبرنا أن الرواية عمل حقيقي، وهو ما لا أستطيع أن أجزم به.
لم يكن لديّ قصد في الانتقام أو الفضائحية، ولم أتحسب للنميمة، لأن فترة انقطاعي عن الكتابة، والساحة الثقافية لفترة طويلة، جعلتني غير مهتمة بأشخاص معينين، وأعتقد أن الكتابة أكثر شرفاً من محاولة الانتقام من الذات أو لها، كما عبرت بسرعة علي تفاصيل الحياة الزوجية بقفزة واحدة. وفي النهاية.. الرواية ليست عن علاقة صغيرة، كالزواج أو الانفصال، ولكن عن علاقة الذات بالمجتمع الجديد، كما أنها تمثل وجهة نظري، التي تحتمل أن يكون بها الكثير من الخيال.
ألا تشعرين أن النوستالجيا إلي العالم البدوي تحركك في معظم أعمالك ومنها "بروكلين هايتس"؟ متي تكتب ميرال الطحاوي رواية خالصة عن العالم المديني؟
لم أكتب عن المدينة لعدد من الأسباب، منها أنني لست ابنة المدينة، علاقتي بها مليئة باغتراب، يماثل اغتراب البطلة في نيويورك. الرواية فيها أزمة الاغتراب عن العالم الذي انتقلت منه، إلي عالم مدينة ضخمة خالصة مثل نيويورك.
كما أن العالم البدوي ليس متخيلاً، فقد شهد طفولتي، ونشأتي، وشكّل قيمي، وأنا إلي الآن، أنتمي إليه عشائرياً وثقافياً، والخلاص منه مسألة غير مفهومة، وغير واردة بالنسبة لي.
الشيء الآخر.. أعتقد أن الغربة يقابلها دائماً حنين إلي عالم الطفولة. البطلة تري ذاتها في العالم البدوي، الذي شهد طفولتها، هناك تستطيع استحضار صورة الأب والأم والجدة، وكلها صور تشكل ميراثاً لا يمكن أن أتخلي عنه، ولا أريد ذلك في الحقيقة، وبالمناسبة أنا رأيت في أطروحتي للدكتوراة أن جميع الروايات العربية، تقبع تحت مظلة من العشائرية، حتي لو كانت أحداثها تقع في المدن، فمن الأمور الجوهرية علاقة الكاتب بثقافته التي تشكلت في البدايات، وكمثال علاقة المرأة بجسدها، بالنسبة لي تشكلت في الثقافة البدوية المصرية.
الاغتراب، أيضاً، يخلق صراع الهويات، حيث يسعي منقطعو الصلة بماضيهم، إلي استرداد صورة عالمهم القديم، ذلك ميكانيزم للحفاظ علي الهوية داخل أي مغترب.
تقرأ روايتك "بروكلين هايتس" العلاقة بين الشرق والغرب.. من خلال مجموعة الشخصيات العربية المهاجرة.. هو أن الموجود في الشرق مرآة لما هو موجود في الغرب.. ما رأيك؟
لم أقم باسترجاع أو قراءة تراث الرواية العربية حتي أفهم العلاقة بين الشرق والغرب، ولكن من خلال رؤيتي لعدد من الأعمال الجديدة لخالد البري وحامد عبد الصمد، وغيرهما، وجدت أن هناك غربة مختلفة.
