جانب من حضور الاحتفالية أقام المجلس الأعلي للثقافة احتفالية كبري " بمناسبة مرور خمسين عاماً علي رحيل الأديب والسياسي محمد مندور وذلك يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين. الاحتفالية التي أقيمت تحت عنوان "محمد مندور بين الفكر الأدبي والفكر السياسي" بدأت بكلمة الكاتب الصحفي حلمي النمنم وزير الثقافة رحب فيها بالحضور شاكراً لهم مجيئهم للاحتفال بالراحل العظيم الذي أثري الفكر والأدب بما قدم خلال سنوات عمره من رؤي وأطروحات بالغة الأهمية من شأنها أن تغير الكثير إذا عني أحد بها ووجدت من يلتفت إليها. تحدثت بعد ذلك الدكتور أمل الصبان أمين عام المجلس الأعلي للثقافة, عن دور مندور وأثره الفكري في الأدب والسياسة فقالت : " إننا نستحضر قيم التنوير والحرية عند الحديث عن محمد مندور الذي جاء ليرسخ تلك القيم التي نادي بها عند عودته من فرنسا وكان يقول أنه تأثر كثيراً بتلك السنوات التي قضاها هناك حيث ساهمت في تكوينه عقلياً وفكرياً وإنسانياً، وكانت سبباً في إيمانه العميق بالثورة الفرنسية واعتناقه فلسفة الديمقراطية الاشتراكية. مارس مندور نشاطه الفكري الخصب فلم يرد أن يكون ناقداً أدبياً فحسب بل مفكراً اجتماعياً وسياسياً وصحفياً ومترجماً وكانت تؤرقه كثيراً الوسيلة التي يطرح بها أفكاره علي المجتمع إلي أن وجد ضالته في الصحافة وسرعان ما استقال من عمله بالجامعة وانضم إلي حزب الوفد وأصدر جريدة البعث علي نفقته الخاصة وأصبح الكاتب السياسي الأول للوفد لقد اختار العمل بالصحافة ليقترب أكثر من الحراك السياسي والإجتماعي الدائر في البلاد في تلك الفترة التي كان المجتمع المصري فيها يمور بالغضب والثورة وظل ينادي بمباديء الثورة والحرية والكرامة إلي أن تم اعتقاله في قضية الشيوعية الكبري". كلمة الأسرة ألقاها أصغر أبنائه الدكتور طارق مندور الذي قال :"في الذكري الخمسين لرحيل والدي محمد مندور الذي لم أره إلا في طفولتي؛ كوني أصغر أبنائه، والذي ما زلت أحلم بوجوده إلي جانبي دائماً، يسعدني قطعاً، كما يسعد العائلة، إقامة هذه الاحتفالية التي تؤكد استمرار وجوده بجانبي، بل وجوده بينكم وحضوره القوي في الفكر الأدبي والفكر السياسي والتنويري علي السواء. لقد دافع مندور دائماً عن الديمقراطية السياسية بل كتب عنها كتيباً هاماً في ديسمبر 1952 بعنوان (الديمقراطية السياسية) التي تستتبع بالضرورة الحقوق الديمقراطية والدستورية وحقوق الإنسان الأساسية من حق الحياة لحق العمل وحق التحرر من الفقر وحق السكن وحق العلاج وحق التعليم وكافة الحقوق والحريات التي تسمح للمواطن بالمشاركة السياسية الفاعلة في مجتمعه من خلال الديمقراطية الشعبية حلم مندور السياسي الأكبر كاشتراكي، وقد أكد مندور في حديثه الأخير أنه مؤمن بالفلسفة الاشتراكية بالمفهوم الديالكتيكي الذي يجعل الفكر قوة فعالة نحو التطور قبل أن يكون انعكاساً له. في الختام أود أن أوجه تحية تقدير واحترام لفكر وضمير ووجدان محمد مندور الإنسان التنويري والمناضل والمفكر السياسي والناقد والمثقف العضوي المهموم بقضايا الإنسان". اختارت اللجنة المنظمة للاحتفالية الشاعر والناقد شعبان يوسف لإلقاء كلمة المنظمين فتحدث عن دور مندور التنويري