قررت لجنة الاختيار إذن أن تنزع الورقة الأولى لكل سيناريو متقدم لنيل الدعم، ضمانًا لعدم تأثر قارئيه بأسماء المتقدمين (سلبًا وإيجابًا)، ودعمًا لفكرة تكافؤ الفرص بمعيار واحد هو معيار الجودة التي حددنا سابقًا مواصفاتها.. والغريب أن الذين أصدروا بيان الغضب اعترضوا على هذا المنهج، وقال بعضهم إن هذا دليل عدم ثقة!! في لجنة التحكيم، رغم أن اللجنة نفسها هي من أقرت ذلك، وقال آخر إن هذا دليل عدم شفافية!! وهنا استكمل البيان الذي أصدرته: ما هو الأقرب للشفافية؟ إن تقرأ عملًا وتحكم عليه بشكل مجرد دون التأثر باسم مؤلفه، سواء كان مشهورًا أو مغمورًا، صديقًا أو عدوًا، صغيرًا أو كبيرًا، أو أن تقرأ العمل مبهورًا بشكل مسبق بكاتبه أو مستهينًا به بناءً على معرفتك السابقة. إن قراءة عمل من أجل دعمه ليست حصة للقراءة الحرة، تختار فيها من يعجبك أسلوبه ومن تحبه وتستبعد من لا يوافق ذوقك وأفكارك، وإنما هو عمل يجب أن يتسم بقدر من التجرد والاحترافية. ومع ذلك، من قال إن كل الأعمال – في كل المراحل – قد قُرئت بأرقام سرية؟ 1- في المرحلة الأولى من التصفيات قرأ كل عنصر باللجنة عددًا من السيناريوهات، واستُبعدت الأعمال التي تقل درجتها عن 2 من 10 (كمعيار للجودة بالمقاييس السابق تحديدها). 2- في المرحلة الثانية قُرئت الأعمال التي فازت في المرحلة الأولى من كامل أعضاء اللجنة، وتم اختيار الأفلام التي زادت درجتها عن 5 من 10. 3- في المرحلة الثالثة أُعلنت أسماء مقدمي المشاريع، فرأت اللجنة إعادة قراءة بعض المشاريع (احترامًا لأسماء صانعيها مهما كانت الدرجة التي نالها المشروع في المرحلتين السابقتين). 4- في المرحلة الرابعة والأخيرة قُرئت مرة ثالثة الأفلام التي استقرت اللجنة على اختيارها، ولم يفز أي فيلم إلا بشق الأنفس وبفارق صوت واحد عن معارضيه.. مما دعا اللجنة إلى طلب إعادة فتح باب القبول لمشاريع أخرى قد تعبر بشكل أفضل عن سينما مصرية حقيقية (على المستويين الفني والحرفي)، وكذلك وافقت اللجنة على السماح لنفس المشاريع التي تقدمت سابقًا إذا أجرت تعديلات جوهرية، لأن دور اللجنة لا يمكن أن يكون (إصلاح) الحوار في بعض السيناريوهات، والتي كان بعضها يعاني من عيوب متراوحة (في البناء/ الحوار/ الإيقاع... إلخ). وهذا – بالتحديد – كان السبب الأكبر في غضب السينمائيين الكبار، وكانت لنا بعض الملاحظات: 1- أزمة السيناريو في السينما المصرية واضحة لا تحتاج إلى إثبات، وهي أزمة جوهرية عبرت عنها كتابات كثيرة، وتبدت في حجم الأفلام المسروقة من أفلام أجنبية، وحتى في أفلام بعض (مبدعينا)، حتى إن لجنة تحكيم مسابقة ساويرس الأخيرة أشارت إلى هذا بوضوح، لدرجة تفكيرها في حجب الجائزة المتواضعة (وبالمناسبة بعض الأفلام التي تقدمت للدعم تم رفضها في مسابقة ساويرس ومسابقات أخرى دون أن نسمع عن غضب أو احتجاج!!). 2- لماذا لم يغضب أحد عندما شُكلت لجان تحكيم في أغلب مهرجاناتنا (القومية) بشكل لا يثير سوى السخرية، خاصة عندما أعلنت عن نتائج بائسة تخلط بين الفني والتجاري وتنتصر لأردأ أنواع الدراما!!؟ 3- أعرف أغلب المتسابقين، ومعظمهم أصدقائي أحترمهم وأحبهم، ولكني لا أرى في أيٍّ منهم (نبيًا) معصومًا.. فخان وداود والقليوبي ونصر الله فعلًا مثلًا هم مخرجون عظام.. أعرف تمامًا دورهم الفني والثقافي في مجتمعنا، ولكنهم ليسوا ملائكة.. لقد صنعوا أفلامًا بعضها جيد وبعضها رديء ومعظمها عظيم، وهذه طبيعة الأمور في ظروف مجتمعنا، فلماذا لا نصدق أنهم ربما لم يوفقوا هذه المرة؟ ولماذا عندما لا تعجبنا النتائج لا نلتفت إلى العمل نفسه ومحاولة جعله أفضل ومعالجة مشاكله؟! وبعد: هنا اجتهاد لجنة اختارها وزير الثقافة، وكانت تعمل (دون أن يرأسها أحد) بحرية وديمقراطية دون أن تحمل ضغينة لأحد.. لم تنشغل إلا بإتقان عملها وسماع صوت ضميرها.. كان من الممكن (والأسهل) أن تجامل أصدقاءها، وأن تتخلص من عبء منتقديها بإعلان أي نتيجة والسلام. وأخيرًا: هي لجنة لا تدعي أنها تملك (الحقيقة المطلقة)، تعرف أن ما قضت به هو رأيها النسبي، وأن أي لجنة أخرى قد يكون لها رأي آخر مختلف في ذات المشاريع، شرط أن تراعي هي الأخرى ضميرها المهني، وأن يكون احتكامها للخبرة والذائقة الفنية السليمة.