«مخزنة في أجولة».. العثور على «أموال ضخمة» داخل منزل البشير    ضبط 2826 دراجة نارية مخالفة خلال أسبوع    تقودها منافسة محتملة له ..دعوات إقالة ترامب تتصاعد    دنيا عبدالعزيز تواصل تصوير "قيد عائلي" وتستعد للسفر للخارج والسبب !    تقرير منظمة التحرير: سرطان الاستيطان يلتهم فلسطين    تحت القبة "جوزيه".. ما سر تمسك الأهلي بالساحر البرتغالي؟    كر وفر بين متظاهرى السترات الصفراء والشرطة الفرنسية للأسبوع ال23    تركي آل الشيخ: ماتش الزمالك صعب.. و"الشناوي" هيضيعنا    سماع دوي انفجارات ونيران مضادة للطائرات في طرابلس    ملعب أفريقيا يكشف كواليس اجتماع الخطيب بلاعبي الأهلي    بارزاني: بلادنا نموذج للتعايش بين المكونات الدينية والقومية    تزوير الانتخابات من موروثات الماضي وانتهت    هشام صفوت الرئيس التنفيذي ل«جوميا مصر»: لا نفكر في الطرح بالبورصة حاليًا (حوار)    وائل الإبراشى: إدماج متحدي الإعاقة في المجتمع أهم إنجازات السيسي    انطلاق بطولة كأس مصر للكاراتيه بمشاركة ألف لاعب ولاعبة في أسوان.. صور    مصر تخرج للاستفتاء على التعديلات الدستورية    درجات الحرارة المتوقعة اليوم الأحد 21 /4 /2019 بالقاهرة والمحافظات    ضبط 58 من قائدى السيارات أثناء القيادة خلال 48 ساعة .. اعرف السبب    مباحث الأموال العامة تكشف 6 قضايا كبرى متنوعة خلال 24 ساعة بعدة محافظات    بالأرقام .. ننشر جهود الإدارة العامة لشرطة الكهرباء خلال 24 ساعة    رئيس «النواب» يجيب عن أسئلة الساعة في حوار مع خالد ميري: الوطن «غالي» والشعب يصنع المستقبل    توفيق عكاشة: الرئيس السيسي يقف ضد مخططات التخريب وعلى الشعب مساندته    شاهد| البرومو الرسمي ل«مملكة الغجر»    حظك وتوقعات الأبراج اليوم الأحد 21-4-2019    ثلاثة طرق صحيحة لإذابة اللحم المجمد    تعرفي علي أسهل طريقة للقضاء علي البعوض نهائيا    الرقابة الصناعية: مواجهة الغش للحد من المنتجات المنتهية الصلاحية    روسيا تستأجر ميناء طرطوس بسوريا 49 عاما    مجلس جامعة القاهرة يستنكر الهجوم على الخشت    وزير النقل: التعديلات تعزز مكانة مصر العالمية    خلال متابعته تأمين اللجان من داخل غرفة العمليات الرئيسية..    الرئيس يوجه بمواصلة تطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة لدفع عجلة التنمية    صلاح يقود ليفربول أمام كارديف سيتى للحفاظ على قمة الدورى الإنجليزى    سموحة يواصل التألق مع «التوأم»    منع مطربة شهيرة من الرقص خلال حفلها بالسعودية    الزمالك يحفز لاعبيه بصرف المستحقات قبل «صدام» بيراميدز    وزير المالية خلال اجتماعه مع سفيرة بلجيكا بالقاهرة: نسعى لرفع معدلات النمو الاقتصادى إلى 6% وخفض الدين العام    «التجاري الدولي» يؤسس «مكتب تمثيل» في إثيوبيا    كلام سياسة    "المفرقعات" تتسلم اللجان لفحصها استعدادا لليوم الثانى فى مارثون الاستفتاء    مفاجأة مرعبة بغرفة نوم في أسكتلندا.. لن تصدق    دير المحرق..    ضبط أكثر من 11 ألف قضية سرقة تيار كهربائي متنوعة    «لافارج مصر»: لا تحريك لأسعار الأسمنت عقب زيادة الوقود    كرم جبر : معاً نرسم طريق المستقبل    "أمان الداخلية".. تشارك في معارض أهلا رمضان    أكشن    ظل ونور    شاكر يبحث في الرياض.. غداً    وكيله يوضح.. هل بدأ الأهلي مفاوضات تمديد استعارة رمضان.. واللاعب يسافر ألمانيا للعلاج    البيطريين تكشف حقيقة "انفلونزا الكلاب" وانتقالها للبشر    الافتاء: صيام نهار نصف شعبان والاحتفال به مباح.. ليس بدعة(فيديو)    خالد الجندي يوضح أحوال الناس يوم القيامة.. ويؤكد: هذا الشخص يخلد في النار    دار الإفتاء توضح صحة أحاديث فضل الجيش المصري    عقاقير السيولة قد تمنع حدوث السكتات الدماغية دون خطر حدوث نزيف    على جمعة يوضح فضل إحياء ليلة النصف من شعبان    لبناء جسم جميل وصحي تناول هذه الاطعمة    أفكار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





باب الوداع
نشر في أخبار الأدب يوم 16 - 07 - 2011

يقسم جاد الرب كل صباح أنه يراهم قبل الفجر. يحكي للشارع كله ، ولكن لا أحد يصدقه.
