التشكيل المتوقع للزمالك أمام بترو أتليتكو الأنجولي في الكونفدرالية    الإمارات تهنئ السعودية على تعيين الأميرة ريما بنت بندر سفيرة بأمريكا    الازدواجية الإرهابية.. لماذا تتجاهل أوروبا ومنظماتها حقوق مواطنيها الدواعش؟    «التعليم» توضح حقيقة وضع اسم إسرائيل بدل فلسطين على «التابلت» (فيديو)    لعشاق السفر..هذا أفضل يوم للحصول على تذاكر طيران مُخفّضة    وزير الخارجية الأمريكي: سنتخذ إجراءات لدعم ديموقراطية فنزويلا    صور.. زعيم كوريا الشمالية يغادر بالقطار لحضور اجتماع مع ترامب فى هانوى    تحطم طائرة شحن أمريكية على متنها 3 أشخاص في تكساس    اليوم.. الناخبون فى السنغال يدلون بأصواتهم فى انتخابات الرئاسة    "شفت حاجات غريبة اليومين اللي فاتوا".. أول تعليق من تركي آل الشيخ بعد عودته مالكا لنادي بيراميدز    لاسارتي يجهز أزارو لقيادة هجوم الأهلي أمام بيراميدز    عمومية اتحاد الكرة تقنع أحمد شوبير بالعدول عن استقالته    "الشوربجي وفرج" الأبرز فى تأهل 11 مصريا لدور ال32 ببطولة العالم للإسكواش    ننشر أول صور للطفل "محمد" ضحية الكلاب الشرسة في التجمع الأول    هاري وميجان يصلان إلى الدار البيضاء في جولة بالمغرب    زوجة الشهيد امتياز كامل: مستغربة تعاطف البعض مع إعدام المدانين في اغتيال النائب العام    صور.. جلين كلوز تفوز بجائزة سبيريت لأفضل ممثلة قبل حفل جوائز الأوسكار    متحدث التموين يحدد موعد قبول الفئات التي ترغب في الاستفادة من نظام الدعم    مختار نوح يكشف اعترافات أحد المتهمين في قضية النائب العام    أبو ستيت: إطلاق الموقع الإلكتروني للإرشاد الزراعي قريبا    أكرم حسني ل محمد صلاح: شكرا على متابعة الوصية    ما حكم المصافحة بين المصلين بعد الصلاة مباشرة.. «الإفتاء» ترد    استشاري أمراض جلدية: لا يوجد علاج دوائي للصلع الوراثي    علاء نبيل: قرار عدم مشاركة اللاعبين المعارين أمام أنديتهم بايخ    جامعة الإسكندرية تختتم معسكر الموارد البشرية بمشاركة 200 طالب وطالبة    خارجية النواب: الاستقرار وراء ما تجنيه مصر على مستوى العلاقات الدولية    شاهد.. وصول بعثة الهلال السعودي إلى الإسكندرية    مصرع شخصين وإصابة 6 آخرين في انقلاب سيارة بالشرقية    تركي آل الشيخ يكشف سبب عودته لملكية نادي بيراميدز    أبرزهم رحيل مورينيو.. 3 أسباب قد تجعل صلاح يسجل في مرمى مانشستر يونايتد    مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية يحقق توصيات وزيرة الثقافة    ضبط 66 من قائدى السيارات أثناء القيادة خلال 48 ساعة .. اعرف السبب    محافظ المنوفية يأمر بتشكيل فريق عمل لمتابعة انهيار مصنع قرية الكوم الأخضر    اليوم.. انطلاق الحملة القومية للتطعيم ضد شلل الأطفال    تأييد أحكام المتهمين بأحداث بولاق أبو العلا    مداهمة 77 بؤرة إجرامية وتأمين إزالة 4 آلاف تعد على أملاك الدولة    المصرف المتحد يشارك فى مبادرة «رواد النيل»..    