تعادل غزل المحلة و زد سلبيا فى الشوط الأول بدورى نايل    مسلسل عين سحرية.. فضيحة اللحوم الفاسدة تكشفها الحلقة الثالثة    تفاصيل الحالة الصحية لطفل باسوس المصاب بطلق خرطوش فى القليوبية    د. أحمد فرج القاصد: الجامعات الأهلية والتكنولوجية الجديدة جزء من منظومة تطوير شاملة تخدم التعليم والتنمية    جميل مزهر: ياسر عرفات رمز خالد للثورة الفلسطينية ومصدر إلهام للجبهة الشعبية    " محافظ الدقهلية ينعى شهداء لقمة العيش في حادث محور 30 يونيو "    ثاني يوم رمضان.. أسعار الفراخ البيضاء في المزارع والأسواق الجمعة 20 فبراير 2026    مؤتمر أرتيتا: اعتدنا على تغيير توتنام لمدربيه    جوريتزكا على أعتاب الجانرز.. صفقة مجانية تُشعل صيف أرسنال    وزارة الداخلية: ضبط 30 طن زيوت سيارات مغشوشة داخل مصنع بدون ترخيص في البحيرة    ضبط عامل وزوجته لاتهامهما بالتعدي على والدته بدائرة مركز المنصورة في الدقهلية    وزير الاتصالات يعزز شراكات الذكاء الاصطناعي في ختام مشاركته بقمة الهند 2026    جميل مزهر: يجب على حماس العمل لبناء الوحدة الوطنية وتغليب مصلحة الفلسطينيين    الأزهر الشريف يحتضن العالم على مائدة إفطار واحدة    مصطفى حسني: القرآن يواسي قلب النبي بسورة الكهف.. فيديو    وزير «الخارجية» يبحث زيادة وتعزيز الاستثمارات المشتركة بين مصر وفيتنام    غادة عبد الرازق: فكرت أعتزل أكثر من مرة.. لكن الفن أقوى مني    رامز جلال: هنا الزاهد بعد الطلاق وشها فاق    السفيرة نبيلة مكرم تتابع جاهزية دعم الأسر المستحقة خلال شهر رمضان| صور    أوقاف الأقصر تفتتح مسجدين في الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك    محافظ الجيزة: حملات مكثفة على مستوى الأحياء لمواجهة النباشين والفريزة    «الرعاية الصحية» تتابع توفير الخدمات الطبية لمصابي حادث محور 30 يونيو في بورسعيد    شرطة بريطانيا تفتش قصر شقيق ملك بريطانيا وتوسّع التحقيق في ملف "إبستين"    عشان البوظة..محافظ سوهاج يطمئن على حالات تسمم بمستشفى جرجا    الأمن يضبط المتهمين في اعتداء باسوس على أب وطفله بعد تداول فيديو    مصرع صبي نتيجة سقوطه من الطابق الرابع في مدينة المطرية بالدقهلية    «الصحة العالمية» تجدد اعتماد مصر دولة خالية من الحصبة للعام الثالث على التوالي    القوات الجوية تنظم ندوة تثقيفية دينية بحضور وزير الأوقاف    "الأعلى للجامعات" ينظم فعاليات لدعم البرامج البينية وتعزيز التعاون مع جامعة الأزهر    محافظ قنا يدعم بائعا: "اللي عايز ياكل عيش هنساعده".. فيديو    «عيشها بصحة».. شمال سيناء تطلق خطة موسعة للمبادرات الرئاسية خلال رمضان    يسرا تشيد بمسلسل «سوا سوا» وتؤكد: دراما إنسانية تستحق النجاح    بولندا تكشف عن نظام «بلوشتش» لزرع الألغام وتلوّح بتلغيم حدودها مع روسيا    قيادي بحركة فتح: تنكر المستوطنين بزي الجيش تعبير عن إرهاب منظم    غدًا.. محاكمة المتهمين في واقعة "توأم زينة" والكلب داخل كومبوند بالشيخ زايد    "الصحة الحيوانية" يحصل على شهادة المنظمة العالمية للسيطرة على مرض "الجلاندرز" بالخيول    «القومي للمرأة» يطلق المرصد الإعلامي لرصد الدراما الرمضانية    منير أديب يكتب: لماذا يُمارس الإخوان العنف وينكرونه؟    