في الفكر والسياسة فقال:"اليوم نحتفل بحدث كبير لابد ان نحتشد له احتشاداً خاصاً وكبيراً ومنذ أن تقدم الراحل فؤاد قنديل بمذكرة لإقامة احتفالية للراحل محمد مندور تحمس الجميع كي تخرج بشكل يليق بهذا الراحل العظيم. لقد قام مندور بمجهود شاق وقدم أبحاثاً ترقي لمستوي النظرية وخاض معارك ضارية للدفاع عنها ولقد تأثر مندور كثيراً بسنواته التسع التي قضاها في فرنسا وعندما عاد إلي مصر كانت تغلب عليه نبرة المعلم في كتاباته مما يدل علي رغبته في تعديل وجهة الثقافة وقيادتها نحو المسار الصحيح فكان رائداً يريد نقل الثقافة من حال إلي حال هكذا كانت صرخته المدوية في كتاباته التي عبر فيها عن ضرورة ان نتعلم من الأوروبيين كيف يبنون أبناءهم في مراحل التعليم وفضلاً عن دور مندور أدبياً وفكرياً فلا يمكن لمتابع لنشاط مندور أن يغفل دوره السياسي فكانت السياسة تمثل محوراً مهماً في حياة مندور ورغم أنه كان عضواً في حزب الوفد إلا أنه كون مع زميله الشاعر عزيز فهمي والمهندس عبد المحسن حمودة والمناضل إبراهيم طلعت ما أطلق عليه الطليعة الوفدية التي كان لها دور هام في النضال الوطني". استراحة قصيرة قضاها الحضور في تبادل الكلمات والتحيات ثم تجمعوا مرة أخري في الجلسة الأولي التي أدارها الدكتور صلاح فضل، وتحدث فيها كريم مروة وقال: "إن أهمية مندور تأتي من نضاله من أجل إصلاح المجتمع في مصر، ووضع الأسس التي تجعل استقلال بلده استقلالاً متكامل الجوانب، لم يتخلّ عن دوره كمثقف وكأستاذ جامعي وكناقد أدبي من الطراز الرفيع" وقد اختار مروة أن يتحدث عن مندور السياسي فقال في شهادته : " لقد اخترت الكتابة عن محمد مندور السياسي. وتشير سيرة حياته إلي أنه كان منذ شبابه الباكر منخرطاً بوعي فطري أو بتأثير من عائلته، في العمل السياسي، لا سيما خلال ثورة عام 1919 بقيادة سعد زغلول. وكانت أوائل كتاباته في السياسة مجموعة مقالات نشرها في عام 1936 في الصحف الفرنسية. وكانت مكرّسة لدعم موقف حزب الوفد في مفاوضاته الصعبة مع الإنجليز، الهادفة آنذاك إلي إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة وتهيئة الشروط لاستقلال مصر السياسي، وسرعان ما وجد مندور نفسه مشدوداً إلي حزب الوفد، فانضمّ إليه في عام 1944، واستطاع أن يلعب دوراً وطنياً مهمّاً من خلال عمله في ثلاث صحف وطنية هي "المصري" و"الوفد المصري" و"صوت الأمّة"، ثم مجلة "البعث" التي أصدرها علي نفقته الخاصة، لكن مندور المثقف الديموقراطي لم يألف سياسة الوفد الرسمية التي كثرت فيها المساومات، وبعضها كانت تمليه المواقع الطبقية لبعض القادة الأساسيين في الحزب، فشقّ لنفسه داخل حزب الوفد طريقاً مختلفاً، اتجه فيه نحو اليسار، متأثراً بموقعه الاجتماعي وبما كانت قد أدخلته علي فكره خلال دراسته في فرنسا". عن "محمد مندور : الأفكار السياسية والانحيازات الاجتماعية" تحدث الأستاذ أحمد بهاء الدين شعبان في الجلسة الثانية وقال:"أن مسيرة د. محمد مندور الحافلة، العامرة بالصراع والكفاح، السياسي والاجتماعي، كانت مظهراً آخر من مظاهر فرادة هذا المُعَلِّم الكبير، فهو لم يكتف بدوره التنويري الضخم، ولا بجهوده العلمية الواسعة لترسيخ المفاهيم المتقدمة للنقد الموضوعي في