تزامناً مع المشاهد المثيرة التي يعرضها المسلسل الرمضاني "رأس الأفعى"، والتي توثق واحدة من أعقد العمليات الأمنية في العقد الأخير، تبرز من جديد قصة سقوط "ثعلب الإخوان" والقطب القطبي الأبرز محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام للتنظيم الإرهابي. تلك العملية التي لم تكن مجرد مداهمة أمنية عادية، بل كانت "ضربة معلم" أدت إلى بتر العصب الحركي والممول الفعلي لكل العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد. الواقعة التي جرت كواليسها في هدوء تام بمنطقة التجمع الخامس، كشفت عن قدرة فائقة للأجهزة الأمنية في رصد "الرجل الغامض" الذي ظل لسنوات يحيط نفسه بأسوار من السرية المطلقة.
محمود عزت، الذي ظن الكثيرون أنه خارج البلاد، كان يدير "غرفة عمليات" مركزية من داخل شقة سكنية متواضعة، مستخدماً وسائل تكنولوجية متطورة ودوائر تأمين بشرية محدودة جداً لتجنب لفت الأنظار، إلا أن "نفس" رجال الأمن الوطني كان أطول، حيث تم رصد خيوط تحركاته من خلال تتبع دوائر اتصاله بالخلايا النائمة. لحظة الاقتحام التي يجسدها مسلسل "رأس الأفعى" بحرفية عالية، كانت في الحقيقة لحظة انهيار هيكل التنظيم بالكامل. فعندما دخلت القوات الخاصة إلى مقر اختباء عزت، لم يجدوا مجرد قيادي هارب، بل وجدوا "كنزاً معلوماتياً" يتمثل في أجهزة حاسب آلي ووسائط تخزين تحتوي على خرائط تمويل التنظيم الدولي، ومخططات لاستهداف شخصيات عامة ومنشآت حيوية، بالإضافة إلى تكليفات مباشرة لعناصر التخريب في المحافظات. لقد كان محمود عزت يمثل "الرجل الحديدي" والوريث الشرعي لفكر التنظيم السري، وبسقوطه انفرط عقد القيادة وتشتتت مراكز القوى داخل الجماعة الإرهابية.
إن ما يعرضه "رأس الأفعى" اليوم ليس مجرد عمل درامي للمشاهدة، بل هو توثيق لملحمة وطنية خاضتها الأجهزة الأمنية باحترافية مذهلة، لتؤكد للعالم أجمع أن الدولة المصرية تمتلك عيوناً لا تنام، قادرة على اختراق أشد الحصون سرية، واجتثاث رؤوس الأفاعي مهما طال زمن اختبائها في الجحور.