محافظ الوادي الجديد: تكثيف البرامج التدريبية وتوسيع قاعدة المستفيدات بمركز إبداع مصر الرقمية    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    دعاء الجمعة الأولى من رمضان 2026 مكتوب وأجمل الأدعية المستجابة عنوان مشابه:    البرلمان الفنزويلي يقرّ بالإجماع قانون العفو    معاناة من أجل النجاة| الإسماعيلي والاتحاد السكندري على حافة الهاوية.. والصمود لم يعد رفاهية    شرايين التنمية بقلب الصعيد.. كل ما تريد معرفته عن الخط الثاني للقطار الكهربائى    الاحتلال يمنع الفلسطينيين من دخول مدينة القدس    تعديلات موسعة في مواعيد وتركيب القطارات على خطوط الوجهين البحري والقبلي    وزير الخارجية يعقد لقاءات رفيعة المستوى على هامش اجتماع مجلس السلام في واشنطن    ضبط أحد الأشخاص حال تعديه على فرد أمن إدارى بأحد المجمعات السكنية بالقاهرة الجديدة    إنجاز مصري مشرف في المعرض الدولي للاختراعات بالكويت 2026    نجم الزمالك السابق: معتمد جمال على قدر المسؤولية.. والفريق يحتاج لعودة المصابين    د. ممدوح الدماطي يحاور أعظم محارب في الدولة الحديثة    اللهم اغفر لنا وارحمنا وتقبل صيامنا وصلاتنا.. ثاني صلاة فجر في شهر رمضان بكفر الشيخ    وفاة الممثل إريك داين بعد صراع مع المرض    خاصمته 10 أشهر.. على قدورة يروي تفاصيل مشاجرته مع عمر كمال    تعقيدات العلاقة بين يسرا اللوزي وابنتها في مسلسل "كان ياما كان"    أبو السعود رجل مباراة المقاولون العرب والمصري في الدوري    ميشيل يانكون يكشف حقيقة شكواه ضد الأهلي    بث مباشر | ليلة الحسابات المعقدة في الدوري.. الأهلي يواجه الجونة تحت ضغط الصدارة المفقودة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صالح سليم.. الذى لم يكن شيطانا.. ولا ملاكا أيضا
المايسترو وأنا
نشر في اليوم السابع يوم 20 - 03 - 2009

◄صالح كان رغم كل هالات المجد والأضواء إنساناً خجولاً جداً.. يخجل حين يصافحه أحد لا يعرفه.. يخجل من كلمة إطراء أو إعجاب يسمعها من أى أحد.. يدخل أى مكان عام وهو يكاد يتسلل إليه لا كما يمشى أنصاف الرجال تكاد الدنيا على وسعها تضيق بهم
◄جنازته ومشاهد وداعه.. كانت عكس توقعات صالح الذى سبق أن قال أكثر من مرة إن حياته لم تعد تهم الكثيرين
لم أكن يوماً من صائدى الجوائز وهواتها.. ولم أفز بأى جائزة، والأهم من ذلك أن ذلك لم يشعرنى بالظلم والاضطهاد.. فلا أنا سعيت إليها حريصاً ومجتهداً وطالباً.. ولم أسع أو أتقدم أصلاً إلا مرتين فقط.. وشعرت فى المرة الثانية أنى طالب جائزة وصاحب حق..
فقد قمت بتحرير عدد خاص جداً من مجلة الأهرام الرياضى عن صالح سليم عقب وفاته.. وتقدمت بهذا العدد لجائزة دبى للصحافة ولم أفز بأى جائزة.. وبعد وقت طويل كنت مع الناقد الكبير الراحل الأستاذ محيى الدين فكرى.. فقال لى إن لجنة الجائزة مجتمعة كانت تريد أن تمنحنى الجائزة تقديرا لكل الجهد المبذول فى الكشف عن مختلف جوانب صالح سليم وسيرته ومسيرته سواء مع مصر أو مع النادى الأهلى..
وكادت بالفعل تمنحنى الجائزة لولا اعتراض حاسم من صديقى وأستاذى حسن المستكاوى.. والذى لم يكن محيى الدين فكرى يعلمه وقتها أن حسن المستكاوى نفسه كان قد أخبرنى بذلك.. وتناقشنا طويلاً بشأن ذلك.. وكان من بين الكثير الذى قاله إنه رفض أن أفوز بالجائزة لأننى أبداً لم أذكر أى عيوب أو أخطاء لصالح سليم.. وكأنه كان رجلا بلا أخطاء وخطايا..
