صُعق الشارع الإسرائيلي بسيل المديح الذي أغدقه الرئيس دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ مديح أرق مضاجع المعارضة الإسرائيلية التي تكتسب زخماً كبيراً في استطلاعات الرأي المتوالية، حتى وصلت إلى 69 مقعداً في آخرها. كما أربك هذا المديح الإعلام الإسرائيلي المناوئ لنتنياهو وسياساته، خاصة مع وصف ترامب له "بمنقذ إسرائيل"، و"أن لولاه لما كانت إسرائيل موجودة اليوم"، في حين يراه الإعلام الإسرائيلي مسؤولاً عن "كارثة السابع من أكتوبر"، ويتهمه بالتسويف والتحايل للتهرب من لجنة تحقيق رسمية والسعي لتقويض النظام القضائي لتجنب ملاحقته بتهم فساد. يرى مؤيدو نتنياهو في ترامب سانتا كلوز الأمريكي الذي جاء محملاً بهدايا الدعم السياسي والعلاقات العامة لتعزيز مكانة رئيس وزرائهم في الانتخابات المقبلة، مؤمنين بأن هذا الكم من المديح لم يكن ليأتِي لقائد سواه. غير أن الكلام المعسول وعبارات الدعم التي أغدقها ترامب على ضيفه - الذي لم يستطع إخفاء سعادته ووقف كطفل في محل حلوى- لن يكون مجانياً؛ فترامب يصنف البشر ضمن فئتين رئيسيتين: من يتصرفون جيداً ومن يسيئون التصرف. يغدق المديح على الجيدين، ويوبخ أولئك علناً. وعبارات المديح ليست هدفاً هنا بقدر ما هي وسيلة ترامب لانتزاع نتائج وتنازلات من الآخرين؛ إذ يضع "الممدوح" في مكانة الشريك المميز، مما يرفع سقف التوقعات منه ويجعله عاجزاً عن معارضة ترامب في المستقبل، ومدفوعاً برغبة ملحة في نيل رضاه لتجنب سخطه الذي لا يقل حدة عن مديحه. بيد أن العلاقة بين الرجلين لم تمض في هذا المسار دوماً، بل شهدت تقلبات وتوترات عدة لعل أبرزها غضب ترامب العارم من نتنياهو حين سارع الأخير إلى تهنئة جو بايدن بفوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية على حساب دونالد ترامب، في وقت كان ترامب يرفض الاعتراف بالنتائج ويصفها بالمزورة. اعتبر ترامب التهنئة آنذاك بمثابة "خيانة العظمى" واستخدم بحقه ألفاظاً نابية بوصفه ناكراً للجميل رغم كل ما قدمته إدارة ترامب له ولإسرائيل عموماً. إذن يظل السؤال قائماً حول الثمن الذي يتعين على نتنياهو دفعه لتسديد فاتورة هذا الدعم العلني. فكما هو معلوم بالضرورة، التصريحات أمام الكاميرات شأناً، وما يدور في الغرف المغلقة بعيداً عنها شأناً آخر تماماً. إن ردود ترامب الغامضة على أسئلة الصحفيين حول الخطط المستقبلية فيما يتعلق بغزة، وسوريا، وإيران، وباقي الملفات فتحت باب التأويل على مصراعيه أمام المحللين للشأن الإسرائيلي والدولي حول طبيعة المقابل المنتظر. في واقع الأمر، جعل ترامب من نتنياهو أسيراً لصورته التي رسمها له أمام الكاميرات، مستغلاً حاجته لترميم صورته المهتزة محلياً كزعيم تاريخي، وهي الصورة التي سعى بكل السبل لتكريسها داخليا في الوعي الجمعي الإسرائيلي. لقد حول ترامب نتنياهو إلى ما يشبه "مندوب مبيعات" داخل المجتمع الإسرائيلي، لا لبيع منتجات اليمين الإسرائيلي، بل لتسويق وبيع منتجات الإدارة الأمريكية من عودة محتملة للسلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة تحت مسميات أخرى قابلة للهضم إسرائيلياً، والقبول بوجود قوات تركية ضمن قوة السلام الدولية، والموافقة على فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، وصولاً لرضوخ إسرائيل لرغبة الإدارة الأمريكية في بيع طائرات F35 لتركيا. ويبدو أن ترامب يرى في نتنياهو الشخص الوحيد في إسرائيل القادر على تمرير هذه التنازلات القاسية وتحويلها إلى انتصارات في نظر جمهوره.