إعلام إيراني: انفجارات ضخمة في خرم آباد    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    «ترامب» يُحذر: الدول المعتمدة على النفط في هرمز تتحمل مسؤولية حماية الملاحة    بعثة منتخب مصر تعود إلى القاهرة بعد ودية إسبانيا    إزالة حطام حادث انقلاب حفار أعلى الطريق بمنطقة الهرم    المرور ينشر الخدمات بكافة الطرق وسيارات الإغاثة بسبب الرياح المثيرة للأتربة    زلزال بقوة 7.8 درجات يضرب إندويسيا وتحذير ل 3 دول من تسونامي    ترامب: نقترب من تحقيق أهدافنا الاستراتيجية في إيران    السويدي اليكتريك تتعاون مع IBM لتسريع التحول إلى الذكاء الاصطناعي    ترامب: لن نسمح بضرر لحلفائنا فى الخليج العربى    محافظ الدقهلية في جولة مفاجئة بمستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل والخدمة الطبية خلال الفترة الليلية    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    القيادة الأمريكية الوسطى: نفذنا أكثر من 13،000 طلعة ودمرنا أكثر من 155 سفينة إيرانية    شردي بعد مؤتمر مدبولي: مفيش حكومة بتعوز تعذب المواطن.. هل تحبوا النور يقطع كل 6 ساعات؟    خبير اقتصادي: رفع الحد الأدنى للأجور يحتاج زيادة الإنتاج لتفادي التضخم    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    هل ترتفع الأجور بالقطاع الخاص بعد قرار الحكومة؟.. عضو بالمجلس القومي يوضح    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    انقطاع الكهرباء بالعاشر من رمضان بسبب سوء الأحوال الجوية وفرق الطوارئ تتدخل (صور)    انفجارات في تل أبيب.. 3 مصابين في بني براك جراء رشقات صاروخية    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    بعثة منتخب مصر تغادر إسبانيا متجهة إلى القاهرة    تأجيل امتحانات منتصف الفصل اليوم الخميس وتعليق الدراسة في جامعة المنيا بسبب سوء الأحوال الجوية    تنفيذا لقرارات الغلق.. إنهاء حفل زفاف بعزبة الخلايلة بالخانكة وغلق المحال 9 مساءً    تعطيل الدراسة بجميع المعاهد الأزهرية الخميس بسبب التقلبات الجوية    محافظ دمياط يقرر تعطيل الدراسة اليوم بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية لسوء الأحوال الجوية    محافظ قنا يعلن تعطيل الدراسة اليوم بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية والتمريض بسبب الطقس السيئ    التعليم تحسم موقف الدراسة اليوم الخميس وتعلن تأجيل الامتحانات    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    محافظ الإسكندرية يبحث ضبط الأسواق مع مسئولي الغرفة التجارية بالمحافظة    التشكيل الجديد للجنة العمارة بالمجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    تعرف على التشكيل الجديد للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    مياه كفر الشيخ: انفجار خط طرد صرف صحي بدمنكة في دسوق وجارٍ التعامل الفوري    تعليم سوهاج يقرر تأجيل امتحانات الخميس بسبب سوء الأحوال الجوية    لوكاتيلي يوجه رسالة اعتذار لجماهير إيطاليا بعد الفشل في التأهل لكأس العالم    أدار المباراة الأولى.. التمسماني حكما لمباراة مصر وليبيا في تصفيات شمال إفريقيا للناشئين    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    إبراهيم عبد الجواد: ديانج وقع علي عقود الإنضمام إلي فالنسيا مساء الإثنين    فيتو تنشر أسماء أعضاء لجان المجلس الأعلى للثقافة 2026    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    حاتم صلاح يعلن وفاة والده.. وهذا موعد الجنازة    دجيكو: القدر منح البوسنة بطاقة مونديال 2026 بعد إصابتي    وزيرا الصحة والتضامن: إتاحة تطعيم فيروس الورم الحليمي البشري للسيدات    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    محافظ مطروح يعلن تعطيل الدراسة غدا بسبب الأمطار الغزيرة وسوء الأحوال الجوية    هل تأثم الزوجة إذا خرجت إلى أهلها دون إذن الزوج؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    في نسخته الثانية.. تحديات وأزمات مستمرة بملتقى الأقصر للسينما الإفريقية    حياة كريمة.. 1415 خدمة طبية مجانية بقرية «بني غني» سمالوط    مشاورات مصرية - أوغندية لتعزيز التعاون الثنائي ودعم التنمية    «التنظيم والإدارة» يعلن فتح باب التقديم لشغل وظائف خبراء بوزارة العدل    احتفالية كبرى لبيت الزكاة لدعم الأهالي بشمال سيناء    محافظ جنوب سيناء يتلقى التهاني خلال احتفالات الذكرى 37 لاسترداد طابا    السجن 3 سنوات لعامل بتهمة استعراض القوة وإطلاق أعيرة نارية في الأزبكية    لفته إنسانية.. محافظ شمال سيناء يصاحب تلميذًا أثناء عودته الى قريته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحصانة المعرفية.. تأملات فى تحصين الوعى الجمعى
نشر في اليوم السابع يوم 26 - 07 - 2025

تحت وطأة الانفجار المعلوماتى الهائل وفى خضم الثورة المعرفية المتسارعة، أصبحت العقول ميدانًا مفتوحًا للاختراق أكثر من أى وقت مضى، وصار يبث فى لحظة عبر شاشة هاتف، ويغلف بذكاء فى تغريدة ويهمس بإتقان فى إشاعة تغلف برداء المنطق، أو يمرر بدهاء فى هيئة رأى متداول، أو محتوى عابر يروج له بمنطق الزيف المقنع.