المركز الإعلامى لمجلس الوزراء يرصد تطور علاقات التعاون العربية - الأوروبية    الفريق أول محمد زكى خلال تفقده وحدة التدريب الأساسى للمشاة: المنظومة التعليمية والتدريبية بالقوات المسلحة تخرج أجيالا قادرة على حماية الوطن    «قصة حب حزينة» فى عرض أوبرالى    تعرف على حظك في أبراج اليوم الأحد 24 فبراير 2019    أحمد أبو دياب الفائز بجائزة «الشارقة» فى القصة القصيرة: «الأهرام» اكتشفت موهبتى والفوز المبكر بالجائزة أسعدنى    احمد عاطف ممثلا إقليميا للاتحاد الافريقي للسينمائيين    عزاء مصطفى الشامي غدا بمصر الجديدة    كل يوم    "هذا نبينا ".. تبويب جديد للسيرة النبوية ل"إسلام الشافعي"    «طب القوات المسلحة» تستضيف امتحان الزمالة للباثولوجى    محمد برو الرئيس التنفيذى لبنك الإمارات دبى الوطنى: التكنولوجيا المالية تتصدر استراتيجية البنك للعام الحالى    خالد الجندي: ننتظر كل البلايا من أجل وطن آمن    هل صلاة المرأة بدون جورب باطلة؟.. الإفتاء تجيب    معسكر نظافة لطلاب بيطرى الوادى الجديد    «الزراعة» تتخلص من 1200 طن مخلفات مبيدات الشهر المقبل    شوقى: «التعليم الجديد» يفتح السوق أمام شركات التكنولوجيا    كرم جبر: السوشيال ميديا تبث الشائعات وتهدد وحدة الصف العربى    تناول الطعام فى أوقات الصلاة    «الإدارية العليا» تلزم التأمين الصحى بتوفير العلاج دون حد أقصى للتكلفة    93 ألف عملية جراحية منذ إطلاق المبادرة الرئاسية للقضاء على قوائم الانتظار    شاهد .. نصيحة أمين الفتوى لسيدة دائما ما تتهم زوجها بالخيانة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صالح سليم.. الذى لم يكن شيطانا.. ولا ملاكا أيضا
المايسترو وأنا
نشر في اليوم السابع يوم 20 - 03 - 2009

◄صالح كان رغم كل هالات المجد والأضواء إنساناً خجولاً جداً.. يخجل حين يصافحه أحد لا يعرفه.. يخجل من كلمة إطراء أو إعجاب يسمعها من أى أحد.. يدخل أى مكان عام وهو يكاد يتسلل إليه لا كما يمشى أنصاف الرجال تكاد الدنيا على وسعها تضيق بهم
◄جنازته ومشاهد وداعه.. كانت عكس توقعات صالح الذى سبق أن قال أكثر من مرة إن حياته لم تعد تهم الكثيرين
لم أكن يوماً من صائدى الجوائز وهواتها.. ولم أفز بأى جائزة، والأهم من ذلك أن ذلك لم يشعرنى بالظلم والاضطهاد.. فلا أنا سعيت إليها حريصاً ومجتهداً وطالباً.. ولم أسع أو أتقدم أصلاً إلا مرتين فقط.. وشعرت فى المرة الثانية أنى طالب جائزة وصاحب حق..
فقد قمت بتحرير عدد خاص جداً من مجلة الأهرام الرياضى عن صالح سليم عقب وفاته.. وتقدمت بهذا العدد لجائزة دبى للصحافة ولم أفز بأى جائزة.. وبعد وقت طويل كنت مع الناقد الكبير الراحل الأستاذ محيى الدين فكرى.. فقال لى إن لجنة الجائزة مجتمعة كانت تريد أن تمنحنى الجائزة تقديرا لكل الجهد المبذول فى الكشف عن مختلف جوانب صالح سليم وسيرته ومسيرته سواء مع مصر أو مع النادى الأهلى..
وكادت بالفعل تمنحنى الجائزة لولا اعتراض حاسم من صديقى وأستاذى حسن المستكاوى.. والذى لم يكن محيى الدين فكرى يعلمه وقتها أن حسن المستكاوى نفسه كان قد أخبرنى بذلك.. وتناقشنا طويلاً بشأن ذلك.. وكان من بين الكثير الذى قاله إنه رفض أن أفوز بالجائزة لأننى أبداً لم أذكر أى عيوب أو أخطاء لصالح سليم.. وكأنه كان رجلا بلا أخطاء وخطايا..
وعلى الرغم من ضيقى وقتها بحسن المستكاوى وإصراره على ألا أفوز أنا وصالح بالجائزة، وأنه يطبق معى معايير لا أراها حاضرة ومستخدمة ودائمة فى بقية الجوائز ومع كل الآخرين.. فإننى بعدها احترمت المستكاوى كثيرا وجدا واحترمت وجهة نظره وأسبابه ودواعيه.. فقد كان على حق.. والتاريخ أحيانا لا يجب أن نكتبه فقط بعواطفنا ومشاعرنا وانحيازنا..