مجالات الأدب والفن والإبداع، وإنما خاض غمار السياسة بالمعني المباشر، أو ما يُطلق عليه "السياسة العملية"، فعاصر في مرحلة الطفولة وقائع الثورة الوطنية عام 1919، وشارك في المظاهرات الشعبية ضد الاحتلال وحكومات الأقليات الانقلابية الاستبدادية، في العهد الملكي، ومثّلَ الشعب في المجلس النيابي، ولعب دوراً مهماً في تأسيس منبر "الطليعة الوفدية"، اليساري، داخل حزب الوفد الليبرالي، وتفاعل مع ثورة 23 يوليو 1952، وكتب مئات المقالات التي تشرح أفكاره، وتدافع عما يؤمن به من مبادئ، دون مواربة أو تردد، في مجالات السياسة الداخلية والخارجية، والاقتصاد المحلي والعالمي، وشارك بقوة في الجدل الاجتماعي الكبير، الذي واكب المتغيرات المصاحبة لاتجاه الدولة الناصرية إلي تبني الانحيازات الاجتماعية للطبقات الفقيرة والعاملة". تحت عنوان "مواقف وأفكار لتمرد دائم" جاءت شهادة الدكتور عمار علي حسن التي قال فيها : " كانت حياة الناقد الكبير والكاتب السياسي صاحب الهمة الدكتور محمد مندور أشبه بثورة دائمة، لم يسقها دماً ودموعاً، كعادة الثورات الحمراء، أو حتي تلك التي تزعم بياضها، بل رواها من مداد قلمه، وعلو طموحه، ورغبته العارمة في أن يجد بلده في مصاف الأمم المتقدمة في كل شيء. لهذا عاش مندور حياة مفعمة بالفعل الثوري في شتي صوره، ثورة في السياسة، وأخري في النقد، وثالثة لكسر الصمت والتواطؤ، ورابعة ضد حاله التعليمي، وخامسة تمرداً علي الوظيفة الحكومية. وفي السياسة عايش مندور أحداث ثورة 1919 وهو ناعم الأظافر في قريته، فلما شب عن الطوق وصار في المرحلة الثانوية بطنطا، تزعم إضراباً للطلاب ومظاهرات غاضبة أواخر سنة 1924 رفضاً للاحتلال الإنجليزي، وحكومة زيور باشا التي جاءت علي حساب حكومة سعد زغلول بعد مقتل السردار السير لي ستاك كما رفض مناصب كبيرة وإغراءات هائلة لإسكاته وانحاز لوطنه فقط". تحت عنوان "محمد مندور ناقداً" جاءت شهادة الناقدة والروائية هويدا صالح في الجلسة الثالثة وقالت فيها إنه رغم انحياز محمد مندور للمدرسة النقدية الفرنسية، فإنه لم يتماهَ مع النظريات الغربية النقدية تماماً، بل كان يعي أهمية الكشف عن التراث النقدي العربي القديم، فقام بكتابة دراسات نقدية تابع فيها التراث النقدي الذي تركه "ابن قتيبة" و"ابن المعتز" و"قدامة بن جعفر" و"الآمدي" و"ابن جني" و"الجرجاني" و"الثعالبي"، وغيرهم من نقاد العربية الكبار". البرنامج تضمن مجموعة أخري من الشهادات قدمت في اليوم التالي منها شهادة الدكتور صلاح السروي حول "تطور الرؤية النقدية عند مندور من الجمالية إلي النقد الايديولوجي" وجاء فيها إن إنجاز محمد مندور كان قائما علي الانفتاح العقلي والفكري، فتأثر في بداية حياته الفكرية بآراء لانسون وماييه وطه حسين التي يمكن أن نطلق عليها تسمية "الرؤية الجمالية الإنسانية"، وتعد تلك الرؤية المنطلق الذي أنتج، بالاعتماد عليها، كتابيه: "في الميزان الجديد" و"النقد المنهجي عند العرب". وفي شهادة الكاتبة سلوي بكر "من الحكيم القديم إلي المواطن الحديث" تحدثت عن اختياراته التي تتضح فيها منابع الجانب الأخلاقي لفكرة الالتزام في الأدب، ودوره المؤثر في المجتمع، والانحياز لعوالم الفقراء والمحرومين فيه.