إننا نعيش عصرًا تتداخل فيه الحقيقة مع الوهم، ويصبح فيه الرأى العام ساحة صراع غير مرئية، تتنافس فيها القوى على تشكيل الإدراك وتوجيه المشاعر وصياغة القناعات، وتكمن هنا الخطورة الكبرى، حيث يستهدف الهجوم الوعى ويتسلح بالتكرار والتضليل والتطبيع مع الشك، ومن ثم تتزايد الحاجة إلى الحصانة المعرفية بوصفها خط الدفاع الأول عن الذات والعقل والمجتمع، فقد صارت المعركة معركة روايات، وصور، وتوجهات، ومعطيات متضاربة تغرق الفرد وتفقده البوصلة، فالعقل غير المحصن يتحول بسرعة إلى أداة فى يد من يريد السيطرة عليه، ويصبح الناقل الأمين لخطاب التشكيك دون أن يشعر.
وتتجلى أهمية الحصانة المعرفية فى ظل هذا الواقع، كخط دفاع أول لصيانة الإنسان والمجتمع والدولة على السواء، فالعقل الذى لا يتحصن بالوعي، ولا يتدرب على التمييز والتحقق سرعان ما يتحول إلى فريسة سهلة لعمليات الاستلاب الناعم، والتوجيه الخفى وقد يغدو أداة بيد من يسعى لاختراق المجتمعات من الداخل، وتقويض ثوابتها من حيث لا تدري.
ولقد أصبح الوعى ضرورة ومعركة حياة ومطلبًا أمنيًا ومعرفيًا، ومن ثم غدت صناعة الوعى الحصن الأخير والضمان الأوثق لصون الهوية الوطنية من خطر الذوبان فى الآخر، أو التلاعب بها تحت لافتات زائفة وشعارات براقة ومغريات مضلّلة تخفى خلفها مشاريع تفريق وتضليل، فالوعى فى زمن التزاحم المعلوماتي، بات شرطا للثبات، وأداة لحماية الذات، وسياجا للأمن المجتمعي.
وتمثل الحصانة المعرفية البنية التحتية للوعي، والدرع الخفى الذى يحول بين الإنسان والانزلاق إلى مستنقعات الجهل المركب أو التبعية الفكرية والمعرفية، فهى امتلاك للمعلومات وحيازة نقدية للمعرفة والقدرة على تمحيصها وإتقان مهارة تحليلها والتحلى بالشجاعة اللازمة لرفض الزائف منها، مهما بدا مغريًا أو مقنعًا، فالعقل المحصن لا يستدرج ببريق العناوين أو الإغواء الإعلامى، ولا ينخدع بالخطاب العاطفى أو الدعائى ولا ينجر وراء التضليل أو يقع فى فخاخ الشائعات، لأنه يمتلك جهازًا مناعيًا داخليًا، قوامه التأمل، والتحقق، والتفكير النقدي.
ولا ريب أن أخطر ما يتهدد المجتمعات المعاصرة يتمثل فى القدرة الممنهجة على تسويق الوهم بأدوات تتخفى فى ثوب العقلانية، أو الإنسانية، أو حتى العلمية، فالشائعات باتت أسلحة ناعمة ضمن منظومات حروب الجيل الرابع والخامس، وتستخدم لهدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وتشويه الرموز وإرباك الإدراك الجمعي، وبث الشك فى كل ما هو ثابت، وهنا تتجلى خطورة تغييب الوعي، حين يتحول المواطن إلى متلقٍ سلبي، يفتقر لأدوات التمييز، فيغدو فريسة سهلة وقوة سلبية داخل وطنه، بدلًا من أن يكون ودرعه الواقى وحامى سيادته.