وعلى الرغم من ضيقى وقتها بحسن المستكاوى وإصراره على ألا أفوز أنا وصالح بالجائزة، وأنه يطبق معى معايير لا أراها حاضرة ومستخدمة ودائمة فى بقية الجوائز ومع كل الآخرين.. فإننى بعدها احترمت المستكاوى كثيرا وجدا واحترمت وجهة نظره وأسبابه ودواعيه.. فقد كان على حق.. والتاريخ أحيانا لا يجب أن نكتبه فقط بعواطفنا ومشاعرنا وانحيازنا..
وإنما لابد من العقل والحكمة والعدل والإنصاف.. لابد أيضا من التأكيد على أن صالح لم يكن أبداً خالياً من العيوب أو منزها عن الأخطاء.. على العكس كانت له عيوبه وأخطاؤه.. وكان هو أول من يعرف عيوبه وأخطاءه وأول من يعترف بها أيضا دون عناد أو خجل.. بل وحين بدأنا.. هو وأنا.. العمل فى كتاب يحكى قصة حياته ومشواره مع الناس والأهلى والدنيا.. أصر صالح أن يتضمن هذا الكتاب عيوبه قبل حسناته.. أخطاءه قبل مميزاته.. وبالفعل.. وفى ذلك اليوم بدأ صالح يحكى منذ أن كان فى المدرسة تلميذاً مشاغباً.. لم يكن تلميذا مجتهداً أو من ذلك النوع الذى يسعد به مدرسوه.. فقد كان دائما يضرب زملاءه إن اختلفوا معه فى الراى أو رفضوا مشاركته فى لعب الكرة فى المدرسة أو بعد الخروج من المدرسة..
فلم يكن صالح الصغير يؤمن بالحوار أو تعدد الآراء ووجهات النظر.. وكانت هناك أيام كثيرة جداً قرر فيها ناظر المدرسة عقاب التلميذ المشاغب صالح محمد سليم بالوقوف خارج الفصل طول اليوم الدراسى، وألا يعود فى اليوم التالى إلا بصحبة ولى الأمر.. وقد بقى هذا الأسلوب ملازما لصالح فترات طويلة حتى بعد انتهاء الدراسة والمدرسة.. وكثيرة جدا هى المعارك.. والخناقات.. التى كان بطلها صالح سليم.. وكلها كانت بسبب شخصية صالح.. وردود فعله العنيفة.. والعنيدة أيضا.. وضحك صالح وهو يقول لى إن عناده هذا ربما كان أهم ما ورثه من السيدة والدته ذات الأصول التركية.. وأضاف صالح يومها وهو يهز رأسه بكلتا يديه.. أصل ساعات العرق التركى بينقح على.
وقد كان هذا العرق التركى.. حاضراً بقوة فى شهر العسل بعد زفاف زينب وصالح.. ففى أحد البيوت التاريخية بحى القلعة.. أقام خبير الديكور الشهير وقتها.. فاظلو.. حفلة أنيقة دعا إليها نجوم القاهرة ومنهم صالح سليم وزوجته الجديدة ووالدة زوجته أيضا.. وهناك فوجئ صالح بأحد العاملين يتحرش بإحدى السيدات.. وبدأت السيدة تصرخ.. وعلى الرغم من أن صالح لم يكن يعرفها فإنه جرى إليها محاولا جذب العامل خارج المكان..
وفوجئ صالح بعامل آخر يضربه بالروسية.. وهنا لم يعد صالح هو نجم الكرة الوقور أو الأنيق.. وإنما الطفل المشاغب صاحب العرق التركى.. وبسرعة قرر صالح أن يعود بزوجته ووالدتها إلى البيت.. ثم عاد لنفس المكان مرة أخرى ومعه اثنان من أصدقائه لأن صالح قرر أن يضرب العامل الذى اعتدى عليه.. وكانت معركة.. ومعركة أخرى كانت مع المنتج السينمائى إيهاب الليثى الذى ترك سيارته تسد الطريق على سيارة صالح سليم..
أما المعركة التى كادت تنتهى بكارثة فكانت أمام أحد محلات السوبر ماركت فى الزمالك والخصم كان بطل الكاراتيه المصرى عاطف أباظة.. وقرر صالح أن يضربه دون أن يعرفه.. واشتبك الاثنان بالفعل فى صراع حاد كان من الممكن أن ينتهى بمأساة.. مأساة لصالح طبعا.. لولا أن أنقذه رواد مقاهى شارع 26 يوليو فى بولاق الذين جرى عليهم أحد الشهود صارخا بأن كابتن صالح بينضرب فى الزمالك.