وإنما لابد من العقل والحكمة والعدل والإنصاف.. لابد أيضا من التأكيد على أن صالح لم يكن أبداً خالياً من العيوب أو منزها عن الأخطاء.. على العكس كانت له عيوبه وأخطاؤه.. وكان هو أول من يعرف عيوبه وأخطاءه وأول من يعترف بها أيضا دون عناد أو خجل.. بل وحين بدأنا.. هو وأنا.. العمل فى كتاب يحكى قصة حياته ومشواره مع الناس والأهلى والدنيا.. أصر صالح أن يتضمن هذا الكتاب عيوبه قبل حسناته.. أخطاءه قبل مميزاته.. وبالفعل.. وفى ذلك اليوم بدأ صالح يحكى منذ أن كان فى المدرسة تلميذاً مشاغباً.. لم يكن تلميذا مجتهداً أو من ذلك النوع الذى يسعد به مدرسوه.. فقد كان دائما يضرب زملاءه إن اختلفوا معه فى الراى أو رفضوا مشاركته فى لعب الكرة فى المدرسة أو بعد الخروج من المدرسة..
فلم يكن صالح الصغير يؤمن بالحوار أو تعدد الآراء ووجهات النظر.. وكانت هناك أيام كثيرة جداً قرر فيها ناظر المدرسة عقاب التلميذ المشاغب صالح محمد سليم بالوقوف خارج الفصل طول اليوم الدراسى، وألا يعود فى اليوم التالى إلا بصحبة ولى الأمر.. وقد بقى هذا الأسلوب ملازما لصالح فترات طويلة حتى بعد انتهاء الدراسة والمدرسة.. وكثيرة جدا هى المعارك.. والخناقات.. التى كان بطلها صالح سليم.. وكلها كانت بسبب شخصية صالح.. وردود فعله العنيفة.. والعنيدة أيضا.. وضحك صالح وهو يقول لى إن عناده هذا ربما كان أهم ما ورثه من السيدة والدته ذات الأصول التركية.. وأضاف صالح يومها وهو يهز رأسه بكلتا يديه.. أصل ساعات العرق التركى بينقح على.
وقد كان هذا العرق التركى.. حاضراً بقوة فى شهر العسل بعد زفاف زينب وصالح.. ففى أحد البيوت التاريخية بحى القلعة.. أقام خبير الديكور الشهير وقتها.. فاظلو.. حفلة أنيقة دعا إليها نجوم القاهرة ومنهم صالح سليم وزوجته الجديدة ووالدة زوجته أيضا.. وهناك فوجئ صالح بأحد العاملين يتحرش بإحدى السيدات.. وبدأت السيدة تصرخ.. وعلى الرغم من أن صالح لم يكن يعرفها فإنه جرى إليها محاولا جذب العامل خارج المكان..
وفوجئ صالح بعامل آخر يضربه بالروسية.. وهنا لم يعد صالح هو نجم الكرة الوقور أو الأنيق.. وإنما الطفل المشاغب صاحب العرق التركى.. وبسرعة قرر صالح أن يعود بزوجته ووالدتها إلى البيت.. ثم عاد لنفس المكان مرة أخرى ومعه اثنان من أصدقائه لأن صالح قرر أن يضرب العامل الذى اعتدى عليه.. وكانت معركة.. ومعركة أخرى كانت مع المنتج السينمائى إيهاب الليثى الذى ترك سيارته تسد الطريق على سيارة صالح سليم..
أما المعركة التى كادت تنتهى بكارثة فكانت أمام أحد محلات السوبر ماركت فى الزمالك والخصم كان بطل الكاراتيه المصرى عاطف أباظة.. وقرر صالح أن يضربه دون أن يعرفه.. واشتبك الاثنان بالفعل فى صراع حاد كان من الممكن أن ينتهى بمأساة.. مأساة لصالح طبعا.. لولا أن أنقذه رواد مقاهى شارع 26 يوليو فى بولاق الذين جرى عليهم أحد الشهود صارخا بأن كابتن صالح بينضرب فى الزمالك.