في ذلك الإطار أشير إلي أن، ما زاد تلك العلاقة تعقداً، هو أوضاع المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر. إدراك اختلافك ثقافياً يحدث دائماً حينما تكون في مواجهة ثقافة أخري. يظل الأمر معضلة فلسفية. حينما تعيش داخل ثقافة جديدة يحدث ذلك الجدل، شئت أم أبيت، وهو بالضبط ما يجري مع الجيل الثاني من العرب في أمريكا، الحفاظ علي هويتك التي تراها مهددة طوال الوقت، الأب يريد أن يتحدث ابنه العربية، أي يعيش في أمريكا ويرتبط بوطنه العربي. هنا يحدث ازدواج في المعايير، وصراع ينتقل من أرض الواقع إلي الكتابة. الصراع يحدث في "موسم الهجرة إلي الشمال" في ظل الاحتلال والإمبريالية، حالياً يحدث في ظل التخوف من المسلمين، العلاقة المتوترة الدائمة بين الشرق والغرب لا تنتمي إلي التاريخ فقط، ولكن إلي أرض الواقع أيضاً، أي أننا لا نستطيع الادّعاء بأنها انتهت، فالصراع قائم ولكن وفق معطيات جديدة، وهناك أجيال جديدة من الكتّاب الذين يحاولون رصد ذلك، ولكن عن نفسي لا تبدأ كتابتي من فرضية ذهنية، حيث لم أقرر الكتابة عن الشرق والغرب، ولكن عن امرأة مهاجرة، تُواجَه كل يوم بثقافة مختلفة، ثقافة بها جيوب عرقية كبيرة، وإثنيات، وصراع يهدد أمنها القومي، ومعارك يومية علي أعداد المسلمين والمساجد المتزايدة، وصور مختلفة للعربي عن الصور الاستشراقية القديمة. الواقع مليء بالارتباكات السياسية، وفي مجتمع غير قادر علي فهم الثقافة العربية، وغير قادر علي فصلها عن دوائر النزاع، ومهما كنت ليبرالياً، ستشعر أنك تنتمي إلي ثقافة محاصرة بسوء الفهم والتأويل، حيث يتم الربط دائماً بين الإسلام ومظاهر العنف.
وتتابع: في نورث كارولينا كنت محاصرة طوال الوقت بالمحافظين "أصحاب حفلات الشاي"، وعلي مقربة مني في فلوريدا، كنائس حرق القرآن. في لحظة من الصراع تكشفت أنني أنتمي إلي العرقية الموصومة بالإرهاب والموضوعة عليها علامات استفهام.
العلاقة بالغرب معقدة جداً وتزداد. الشرق لم تعد له صورة واحدة، فهناك الإسلامي، والنفطي، وغيرهما، وعموماً النقد وحده قادر علي فرز مظاهر الاختلاف بين الكتابات الأولي والجديدة التي تتناول العلاقة بين الشرق والغرب.
أما روايتي فغير مهتمة برؤية محددة للصراع، ولكنها ترصد شواغل المهاجرين، خصوصاً بعد الغزو العراقي، ووجود جزء من المهاجرين العرب الذين يشكلون عبئاً علي أمريكا، وضحية لسياساتها. عملي في تدريس اللغة العربية جعلني قريبة من ذلك الصراع، فأنا من أدرس لغة العدو لطلبة معظمهم من الجيش الأمريكي، يتعلمونها بالقطع لأغراض سياسية، وذلك ما يجعل حياتي اليومية وكأني أقوم بالدفاع عنها. أدافع عن لغة الثقافة العربية التي أنتقدها في مكان آخر، وهكذا أعيش نوعاً من الازدواجية في كل لحظي لي، في أمريكا.
فكرة النسوية لا تليق بكاتبة؟ أعني هل تجعلها محصورة في خانة وحيدة؟
لم أرتبط طوال عمري بجمعيات نسائية. مفهوم النسوية في النقد والثقافة اختلف، كانت التهمة التي توجه إليها إليها في فترة معينة، أنها سطحية، لأنها تنحصر في الدفاع عن المرأة في مواجهة الرجل، أي أن لها مهمة إديولوجية محددة، هي إنصاف النساء، ولكن النسوية بمعني استلهام الحس الأنثوي في الكتابة أمر مختلف.