ذلك العجوز، العجوز جدا . الكثير يعتقدون أنه تجاوز المائة عام، والبعض يرجح أنه تجاوز ذلك بكثير، لا يعلم أحد عمره الحقيقي، ولكنه بلا شك أكبر شخص في مصر القديمة كلها.
يتركونه يجلس طوال النهار علي مصطبته علي رأس الشارع في هدوء، بقامته الفارعة وشعره الأبيض المجعد. تحسبه شخصا عاديا، فإذا أظلمت السماء وقلت الخطوة في شارع باب الوداع، تراه ينزوي ثم ينزوي حتي يختفي تماما عن الأنظار.
لا يعلم أحد أين يختفي ولا أين يقضي ليلته، ولكن إذا أشرقت الشمس في الفجر التالي فإنه ينتظر أول شخص علي مصطبته ليحكي له .
باب الوداع هو الشارع الذي يطل مباشرة علي جبانة باب الوزير الشهيرة في مقابر الإمام الشافعي بالتحديد خلف القلعة، يمتد في خط مستقيم ولكن بانحدار شديد من سكة المحجر مروراً بالدفتر خانه وانتهاء بشارع قرافة باب الوزير.يقال إن باب الوداع نفسه هو باب من أبواب القاهرة القديمة المسورة كان يفتح علي مدينة الموتي، وآخرون يقولون إنه لا توجد أي آثار لباب في تلك المنطقة وأنه مجرد أسم الطريق الذي كان يسير فيه المشيعيون إلي الدار الآخرة.العديد من الشوارع الفرعية تفتح فيه مملوءة بالسكن الشعبي أو بالمدافن.
أجيال جديدة من الناس تربت هنا في هذا الشارع ولا يشغل بالهم البحث في اسم شارعهم، بعضهم يعمل والآخر يكسب عيشه بطرقه الخاصة، يسكنون بعض البيوت المنخفضة أو المقابر التي هجرها أصحابها من الأحياء، كلهم ولدوا تقريبا ووجدوا عم جاد الرب يجلس دائما علي مصطبته بجانب مدفن إبراهيم باشا عزت طوال النهار، وربما تمشي قليلا إلي أصحابه من أصحاب المحلات ليشرب شايا أو يشحت سيجارة.
جاد الرب كان من خدم الباشا المقربين أيام عزه، وحتي بعد الثورة، وبعدما مات ودفن هنا في مقابر عائلته، أولاده الذين هاجروا كلهم خارج البلاد عينوا جاد الرب حارسا للمقبرة كوظيفة توفر له أي دخل إكراما له بعد أن باعوا كل أملاكهم في مصر.لم يتزوج جاد الرب.عاش وحيداً.
علي الرغم أن الجميع يعلم أن جاد الرب لا يبات في المدفن ولا يسمح لأي شخص أن يبات فيه وأن الموت أقرب إليه من أن يجلس هؤلاء الصعاليك بجانب سيده الباشا.ومع ذلك لا يراه أحد في الليل علي مصطبته ولا في المدفن ولا في الشارع كله، ولكنه يعود في الصباح ليحكي عما حدث في الليلة الماضية .
جاد الرب في الليل يعيش في عالم آخر، يحكي دائما عندما يصعد باب الوداع إلي آخره، ويبحر يساراً في المقابر طويلا.لايستطيع منع نفسه من التوقف حتي يجد الباشوات كلهم مجتمعين في صالون راق بأثوابهم السوداء الراقية، ولمعان الجواهر والذهب، يسمعهم يتحدثون وسط الأدخنة المميزة والأضواء البراقة بالعربية ولغات أخري لايفهمها عن كأس العالم وانتخابات الشوري وحرب العراق والتغيرات المناخية.