يتذكر صالح أمامى كل ذلك.. ويضحك.. ويقول إن هناك أشياء كثيرة تغيرت الآن داخله وفى شخصيته.. وبلهجة ساخرة قال.. يعنى أسلوب العافية ما بقاش موجود.. مجبر أخوك لا عاقل ولا حكيم.. وتشاء الظروف أن صالح نفسه.. وبعد هذا الحديث بسنة كاملة.. وآخر سنة فى حياة صالح قبل الرحيل.. عاد لنفس هذا الأسلوب العنيف القديم.. فقد كان صالح عائدا بسيارته الجديدة من بيته الخاص فى مزرعة عرابى على طريق القاهرة إسماعيلية الصحراوى وكان يقود سيارته بنفسه فى ذاك اليوم..
وعند تقاطع شارع الثورة مع طريق العروبة وبينما كان صالح عائدا لبيته فى الزمالك اصطدمت إحدى سيارات الترحيلات الخاصة بالشرطة بسيارته فهشمت جانبها الأيمن.. ونزل صالح من سيارته غاضبا وقد اختصر أربعين سنة من عمره على الأقل وبات يريد أن يضرب سائق سيارة الشرطة وحتى الجنود الذين كانوا معه.. وما إن رأى الناس الذين تجمعوا حول الحادث أن راكب السيارة الملاكى هو صالح سليم حتى تجمعوا يريدون ضرب السائق والجنود لولا تدخل صالح نفسه الذى استمات فى الدفاع عنهم بل ووقف صالح يحتضن السائق والجنود خوفا من أن يصيبهم أى مكروه.
ولم يكن هذا هو العيب الوحيد لصالح سليم.. فقد كانت هناك عيوب وأخطاء أخرى ربما لم تكن تليق بنجم كروى كبير وقدير وشهير وقائد لفريق النادى الأهلى.. مثل التدخين الذى لم يمارسه صالح فى الخفاء وإنما كان يدخن سجائره أمام الجميع.. وردود الفعل العنيفة.. والتى تغيرت معالمها من الضرب والاعتداء الجسدى فى سنوات الطفولة والشباب.. إلى مواقف صارمة لا يمكن مراجعتها أو تغييرها منذ أن أصبح صالح رئيسا للأهلى..
فقد كان صالح من الصعب أن يغير أحكامه على الناس حوله مهما جرى.. فالذين يحبهم سيبقى يحبهم.. والذين يكرههم ولا يطيقهم لن توجد قوة على الأرض ستجبره على التعامل معهم أبداً.. ومهما قام أحد الذين يكرههم بأى تصرف رائع أو نبيل فلن يحبه صالح.. ومهما ارتكب أحد الذين يحبهم صالح أى خطأ فسيغفر صالح إلا إن تسبب هذا الخطأ فى جرح شخصى.. وهنا تكون القطيعة النهائية والصارمة.. والتى لن يجدى معها أى اعتذار أو حتى حوار.. وقد مات صالح وهناك من كانوا أصدقاءه ومن الذين أحبهم فى يوم ما ولكنه لم يعد يسمح لهم بأى مساحة فى حياته أو اهتمامه أو كلامه..
أما الاتهام الدائم والذى ارتبط بصالح طيلة فترة رئاسته للأهلى.. فكان الديكتاتورية.. وأن صالح لم يكن يسمع لأحد ولا يسمح بأن يناقشه أو يراجعه أى أحد.. وسألت صالح بالطبع كثيراً عن هذا الاتهام.. ولم تكن إجابته تتغير.. وهى إجابة أحتفظ بها فى مكتبى وبصوت صالح سليم على شريط كاسيت.. ويعنينى أن أقدم إجابته كما هى بمفرداتها ووقفاتها ودون حتى تصحيح أو تبديل أو تنسيق.. فقد قال لى صالح يومها:
فى ناس بتقول عليا ديكتاتور.. ودى صفة بعيدة عنى كل البعد.. أخلاقى لا تسمح لى بأن أكون ديكتاتور.. أصل الديكتاتور ده واحد قرر يسد ودانه وما يسمعش غير نفسه وما يشوفش غير اللى هو عاوزه.. وأنا مش كده خالص.. أنا أؤمن إيمانا صادقا بأن رأى الجماعة أحسن من رأى الفرد.. وإن أربع عيون يشوفوا أحسن من اتنين بس.. وإذا كانت طلعت إشاعة إنى ديكتاتور.. آهى زى حاجات كتير غلط بتطلع.. يعنى مثلا أنا ما أسلمش على حد ماعرفوش.. إذا هو سلم أرد السلام.. أصل فى طبائع معينة جوايا.. أنا ملتزم بيها.. يعنى مثلاً تقدر تقول إنى متحفظ.. وخجول جدا.. والحاجة اللى أحب أعملها هاعملها.. ومش ها أعمل أبدا اللى ما يعجبنيش.. ولما أعمل اللى يعجبنى ويعجب الناس أهلاً وسهلاً.. ولو ما عجبش حد برضه أهلاً وسهلاً.. وغلطت فى حياتى كتير.. بس برضه كنت صح فى أمور كتير.. ومش علشان غلطت مرة تكون النتيجة إنى ماعملش حاجة علشان ماغلطش.. ومش معنى إنى نجحت مرة يبقى هانجح على طول.