يتذكر صالح أمامى كل ذلك.. ويضحك.. ويقول إن هناك أشياء كثيرة تغيرت الآن داخله وفى شخصيته.. وبلهجة ساخرة قال.. يعنى أسلوب العافية ما بقاش موجود.. مجبر أخوك لا عاقل ولا حكيم.. وتشاء الظروف أن صالح نفسه.. وبعد هذا الحديث بسنة كاملة.. وآخر سنة فى حياة صالح قبل الرحيل.. عاد لنفس هذا الأسلوب العنيف القديم.. فقد كان صالح عائدا بسيارته الجديدة من بيته الخاص فى مزرعة عرابى على طريق القاهرة إسماعيلية الصحراوى وكان يقود سيارته بنفسه فى ذاك اليوم..
وعند تقاطع شارع الثورة مع طريق العروبة وبينما كان صالح عائدا لبيته فى الزمالك اصطدمت إحدى سيارات الترحيلات الخاصة بالشرطة بسيارته فهشمت جانبها الأيمن.. ونزل صالح من سيارته غاضبا وقد اختصر أربعين سنة من عمره على الأقل وبات يريد أن يضرب سائق سيارة الشرطة وحتى الجنود الذين كانوا معه.. وما إن رأى الناس الذين تجمعوا حول الحادث أن راكب السيارة الملاكى هو صالح سليم حتى تجمعوا يريدون ضرب السائق والجنود لولا تدخل صالح نفسه الذى استمات فى الدفاع عنهم بل ووقف صالح يحتضن السائق والجنود خوفا من أن يصيبهم أى مكروه.
ولم يكن هذا هو العيب الوحيد لصالح سليم.. فقد كانت هناك عيوب وأخطاء أخرى ربما لم تكن تليق بنجم كروى كبير وقدير وشهير وقائد لفريق النادى الأهلى.. مثل التدخين الذى لم يمارسه صالح فى الخفاء وإنما كان يدخن سجائره أمام الجميع.. وردود الفعل العنيفة.. والتى تغيرت معالمها من الضرب والاعتداء الجسدى فى سنوات الطفولة والشباب.. إلى مواقف صارمة لا يمكن مراجعتها أو تغييرها منذ أن أصبح صالح رئيسا للأهلى..
فقد كان صالح من الصعب أن يغير أحكامه على الناس حوله مهما جرى.. فالذين يحبهم سيبقى يحبهم.. والذين يكرههم ولا يطيقهم لن توجد قوة على الأرض ستجبره على التعامل معهم أبداً.. ومهما قام أحد الذين يكرههم بأى تصرف رائع أو نبيل فلن يحبه صالح.. ومهما ارتكب أحد الذين يحبهم صالح أى خطأ فسيغفر صالح إلا إن تسبب هذا الخطأ فى جرح شخصى.. وهنا تكون القطيعة النهائية والصارمة.. والتى لن يجدى معها أى اعتذار أو حتى حوار.. وقد مات صالح وهناك من كانوا أصدقاءه ومن الذين أحبهم فى يوم ما ولكنه لم يعد يسمح لهم بأى مساحة فى حياته أو اهتمامه أو كلامه..