الكتابة العالمية تحررت من النسوية بمعناها الضيق السابق، والنسوية العربية جنحت للإنسانية بشكل عام، ولكن لا بد من الإشارة إلي أن عالم النساء مليء بالتجارب والأسرار، وتاريخه غير الطويل لم يُكتب بعد. أن تكتب عن المرأة بدون الوعي بالتغيرات الاجتماعية التي تحدث هو الخطأ الكبير. في بداية كتابتي كنت أحاول التبرؤ من كل ما هو نسائي، لأنه يعلي حقوق النساء علي حساب فنيات النص. لو أجرينا مسحاً للكتابة الآن، سنجد أن عدد النساء الكاتبات يفوق عدد الرجال، وهن لا يكتبن عن النسوية بمعناها الضيق حينما كانت تلبي حاجة معينة في فترة من الفترات. أصبح النص النسائي أكثر انفتاحاً، تحرر من المفاهيم الضيقة عربياً وعالمياً، وأضرب مثالاً بالكاتبة رجاء عالم، فهناك صعوبة شديدة أن أقول إن ما تكتبه يمثل النسوية السعودية. تجربتها فنية أكثر منها نسائية. الآن أستطيع أن أقول بثقة إن مرحلة النسوية بمعناها الضيق استوفت متطلباتها، وإن الرهان النسائي أصبح ينحصر علي المستوي الفني فقط.
"سافرت للدراسة كباحثة في جامعة نيويورك، وسط ظروف عائلية عنيفة، زادت من الرغبة في الهروب والسفر من القلق والظروف المحبطة"، هل أعادت إليك أمريكا بعضاً من الهدوء؟
كنت أريد السفر إلي أمريكا منذ زمن، من لحظة شروعي في إعداد رسالة الماجستير عن غادة السمان. لقد فتحت وعيي عن تجربة المرأة مع السفر والاحتكاك بالحضارة الغربية، كنت أرغب في ذلك لاستكمال تجربتها. جزء من طموحي الإنساني وتمردي كان يلح عليّ بالسفر والبحث عن الذات، وحينما سافرت إلي جامعة نيويورك لم يكن لديّ قرار بالإقامة، لكن التجربة عموماً منحتني إحساساً بالمسؤولية، وحققت لي صيغة من صيغ التمرد الذي كنت أبحث عنه، المرأة التي تصنع تاريخها الشخصي بعيداً عن القيم الأسرية. بعد وفاة أمي شعرت بأن الروابط التي تشدني إلي الأسرة تقطّعت شيئاً ما. تلك التجربة مكملة لرحلة تمرد، رحلة أردت بها الاعتماد علي الذات، والبحث عن إمكانية جديدة للكتابة بعد انقطاع. أعادت تشكيل روحي. كانت خطة جديدة لي ككاتبة وإنسانة، أتاحت لي مساءلة ذاتي وكتابتي، وهي تجربة قاسية بلا شك، لأنها تجربة لإنسان مفرد، بلا أي سند في الحياة.
كيف عشت أيام الثورة في غربتك؟ وكيف ترينها الآن بعد مرور كل ذلك الوقت علي قيامها؟
عشتها كأي مغترب يشعر بوطأة اغترابه أكثر، في الأفراح والأحزان والأيام الصعبة. طبعاً تفجرت انتماءاتنا الوطنية، وأصبح الحلم بالتغيير ومنح مصر ما تستحقه من حياة.
المواطن المصري المغترب ليس نتوءاً في حياتنا السياسية. إنه جزء عميق وأصيل، ولا نحتاج للمزايدة عليه، أو إنكار مصريته، ولذلك أشعر بالأسف العميق عندما يتهم شخص وطني مثل الدكتور محمد البرادعي، بأنه ليس جزءاً أصيلاً، من المجتمع المصري. المواطنة ليست مكاناً وليست منة من أحد. المواطنة والوطنية السياسية حق لكل مصري، مهما كانت البلاد التي يعيش فيها المواطن. الأمريكي والأوروبي خارج وطنه، هو مواطن كامل الأهلية، ولا يشكك أحد في انتمائه القومي، بل تعتبره تلك الدول سفيراً وممثلاً لها، إلا في مصر، حيث يسود ذلك النزيف السياسي الذي يهدر القيم المصرية، التي كافحت وناضلت في الخارج، وأصبحت المزايدة عليها وإنكار وطنيتها جزءاً من الغباء السياسي.