هنا.. ينتهى كلام صالح سليم عن رؤيته لعيوبه وأخطائه.. ولكن يبقى مشهد رحيل صالح نفسه كأحد أكبر وأشهر أخطائه.. فصالح أبدا لم يتخيل أن آلافا سيخرجون وراءه فى جنازته وملايين آخرين كانوا سيخرجون أيضا فقط لو أتيحت لهم الفرصة وسمح لهم الوقت.. ورغم ذلك حاول مسئولو النادى الأهلى قدر استطاعتهم وقتها الالتزام بوصية رئيسهم صالح فأقاموا جنازة رمزية داخل النادى الأهلى نفسه انتقل فيها جثمان صالح من الصالة المغطاة وحتى بوابة النادى شارك فيها أعضاء النادى ولاعبوه فى مختلف اللعبات يحملون أعلام النادى الأهلى الذى كان أعز وأغلى معنى ومكان لصالح طوال حياته.. والنعى الذى قرأه الناس بعد الرحيل لم تقم بكتابته أسرة صالح سليم بل أصدقاؤه الذين لم يكن أبدا فى وسعهم تنفيذ وصيته فيكتبون سطرين عبارة عن.. شيعت أمس جنازة صالح سليم زوج السيدة زينب لطفى ووالد كل من خالد وهشام.. تماما كما كتب صالح نفسه نعى السيدة والدته..
أما العزاء فلم يكن صالح يتخيله لقاء لمصر كلها بسياسييها وفنانيها ورياضييها ومثقفيها ورجالها وشبابها.. وحين وقف فى مدخل سرادق العزاء طارق سليم وخالد وهشام سليم وحسن حمدى وبقية أعضاء مجلس إدارة النادى الأهلى لتلقى العزاء.. لم يدر ببال أحد منهم أن كل هؤلاء سيجيئون.. وأن الذين ينتظرون دورهم لدخول السرادق والقيام بواجب العزاء سيشملهم طابور طويل يمتد من مسجد مصطفى محمود وحتى شارع البطل أحمد عبد العزيز والكل يقف دون تذمر أو ضيق سواء كان وزيرا أو نجما سينمائيا أو لاعب كرة كأن هذا هو الشىء الطبيعى أن يحدث فى عزاء رجل بقدر ومكانة وتاريخ صالح سليم.
وأثق أن كل ذلك كان مفاجأة لصالح سليم نفسه الذى سبق وقال أكثر من مرة إن حياته لم تعد تهم الكثيرين أو لم تكن تهمهم أصلا.. فصالح منذ اعتزاله اللعب عام 1966 وهو بعيد عن الأضواء تماما.. لا حوارات للصحافة ولا صورة يراها الناس على شاشات التليفزيون ولا صخب أو ضوضاء يرتبط باسمه.. هكذا عاش صالح النصف الثانى من عمره اللهم إلا حين يخوض انتخابات رئاسة النادى الأهلى أو حين يقرر أحدهم أن يهاجم صالح سليم لمصلحة أو سبب ما أو حتى بدون سبب أو مبرر على الإطلاق.. وهكذا كان لصالح الحق فى أن يتخيل نفسه مجرد رجل عادى وأن اصابته بسرطان الكبد هى نفسها إصابة أى رجل بهذا المرض.. أمر لا يعنى أحدا غيره هو شخصيا وأسرته وأصدقاؤه.. وبالتالى يصبح موته أيضا موت رجل عادى.. خبر أو حدث لن يهتم به إلا من يعرف صالح عن قرب ويحبه بشكل شخصى.