أما الاتهام الدائم والذى ارتبط بصالح طيلة فترة رئاسته للأهلى.. فكان الديكتاتورية.. وأن صالح لم يكن يسمع لأحد ولا يسمح بأن يناقشه أو يراجعه أى أحد.. وسألت صالح بالطبع كثيراً عن هذا الاتهام.. ولم تكن إجابته تتغير.. وهى إجابة أحتفظ بها فى مكتبى وبصوت صالح سليم على شريط كاسيت.. ويعنينى أن أقدم إجابته كما هى بمفرداتها ووقفاتها ودون حتى تصحيح أو تبديل أو تنسيق.. فقد قال لى صالح يومها:
فى ناس بتقول عليا ديكتاتور.. ودى صفة بعيدة عنى كل البعد.. أخلاقى لا تسمح لى بأن أكون ديكتاتور.. أصل الديكتاتور ده واحد قرر يسد ودانه وما يسمعش غير نفسه وما يشوفش غير اللى هو عاوزه.. وأنا مش كده خالص.. أنا أؤمن إيمانا صادقا بأن رأى الجماعة أحسن من رأى الفرد.. وإن أربع عيون يشوفوا أحسن من اتنين بس.. وإذا كانت طلعت إشاعة إنى ديكتاتور.. آهى زى حاجات كتير غلط بتطلع.. يعنى مثلا أنا ما أسلمش على حد ماعرفوش.. إذا هو سلم أرد السلام.. أصل فى طبائع معينة جوايا.. أنا ملتزم بيها.. يعنى مثلاً تقدر تقول إنى متحفظ.. وخجول جدا.. والحاجة اللى أحب أعملها هاعملها.. ومش ها أعمل أبدا اللى ما يعجبنيش.. ولما أعمل اللى يعجبنى ويعجب الناس أهلاً وسهلاً.. ولو ما عجبش حد برضه أهلاً وسهلاً.. وغلطت فى حياتى كتير.. بس برضه كنت صح فى أمور كتير.. ومش علشان غلطت مرة تكون النتيجة إنى ماعملش حاجة علشان ماغلطش.. ومش معنى إنى نجحت مرة يبقى هانجح على طول.
هنا.. ينتهى كلام صالح سليم عن رؤيته لعيوبه وأخطائه.. ولكن يبقى مشهد رحيل صالح نفسه كأحد أكبر وأشهر أخطائه.. فصالح أبدا لم يتخيل أن آلافا سيخرجون وراءه فى جنازته وملايين آخرين كانوا سيخرجون أيضا فقط لو أتيحت لهم الفرصة وسمح لهم الوقت.. ورغم ذلك حاول مسئولو النادى الأهلى قدر استطاعتهم وقتها الالتزام بوصية رئيسهم صالح فأقاموا جنازة رمزية داخل النادى الأهلى نفسه انتقل فيها جثمان صالح من الصالة المغطاة وحتى بوابة النادى شارك فيها أعضاء النادى ولاعبوه فى مختلف اللعبات يحملون أعلام النادى الأهلى الذى كان أعز وأغلى معنى ومكان لصالح طوال حياته.. والنعى الذى قرأه الناس بعد الرحيل لم تقم بكتابته أسرة صالح سليم بل أصدقاؤه الذين لم يكن أبدا فى وسعهم تنفيذ وصيته فيكتبون سطرين عبارة عن.. شيعت أمس جنازة صالح سليم زوج السيدة زينب لطفى ووالد كل من خالد وهشام.. تماما كما كتب صالح نفسه نعى السيدة والدته..
أما العزاء فلم يكن صالح يتخيله لقاء لمصر كلها بسياسييها وفنانيها ورياضييها ومثقفيها ورجالها وشبابها.. وحين وقف فى مدخل سرادق العزاء طارق سليم وخالد وهشام سليم وحسن حمدى وبقية أعضاء مجلس إدارة النادى الأهلى لتلقى العزاء.. لم يدر ببال أحد منهم أن كل هؤلاء سيجيئون.. وأن الذين ينتظرون دورهم لدخول السرادق والقيام بواجب العزاء سيشملهم طابور طويل يمتد من مسجد مصطفى محمود وحتى شارع البطل أحمد عبد العزيز والكل يقف دون تذمر أو ضيق سواء كان وزيرا أو نجما سينمائيا أو لاعب كرة كأن هذا هو الشىء الطبيعى أن يحدث فى عزاء رجل بقدر ومكانة وتاريخ صالح سليم.
وأثق أن كل ذلك كان مفاجأة لصالح سليم نفسه الذى سبق وقال أكثر من مرة إن حياته لم تعد تهم الكثيرين أو لم تكن تهمهم أصلا.. فصالح منذ اعتزاله اللعب عام 1966 وهو بعيد عن الأضواء تماما.. لا حوارات للصحافة ولا صورة يراها الناس على شاشات التليفزيون ولا صخب أو ضوضاء يرتبط باسمه.. هكذا عاش صالح النصف الثانى من عمره اللهم إلا حين يخوض انتخابات رئاسة النادى الأهلى أو حين يقرر أحدهم أن يهاجم صالح سليم لمصلحة أو سبب ما أو حتى بدون سبب أو مبرر على الإطلاق.. وهكذا كان لصالح الحق فى أن يتخيل نفسه مجرد رجل عادى وأن اصابته بسرطان الكبد هى نفسها إصابة أى رجل بهذا المرض.. أمر لا يعنى أحدا غيره هو شخصيا وأسرته وأصدقاؤه.. وبالتالى يصبح موته أيضا موت رجل عادى.. خبر أو حدث لن يهتم به إلا من يعرف صالح عن قرب ويحبه بشكل شخصى.