أقول ذلك وقد شاهدت مصريين، في أرقي الجامعات العلمية، في أمريكا يتراصون حول سفارة بلدهم، ومعهم أولادهم وعائلاتهم، طوال الأيام ال18 السابقة علي تنحي "الرئيس المخلوع"، وكل منهم يرغب بعمق في ترك كل ما حققه، وأن يعود ليخدم تلك الثورة بأي شكل.
لا أعتبر نفسي مغتربة بمعني ما، لكني شاهدت أجمل مشاعر الوطنية والعروبة، في أجيال كنا نظن أنها قطعت كل السبل بوطنها.
لماذا حكمت علي جيلك بأنه جيل "مفيش فايده ولا أمل"؟
لم أحكم علي جيلي بغياب الأمل، ولكن قلت إنه ساد طوال عقود شعور خانق، بخيبة الأمل وبأن مصر يقود قطارها سائق أعمي، وأنها لا محالة ذاهبة إلي المجهول، وأن الهرب لم يعد مجدياً.
كنت أري أيضاً أن الطبقة المتوسطة انطفأت، وتضاءلت أحلامها في توفير فرص تعليم لأولادها، وتحولت كل البيوت إلي سكني للدروس الخصوصية، وتحول الأباء والأمهات إلي ماكينة لتوفير الحد الأدني من العيش الكريم. تلك الطبقة التي هي قوام الوعي، في كل المجتمعات، تدهورت وأصبح حلم التغيير مستحيلاً، كما أنه مع تصاعد المد الديني المتشدد، تحولت الجامعات إلي مؤسسات لا تعليمية ولا أكاديمية، وأصبحت لا تنتج إلا أجيالاً مفرغة. نعم.. هرب كثيرون ممن لم يستطيعوا التكيف مع الفساد، الذي أصبح مؤسسة بكل ألوانه، لذلك قلت مثل الكثيرين إنه لا أمل علي الإطلاق، لكنّ أجيالاً من الشباب، الذين كبروا فجأة، استطاعوا بكل قوة، أن يثبتوا لنا ضعفنا وعجزنا، وأن يحررونا من اليأس، والحقيقة أن إيجابية تلك الثورة العظيمة، تكمن في ذلك الحراك السياسي الجديد، والأمل الذي أحيانا جميعاً.
هاجمت المثقفين وقلت إنهم كانوا "متفرجين" جيدين علي الثورة، مع أن كثيراً منهم شارك فيها.. لماذا كانت نظرتك العنيفة؟
لم أهاجم المثقفين علي الإطلاق. هاجمت بعض المثقفين الانتهازيين، الذي بحثوا في الثورة عن منافعهم الخاصة، ورغبوا بسرعة في استثمار مناطق الضوء لتجديد نجوميتهم، وفي الحقيقة.. ما أسمعه في الشارع المصري، من شباب صغير، أكثر عمقاً ووطنية من ثرثرة المثقفين وخلافاتهم الضيقة. ليس فقط المثقف الانتهازي الذي كنت ألومه، بل الإعلامي الانتهازي الذي غيّر مكياجه، والممثل الانتهازي، والسياسي الاتنهازي، الذي سطا علي مجد الثورة، والتيارات الانتهازية التي امتطتها لتحقيق أهدافها الضيقة. أكره هؤلاء وأقول إن كل المتفرجين والانتهازيين، قفزوا فجأة ولم يتركوا ولو مجرد حيز ضيق لصناع ذلك الأمل.
وأقسم أن هذه الثورة، بها من الشباب، من يستطيع أن يتقلد الوزارات، وأن يغيّر تغييراً حقيقياً، لكننا نعطي الحقائب والعمل السياسي والإعلامي للوجوه نفسها، بعد أن تشتري عدة بذلات من باريس، وتعود بمسبحة أو برابطة عنق جديدة، وتجلس إلي الكرسي نفسه، ربما في قناة تلفزيونية جديدة.