كان صالح يردد ذلك دائما.. وكنت أحيانا أصدقه.. بل كدت أن أصدقه بالفعل.. وصدقته زوجته وولداه وأصدقاؤه أيضا.. حتى كان ما جرى يوم الوداع مفاجأة لنا كلنا.. مفاجأة أجبرتنى على أن أتذكر فصولاً شهدتها وعشتها مع صالح كانت كافية للتدليل على ما لصالح من شعبية طاغية.. وكان كل فصل وحده من هذه الفصول كفيلا بأن يجعلنى لا أصدق صالح حين كان يقول إن الناس قد تحترمه ولكنها لا تحبه.. أو حين كان يؤكد أن كثيرين لم يعودوا يحفلون به أو يهتمون بأخباره أو حكاياته.. وفى مشهد الوداع الحزين..
أعتقد أن كل العيوب والأخطاء القديمة.. غفرها كل الناس لصالح سليم.. فعيوب وأخطاء صالح لم يدفع ثمنها إلا صالح نفسه.. أما الأهلى.. فكان لصالح هو البيت والتاريخ والمكانة والكبرياء.. ولعل كثيرين لا يعرفون أن صالح.. هذا المايسترو المتجهم العنيد الصلب.. كان يتحول إلى طفل حين يدور أى حديث عن الأهلى وعن تاريخ صالح مع الأهلى.. حتى أننى أكاد أزعم أن أجمل ما فى علاقة صالح والنادى الأهلى ليست رئاسته أو إدارته للنادى الأهلى.. إنما حبه للنادى الأهلى.. وكان صالح حين يشاهد مباراة للأهلى أو حين يسأل عن نتيجة مباراة مهمة للأهلى.. ليس هو صالح رئيس النادى.. ولكن صالح الإنسان البسيط الذى يرى فى انتصارات الأهلى وبطولاته الشىء الوحيد الذى يضفى على حياته كل ما يريده ويحتاج إليه من بهجة وفرحة.. وكان آخر خبر سمعه صالح سليم وهو فى العناية المركزة قبل وفاته هو فوز الأهلى على الترسانة بخمسة أهداف نظيفة.. لحظتها ابتسم الأهلاوى الكبير الرقيق رغم كل أوجاعه وطالب بإبلاغ لاعبى الأهلى فرحته بالنتيجة ووصيته بأن يفوزوا ببطولة الدورى هذا الموسم من أجله.
وإلى جانب الأهلى وحب الأهلى.. لابد من التأكيد هنا أن صالح مدين بالكثير جدا لزوجته ولوالده الدكتور محمد سليم.. ولهذين الاثنين تأثيرهما ودورهما فى تكوين شخصية صالح.. وعلى حد تعبير صالح نفسه والذى لخص حكايته مع الاثنين حين قال لى.. كل صفاتى التى تعجب الناس الآن وتدفعهم لاحترامى تعلمتها من والدى.. ثم جاءت زوجتى فعلمتنى كيف أحافظ على هذه الصفات ولا أتنازل عنها مطلقا مهما كان الثمن أو المقابل.. وبكل هذه الصفات التى تركها الدكتور محمد سليم والتى حافظت عليها زينب لطفى.. تحول صالح سليم من إنسان إلى أسطورة.. وقبل الحديث عن الأسطورة فلابد من اكتمال الحديث عن صالح الإنسان.. وقد يندهش كثيرون حين يعرفون الآن أن صالح كان رغم كل هالات المجد والأضواء إنساناً خجولاً جداً.. يخجل حين يصافحه أحد لا يعرفه.. يخجل من كلمة إطراء أو إعجاب يسمعها من أى أحد.. يدخل أى مكان عام وهو يكاد يتسلل إليه لا كما يمشى أنصاف الرجال تكاد الدنيا على وسعها تضيق بهم.. وكان صالح أيضاً رغم الصرامة والجدية التى اشتهر بها إنساناً لا نهاية لخفة الدم التى يتميز بها.. لم يكن يضحك وحده وإنما كان أحيانا يجبر كل من حوله أن يستسلموا للضحك حتى تسيل من أعينهم الدموع.. لكنه لم يكن يضحك على أحد أو من أحد.. لم يكن يسخر من أحد.. كل ضحكاته كانت نابعة منه هو.. من نفسه وحياته وذكرياته.. وسخريته كانت تأتى من مفارقات كثيرة حدثت له أو معه فى مشواره الطويل سواء كإنسان أو لاعب أو مسئول فى النادى الأهلى.