ينادي له ابراهيم باشا بإشارة من إصبعه، فيجد نفسه قد دخل هذا العالم فجأة، يحس يد الباشا وهو يعطيه الجنيهات كي يجلب له دخان (البايب)، فيهرول مسرعاً ليخرج من باب السراي ويودع النجف الفرنسي علي الأسقف الشاهقة، والأعمدة المرسومة والسجاد الفارسي والتحف الهندية.يسير في طريق طويل الي محل فيشتري منه الدخان ويعود مرة أخري، وهو في طريقه يجد الشمس اشرقت والضوء ملأ المكان، فيندهش مصدوما وكأنه كان في حلم عندما لا يجد الباشاوات ولا السرايات مجرد بيوت فقيرة ومدافن وفقراء.
أحيانا في الصباح يأتي يونس يجر جاد الرب من جلبابه، ويرميه في عنف علي مصطبته، يصيح فيه، ويقسم لو رآه مرة أخري هناك سوف يتركهم يحبسونه.
ويونس كان يسكن في باب الوداع قبل عشر سنوات. ويعرف قصة جاد الرب وقصة كل واحد، وهو الآن أمين شرطة في قسم الخليفة، لم يعد يتفاجأ عندما يجد في الفجر مجموعة من العساكر تأتي تجر جاد الرب وقد وجدوه نائماً ممددا في وسط شارع القلعة، أو يحاول فتح شبابيك أحد الأكشاك في الفجر.لذلك يعز عليه أن يتركه فيأتي به إلي باب الوداع.
يونس ليس بهذه الطيبة بل إن يونس من أشهر رجال الأمن في مصر القديمة، تنتشر أفلامه علي الهواتف المحمولة، وهو وزملاؤه في القسم يمسكون بأحد سائقي الأجرة وينهالون عليه بالصفعات، أو أحد الشهود في قضية ما. يعلم أن أهل باب الوداع سوف يعلقون العيب عليه إذا ترك واحدا ممن ربوه وهو صغير في باب الوداع.
بعد أن يأتي يونس بجاد الرب، يجلس علي مقهي عبده- وهو الوحيد من نوعه في الباب الذي يمكن أن يسمي مقهي، وإنما الباقي غرز، لا تليق به، يجلس، ويقول:"ابن الكلب دا الموت مش شايفه!!ما بيأثرش فيه حاجة".
الناس تسمعه وتهز رأسها، ويأتي صوت الضحك من الداخل وهو حسين ابن صاحب المقهي: "يا باشا الموت بيشتغل علي الناس الي برا، إيه الي يجيب الموت جوه المدافن؟!".
يغتاظ يونس منه لأنه لم يكن يمزح، ولكنه ينصرف عنه بكوب الينسون الساخن، ويؤرجح عينيه بعد دفقة من دخان الشيشة في رئتيه، تقع عينيه علي شرفة حسين البناني وامرأته البدينة تهز صدرها بقوة، وصبحي المحامي يتناول قهوته في النافذة، ويلمح يدي سماح مرفوعتين تصب الماء علي جسدها وهي تتراقص من خلف النافذة الزجاجية، ويتمني لو أنه يري جسدها المراهق الآن بدون حواجز ولا حوائط، فينقض عليها، ويتخذ شيطانه الطريق إلي ما بين فخذيها.
وسماح هي ابنة "عزيزة" من أشهر راقصات مصر القديمة في السبعينات، في السنوات السابقة كانت للراقصة مكانة مختلفة في النفوس سواء بالتعظيم أو الإعجاب ولكن من منتصف الثمانينات بدأت النظرة السلفية تشيع في المجتمع المصري، والتدين المحموم كان تأثيره كبيرا علي سوق الراقصات في مصر.النظرة للراقصة أصبحت مختلفة ولا يمكن التفرقة بينها وبين العاهرة. عزيزة مثل العديد من الراقصات اللاتي لم يأخذن الفرصة للشهرة في المسارح والنوادي، فظلت ترقص في الأفراح الشعبية في القاهرة أو لأثرياء الأرياف.
وبعد ثورة التدين في مصر انتشرت الأفراح الإسلامية وقل من يأتي بالراقصة في المناسبات المختلفة وخاصة في الطبقة المتوسطة، ولم تعدم عزيزة الرقص فاستمرت من حين إلي آخر في الأفراح الأكثر فقرا التي غالباً تنتهي بمشاجرات وأسلحة، وتنتهي بها الليلة تتأوه تحت جسد أحد المدعوين أو البلطجية احياناً غصباً وغالباً بموافقتها وباحتياجها لمن يعطيها تلك الجنيهات أو من يفجر شبقها الكامن.
