في أعمار الرجال مسافات، وفي أعمار القلّة منهم رسائل. هناك من يمرّ به الزمن مرورًا عابرًا، وهناك من يصنع من الزمن معنى، ومن السنين موقفًا، ومن المسار شهادة. وحين نقف أمام تجربةٍ امتدّت ثمانين عامًا، لا نكون أمام رقمٍ في سجلّ الميلاد، بل أمام عمرٍ تراكبت فيه الحكمة، وتخلّقت فيه المسؤولية، وتشكّل فيه الوقار بوصفه اختيارًا لا طبعًا. ليست الثمانون عامًا رقمًا يُعلَّق في سطرٍ عابر، ولا مناسبةً بروتوكولية تُؤدَّى ثم تُطوى، بل هي عمرٌ إذا اكتمل في رجلٍ بحجم الإمام الأكبر الأستاذ/ الدكتور أحمد الطيب، صار شهادةَ حياة، ورسالةَ علم، وتجربةَ أمةٍ في رجل. ثمانون عامًا مرّت، لم يكن فيها الإمام الطيب عابرًا في الزمن، بل كان شاهدًا عليه، ومشاركًا في صياغته من موقع العالم الذي يعرف أن الكلمة أمانة، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب، وأن الوقار ليس ضعفًا بل أعلى درجات القوة. فمنذ نشأته الأولى، تشكّلت شخصيته في مدرسةٍ تعرف معنى الجذور، حيث الدين خُلُقٌ يُعاش، لا شعارٌ يُرفع، والعلم مسؤولية قبل أن يكون مكانة. دخل الإمام الطيب الأزهر الشريف طالبًا، فخرج منه عالمًا. فقد التحق بكلية أصول الدين ضمن سبعةٍ وثلاثين طالبًا، فكان التكوين العلمي من ذلك الجيل كافيًا لأن يُخرِج سبعةً وثلاثين عَلَمًا، لا مجرد سبعةٍ وثلاثين اسمًا في سجل. ولم يكتفِ بعلومٍ تُحفظ، بل انفتح على الفلسفة والتصوف والفقه، جامعًا بين عمق التراث وسعة العقل، فصار نموذجًا نادرًا للعالم الذي يُحسن الفهم قبل أن يُصدر الحكم. ومع مرور السنين، لم يكن تراكُم العمر عنده تراكمَ أعوام، بل تراكمَ خبرةٍ وبصيرة. وحين تولّى مشيخة الأزهر، لم يتعامل معها كمنصب، بل كأمانة ثقيلة. أدرك أن الأزهر ليس مؤسسةً تعليمية فحسب، بل ميزانُ اعتدال، ومرجعيةُ ضمير، وحصنُ هوية. فاختار طريقًا صعبًا: أن يحفظ الثوابت دون انغلاق، وأن يُجدّد دون تفريط، وأن يقف على مسافةٍ واحدة من الجميع، إلا من الحق. في زمنٍ ارتفعت فيه الأصوات، وباتت الفتاوى سلعة، ظل الإمام الطيب ثابتًا، لا يلهث خلف لحظةٍ إعلامية، ولا ينجرّ إلى معارك جانبية. واجه التطرف بالفكر، والتعاطي مع الأمور بالحكمة ، والتشدد بالعلم، فكان حضوره رسالةً بأن الإسلام القوي لا يحتاج إلى صراخ، وأن المرجعية الراسخة لا تُثبت نفسها بالحدة بل بالاتزان. وعلى المستوى الإنساني والدولي، قدّم شيخ الأزهر نموذجًا مختلفًا: عالمٌ يُحاور دون أن يتنازل، وينفتح دون أن يذوب، ويؤمن بأن التعارف بين البشر فريضة حضارية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. فكانت مواقفه امتدادًا طبيعيًا لفهمٍ عميقٍ للدين بوصفه رحمةً وهدايةً وعمرانًا. ثمانون عامًا من الوقار، هي خلاصة رجلٍ اختار أن يكون كبيرًا بالعلم، لا بالصوت، وثقيلًا بالحكمة، لا بالضجيج. وهي رسالة للأجيال القادمة أن العمر إذا صُرف في خدمة المعنى صار بركة، وأن القيادة الحقيقية لا تُقاس بسرعة القرار، بل بسلامة الاتجاه. حفظ الله الإمام الأكبر، وأمدّ في عمره، وجعل له في قلوب عباده وُدًّا، وجعل هذه السنين شاهدَ صدقٍ على عالمٍ حمل الأزهر في قلبه، فحمل الأزهرُ به مكانته في زمنٍ يحتاج إلى أمثال هذا الوقار أكثر من أي وقتٍ مضى.