ذلك الخداع يجهض كل مكتسبات الثورة، ويعود بنا من جديد إلي منطقة "أبوك عند أخوك" كما يقول المثل، وللأسف الحياة الثقافية ووزارة الثقافة ووجوه المثقفين، الذين سلموا وهللوا واطمأنوا علي صحة "الرئيس المخلوع" ما تزال تحتل المشهد، ولهذا أهاجم بعض المثقفين المستعدين لأدوار معروفة ومكررة، في التقاط الصور وركوب الموجات ببراعة.
بمناسبة وجود الجانب الديني في روايتك "بروكلين هايتس". كيف ترين المد الديني الذي حدث في مصر في أعقاب "يناير"؟
التيار الديني موجود في أعمالي، وأيضاً في الواقع منذ وقت طويل، وأصبحت له أطياف عديدة، بعضها يمكن قبوله كيمين سياسي، وبعضه مثل كل عصور الانحطاط السياسي والثقافي، ينمو تحت الأرض ويفاجئك، بأنه للأسف، كان طوال الوقت معك، وأنك بتجاهله لا تنفي وجوده. قلت ذلك منذ عدة سنوات، أن مشهد الجامعة المصرية تغيّر، وخصوصاً في الجامعات الإقليمية التي أصبحت مرتعاً لتيارات طاردة وتحتاج لتصحيح، وقوبل كلامي آنذاك بعاصفة من الاتهامات ، ولكنني سأقولها ثانية، أنني لم أكن أستطيع أن أدخل المدرج، أو ألقي محاضرتي، دون أن أتلقي انسحاباً جماعياً من صف الأخوة الذين يرفضون أن تعلمهم امرأة، وغير محجبة، وأنني كنت أتلقي عدة خطابات من طلبة تحثني علي تقوي الله.
تدريس العربية في الجامعات، هو تخصص المتشددين، ويتم في إطار يكفّر ويحجّم الأدب خصوصاً الحديث. للأسف ذلك جزء ونتاج من انحطاط سياسي وثقافي طويل، يحتاج لجهود جبارة، لتقوم العلوم الاجتماعية في الجامعة المصرية بدورها التنويري الخلاق.
وعلي مستواك الشخصي.. هل تشعرين بأن هناك تغييراً في نظرتك إلي الكتابة حالياً؟
الثورة غيرت كثيراً في ثوابت المجتمع المصري وقيمه، وأفرزت جيلاً وواقعاً جديدين، وأعتقد أننا بعد أن نتخطي فترة الكتابة التقريرية، عن أيام الثورة وأحداثها، سيصبح المشهد الروائي والأدبي شديد الاختلاف، وللحق فإن المشهد اختلف قبل الثورة، حيث شهد ظهور دور النشر الشبابية واستعمال الإنترنت والمجموعات التي تقرأ. كل هذا غيّر كثيراً في التلقي وفي مفهوم الكتابة، حيث لم تعد هناك تلك الهيمنة الأبوية التي عاني منها جيلنا. نعم لم يعد هناك أباء مفترضون، من النقاد والكتاب يحرضون الشباب علي تقليدهم، أو الجلوس بانتظار تعميدهم.
هل أصبحت متفائلة الآن لمستقبل مصر السياسي؟
أنا متفائلة برغم كم الإحباط. متفائلة بالإنسان المصري، الذي اكتشف هويته ووطنيته وقدراته العميقة. لا يستطيع أحد أن يقف أمام أبناء ذلك الجيل، فقط ربما يعطلون مسيرتهم ويؤخرون رحلتهم، لكن التاريخ يقول إن الشعوب إذا اكتشفت مكمن قوتها، فلا أحد يستطيع أن يحجّم من جيشانها.
نحن نشهد تغيراً جذرياً في العالم، وليس في المنطقة العربية فقط، تغيراً سيلون وجه العالم بأطياف وقوي جديدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.