كقطة ناعمة تنساب وتؤرجح أجزاء جسدها، جسدها الأبيض النابض وشعرها الفحمي وملامحها كإله للحب والجنس.
ظلت هكذا سنوات، حتي اكتشفت فجأة حملها من تلك اليالي الداعرة، حاولت أن تهرب من شارعها، لم تستطع، اضطرت للزواج في الشهر الرابع من حملها، رفعت الطبال.
منذ بدأ العمل معها وهو يعبر لها عن عشقه لها، ورغبته في الزواج منها، ولكنها استقللت قيمته.بعد أسبوعين من الزواج الملتهب، ذاب من الشارع ومن الحي وتركها ببذرة سماح في رحمها ولم يسمع عنه أحد بعد ذلك.
تركت الرقص وفتحت دكانا تحت بيتها، ربت ابنتها وحيدة دون أن يعلم أحد في باب الوداع من هو أبوها، هم لا يهتمون أصلا بأحوال عزيزة الساقطة كما كانوا يسمونها فيما بينهم. حرصت هي أن تبعد سماح عن كل ذلك، حرصت أن تختنها وهي صغيرة.ولكنها ورثت جمال أمها، ومن
سن صغيرة تعلمت أن تخطف أبصار الشباب في باب الوداع.
الشباب في باب الوداع يعزون أنفسهم بالسكن بجوار الباشوات الذين ربما لو كانوا أحياء لن يرونهم ولو حتي مصادفة. تكثر في الأرض السجائر المحلية وزجاجات البيرة الرخيصة، توفر المدافن بصفة عامة الهدوء والانعزال المناسبين لتعاطي المخدرات، أو ارتكاب جريمة.لكن نادرا ما تجد شارع باب الوداع نفسه هادئاً متثاقلاً، هو صاخب بالمارة والأغاني الشعبية وأصوات محركات عربات الأجرة، الجدران الأثرية اختفت خلف الألوان المرشوشة وإعلانات تجارية وصور مرشحي الإنتخابات.
عصمت الغزالي من أشهر الوجوه علي الحوائط، وهو مرشح الشعب ونائب المجلس المحلي أيضا.
الغزالي من أبناء باب الوداع اشتهر أبوه كفتوة من فتوات مصر القديمة أصيب في مقتبل الأربعينات من عمره ببتر في ساقيه أقعده باقي حياته.
ابنه عصمت هو واحد من ثلاثة ابناء، تعلم في مدرسة الحياة وتنقل بين الصناعات المختلفة.في أوائل التسعينات بدأ كموزع بسيط للمخدرات الكيميائية بين العمال والحرفيين وفي بداية الألفية الثالثة أصبح من رجال المخدرات النباتية وبعد عشر سنوات وعندما أصبحت سنه ستين عاماً اتجه إلي العمل السياسي، وبدأت اللوحات القماشية والبلاستيكية تغطي أحجار الحوائط وقباب الشيوخ وشرفات المنازل، وعربات الدعاية تمر واحدة بعد الآخري تزعق باسم الغزالي في عمق المدافن .
كل هذه الحياة تعيش معاً في باب الوداع، يعج ذلك الأسفلت بالناس والقصص والفضائح والأفراح، وشخص واحد فقط يعاصرها كلها نهاراً ويعيش في عالم آخر في الليل، يعيش وسط الباشوات كما عاش سابقاً ليس مثل هؤلاء الرعاع.إنه جاد الرب. في الصباح يحكي للناس، فلا يصدقونه ولو أقسم لهم بصوته المبحوح بأغلظ الأيمان، يبتسمون ويشيرون لبعضهم البعض أن العجوز يخرف. يسبهم ويلعن اليوم الذي جاء بهؤلاء الصعاليك ليسكنوا بجانب الباشوات وأولياء الله الصالحين، . وربما رد عليه أحدهم في سخرية، يصيح ويهيج ويبدأ في قذف كل ما يجده في يده عليهم. وهو يقسم أنه لن يسمح لأحد بأن يسكن في قبر الباشا طالما يكمن في جسده الروح.
يظل طوال اليوم هكذا كالمحاصر بين الأرض والسماء، أحياناً يظن في نفسه كما يعتقدون هم أنه مجنون، أو أنه يحلم. ولكن كيف لا يصدق علبة الدخان وباقي الجنيهات التي يجدها في جيبه كل صباح.
السويس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.