كان صالح يردد ذلك دائما.. وكنت أحيانا أصدقه.. بل كدت أن أصدقه بالفعل.. وصدقته زوجته وولداه وأصدقاؤه أيضا.. حتى كان ما جرى يوم الوداع مفاجأة لنا كلنا.. مفاجأة أجبرتنى على أن أتذكر فصولاً شهدتها وعشتها مع صالح كانت كافية للتدليل على ما لصالح من شعبية طاغية.. وكان كل فصل وحده من هذه الفصول كفيلا بأن يجعلنى لا أصدق صالح حين كان يقول إن الناس قد تحترمه ولكنها لا تحبه.. أو حين كان يؤكد أن كثيرين لم يعودوا يحفلون به أو يهتمون بأخباره أو حكاياته.. وفى مشهد الوداع الحزين..
أعتقد أن كل العيوب والأخطاء القديمة.. غفرها كل الناس لصالح سليم.. فعيوب وأخطاء صالح لم يدفع ثمنها إلا صالح نفسه.. أما الأهلى.. فكان لصالح هو البيت والتاريخ والمكانة والكبرياء.. ولعل كثيرين لا يعرفون أن صالح.. هذا المايسترو المتجهم العنيد الصلب.. كان يتحول إلى طفل حين يدور أى حديث عن الأهلى وعن تاريخ صالح مع الأهلى.. حتى أننى أكاد أزعم أن أجمل ما فى علاقة صالح والنادى الأهلى ليست رئاسته أو إدارته للنادى الأهلى.. إنما حبه للنادى الأهلى.. وكان صالح حين يشاهد مباراة للأهلى أو حين يسأل عن نتيجة مباراة مهمة للأهلى.. ليس هو صالح رئيس النادى.. ولكن صالح الإنسان البسيط الذى يرى فى انتصارات الأهلى وبطولاته الشىء الوحيد الذى يضفى على حياته كل ما يريده ويحتاج إليه من بهجة وفرحة.. وكان آخر خبر سمعه صالح سليم وهو فى العناية المركزة قبل وفاته هو فوز الأهلى على الترسانة بخمسة أهداف نظيفة.. لحظتها ابتسم الأهلاوى الكبير الرقيق رغم كل أوجاعه وطالب بإبلاغ لاعبى الأهلى فرحته بالنتيجة ووصيته بأن يفوزوا ببطولة الدورى هذا الموسم من أجله.
وإلى جانب الأهلى وحب الأهلى.. لابد من التأكيد هنا أن صالح مدين بالكثير جدا لزوجته ولوالده الدكتور محمد سليم.. ولهذين الاثنين تأثيرهما ودورهما فى تكوين شخصية صالح.. وعلى حد تعبير صالح نفسه والذى لخص حكايته مع الاثنين حين قال لى.. كل صفاتى التى تعجب الناس الآن وتدفعهم لاحترامى تعلمتها من والدى.. ثم جاءت زوجتى فعلمتنى كيف أحافظ على هذه الصفات ولا أتنازل عنها مطلقا مهما كان الثمن أو المقابل.. وبكل هذه الصفات التى تركها الدكتور محمد سليم والتى حافظت عليها زينب لطفى.. تحول صالح سليم من إنسان إلى أسطورة.. وقبل الحديث عن الأسطورة فلابد من اكتمال الحديث عن صالح الإنسان.. وقد يندهش كثيرون حين يعرفون الآن أن صالح كان رغم كل هالات المجد والأضواء إنساناً خجولاً جداً.. يخجل حين يصافحه أحد لا يعرفه.. يخجل من كلمة إطراء أو إعجاب يسمعها من أى أحد.. يدخل أى مكان عام وهو يكاد يتسلل إليه لا كما يمشى أنصاف الرجال تكاد الدنيا على وسعها تضيق بهم.. وكان صالح أيضاً رغم الصرامة والجدية التى اشتهر بها إنساناً لا نهاية لخفة الدم التى يتميز بها.. لم يكن يضحك وحده وإنما كان أحيانا يجبر كل من حوله أن يستسلموا للضحك حتى تسيل من أعينهم الدموع.. لكنه لم يكن يضحك على أحد أو من أحد.. لم يكن يسخر من أحد.. كل ضحكاته كانت نابعة منه هو.. من نفسه وحياته وذكرياته.. وسخريته كانت تأتى من مفارقات كثيرة حدثت له أو معه فى مشواره الطويل سواء كإنسان أو لاعب أو مسئول فى النادى الأهلى.