أما صالح سليم الأسطورة.. أو صالح الذى يصعب تكراره.. أو صالح الذى فاجأ الجميع بمدى ما يتمتع به من حب ومكانة فى قلوب الملايين.. فهو الأمر الذى قد يطول الحديث فيه جداً.. أو من الضرورى أن يطول أى حديث عنه لنعرف ونفهم ونملك تفسيرا حقيقيا وواضحا لكل هذا الحب.. من الضرورى أيضا أن نتوقف أمام عدة نقاط محددة هى التى صنعت من صالح أسطورة رغم أننى أثق من أنه لم يكن ليحب أن أصفه بهذه الكلمة أو أربطها باسمه.. لكننى لا أجد كلمة غيرها.. ربما لو كنا نعيش فى زمن آخر ما كان صالح ليصبح أسطورة.. أما فى زمننا الحالى.. ونجد رجلا يعيش ويعمل وينجح بلا أية حسابات ولا يتحرك وفقا لأية حسابات خاصة.. رجل لا يخشى المواجهة مع أية سلطة ويرفض أى خضوع لأى تهديد مهما كان حجمه.. رجل يترفع عن المال الذى كان يمكن أن يجنى كثيرا منه بحكم شعبيته أو شهرته أو مكانته.. ويترفع عن أية مطامع أو مميزات قد تكون من حقه بحكم تاريخه وعطائه.. ويترفع عن كل ما هو ليس من حقه وعن كثير أيضا مما كان من حقه.. رجل بمثل هذه المواصفات وفى زماننا هذا لابد أن يصبح أسطورة.. ولابد أن يحصد فى النهاية الجزاء الوحيد الذى يلقاه عظماء الرجال بعد موتهم.. أن يشعر البسطاء أنهم بموته فقدوا أحد المعانى أو الصور الجميلة فى حياتهم.. وحين كنت أقف أمام مسجد مصطفى محمود وجثمان صالح يخرج من المسجد.. رأيت فتاة صغيرة تبكى بحرارة وتصرخ على أبيها الذى مات.. فتاة صغيرة لا يعنيها صالح نجم الكرة أو السينما ولا صالح رئيس النادى الأهلى أو حتى رئيس الكون كله.. إنما يعنيها ويحزنها ويخيفها موت معنى جميل كان يمثله صالح لها ولكثيرات وكثيرين جدا غيرها.. ورأيت رجلاً ما إن عرف فى اليوم السابق أن جنازة صالح ستخرج من مسجد مصطفى محمود بعد صلاة الظهر حتى جاء الرجل لأداء صلاة الفجر فى المسجد يحمل معه مصحفا وقطعة جبن وكسرات من الخبز وبعد أداء صلاة الفجر بقى الرجل جالساً فى المسجد يقرأ القرآن على روح صالح سليم منتظراً صلاة الظهر خائفا أن يغادر مكانه فيمنعه رجال الشرطة من العودة وهو لا يريد شيئاً إلا المشاركة فى الصلاة على صالح سليم الذى لا يعرفه ولكنه يمثل له أشياء كثيرة جميلة وغالية قد تموت بموت صالح.. وكان هناك أيضا شباب كثيرون أصروا رغم نقودهم القليلة على استئجار سيارات ميكروباص ليصحبوا جثمان صالح حتى مدفنه فى مدينة 6 أكتوبر.. ماذا يعنى ذلك كله.. إنها كلها وحكايات كثيرة وهائلة تبقى ضد المنطق وأصل الأشياء.. فالمنطق كان يقضى بأن يسمع الناس خبر موت صالح أو يقرأوه فيبقى بالنسبة لهم مجرد خبر.. إذن ما الذى تغير.. ولماذا أصبح ما جرى فى يوم وداع صالح ضد كل ما هو منطقى وطبيعى.. إجابات مثل هذه الأسئلة تبقى حتى الآن فوق طاقتى وقدرتى.. ولابد من طول انتظار وطول تأمل وبحث ودراسة لنعرف سر صالح سليم ولماذا غاب عنا ورحل الإنسان وبقى صالح الأسطورة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.