أما صالح سليم الأسطورة.. أو صالح الذى يصعب تكراره.. أو صالح الذى فاجأ الجميع بمدى ما يتمتع به من حب ومكانة فى قلوب الملايين.. فهو الأمر الذى قد يطول الحديث فيه جداً.. أو من الضرورى أن يطول أى حديث عنه لنعرف ونفهم ونملك تفسيرا حقيقيا وواضحا لكل هذا الحب.. من الضرورى أيضا أن نتوقف أمام عدة نقاط محددة هى التى صنعت من صالح أسطورة رغم أننى أثق من أنه لم يكن ليحب أن أصفه بهذه الكلمة أو أربطها باسمه.. لكننى لا أجد كلمة غيرها.. ربما لو كنا نعيش فى زمن آخر ما كان صالح ليصبح أسطورة.. أما فى زمننا الحالى.. ونجد رجلا يعيش ويعمل وينجح بلا أية حسابات ولا يتحرك وفقا لأية حسابات خاصة.. رجل لا يخشى المواجهة مع أية سلطة ويرفض أى خضوع لأى تهديد مهما كان حجمه.. رجل يترفع عن المال الذى كان يمكن أن يجنى كثيرا منه بحكم شعبيته أو شهرته أو مكانته.. ويترفع عن أية مطامع أو مميزات قد تكون من حقه بحكم تاريخه وعطائه.. ويترفع عن كل ما هو ليس من حقه وعن كثير أيضا مما كان من حقه.. رجل بمثل هذه المواصفات وفى زماننا هذا لابد أن يصبح أسطورة.. ولابد أن يحصد فى النهاية الجزاء الوحيد الذى يلقاه عظماء الرجال بعد موتهم.. أن يشعر البسطاء أنهم بموته فقدوا أحد المعانى أو الصور الجميلة فى حياتهم.. وحين كنت أقف أمام مسجد مصطفى محمود وجثمان صالح يخرج من المسجد.. رأيت فتاة صغيرة تبكى بحرارة وتصرخ على أبيها الذى مات.. فتاة صغيرة لا يعنيها صالح نجم الكرة أو السينما ولا صالح رئيس النادى الأهلى أو حتى رئيس الكون كله.. إنما يعنيها ويحزنها ويخيفها موت معنى جميل كان يمثله صالح لها ولكثيرات وكثيرين جدا غيرها.. ورأيت رجلاً ما إن عرف فى اليوم السابق أن جنازة صالح ستخرج من مسجد مصطفى محمود بعد صلاة الظهر حتى جاء الرجل لأداء صلاة الفجر فى المسجد يحمل معه مصحفا وقطعة جبن وكسرات من الخبز وبعد أداء صلاة الفجر بقى الرجل جالساً فى المسجد يقرأ القرآن على روح صالح سليم منتظراً صلاة الظهر خائفا أن يغادر مكانه فيمنعه رجال الشرطة من العودة وهو لا يريد شيئاً إلا المشاركة فى الصلاة على صالح سليم الذى لا يعرفه ولكنه يمثل له أشياء كثيرة جميلة وغالية قد تموت بموت صالح.. وكان هناك أيضا شباب كثيرون أصروا رغم نقودهم القليلة على استئجار سيارات ميكروباص ليصحبوا جثمان صالح حتى مدفنه فى مدينة 6 أكتوبر.. ماذا يعنى ذلك كله.. إنها كلها وحكايات كثيرة وهائلة تبقى ضد المنطق وأصل الأشياء.. فالمنطق كان يقضى بأن يسمع الناس خبر موت صالح أو يقرأوه فيبقى بالنسبة لهم مجرد خبر.. إذن ما الذى تغير.. ولماذا أصبح ما جرى فى يوم وداع صالح ضد كل ما هو منطقى وطبيعى.. إجابات مثل هذه الأسئلة تبقى حتى الآن فوق طاقتى وقدرتى.. ولابد من طول انتظار وطول تأمل وبحث ودراسة لنعرف سر صالح سليم ولماذا غاب عنا ورحل الإنسان وبقى صالح الأسطورة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.