أثبتت التجربة المصرية، بما تملكه من تاريخ ممتد وموقع جيوسياسى فريد، أن الحروب الأخطر تدار فى العقول والوجدان، وأن بناء الدولة يتم عبر القوانين والمشروعات والاصطفاف الوجدانى والمعرفى حولها، ذلك الاصطفاف الذى يتأسس على وعى مسؤول، وقدرة على التمييز، وانحياز صادق لما هو وطني، فى مواجهة موجات التشكيك ومحاولات الاختراق الناعم، فالدولة هى شبكة من المعانى والدلالات المتجذرة فى وجدان الشعب، ويضطلع العقل الواعى بحمايتها وصيانتها من كل ما يهدد ثوابتها أو يسعى لتقويض تماسكها.
وهنا تتجلى الحصانة المعرفية بوصفها فعلاً وطنيًا بامتياز وسياجًا للأمن القومى ومسؤولية جماعية لا تخص النخب وحدها، فهى تبدأ من المدرسة والبيت والمنبر والإعلام، فالحصانة تبنى حين نعلم أبناءنا كيف يسألون وكيف يفكرون وينقدون، وندربهم على فحص المصادر ومساءلة الخطابات السائدة قبل تبنيها أو ترديدها، فالعقل الذى لا يعتاد المراجعة، ولا يمارس التفكير والتحليل، يتحول سريعًا إلى أرض خصبة للزيف، وساحة مفتوحة للاختراق، وعندها يصبح الخطر داخليًا أكبر من الخطر خارجيًا ، لذا فإن صيانة العقل من التزييف والوجدان من التشويه صيانة للوطن ذاته.
وقد أظهرت الدراسات الاجتماعية، أن المجتمعات التى تكرس ثقافة التفكير النقدى داخل منظومتها التعليمية، وتحمى حرية الرأى دون أن تتساهل مع ترويج الأكاذيب، وتستثمر فى بناء عقل جمعى ناضج، هى المجتمعات الأقدر على التصدى للحروب النفسية والمعرفية التى تستهدف بنيتها الداخلية، وهنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية معرفية متكاملة تبدأ بالتعليم، الذى لا بد أن يتحول إلى منظومة تفاعلية تعلم الطالب كيف يفكر ويمارس، يليه الإعلام الذى ينبغى أن يتحول إلى منطق التثقيف والتحقق والتفسير الرصين.
ولا بد أن يضطلع المجتمع المدنى بدوره كشريك فاعل فى ترسيخ الثقافة المعلوماتية، وتعزيز مهارات الفرز العقلى وفضح خطابات الكراهية، ولا يقل دور المؤسسات الدينية والثقافية أهمية، إذ يقع على عاتقها مسؤولية إعادة بناء الثقة فى الخطاب القيمي، والتصدى للتأويلات المتطرفة، وتحصين الإنسان من الانغلاق والانبهار الزائف كما يعد صوت المثقف أحد أعمدة الحصانة المعرفية، فانخراطه اليومى فى معارك الوعي، ومخاطبته للجمهور بلغة تجمع بين الرصانة والتبسيط، يشكلان جبهة متقدمة فى مواجهة محاولات التشويه والاستلاب.
ويكفى أن نتأمل حجم المعلومات المغلوطة التى تنشر يوميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحجم الشائعات التى تطعن فى كل منجز، وتختزل أعوامًا من العمل الوطنى فى جمل ساخرة أو تعليقات هازئة، لندرك أن المعركة باتت يومية، وأن التحصين المعرفى بات أولوية قصوى، فالأخبار الزائفة لا تكتفى بتشويه الحقائق، ولكن تزرع الشك فى النفوس، وتغتال الروح العامة، وتفسد مناخ الثقة، وكلها عناصر تمس تماسك المجتمعات واستقرارها فى الصميم.
لذا، فإن الاصطفاف الوطنى يستند إلى وعى متجدد بطبيعة المعركة، وإدراك عميق بأن بقاء الوطن مرهون بقوة السلاح وبقوة الوعي، فالدفاع عن الدولة يكون بالمواجهة وبالكلمة الصادقة، والمعلومة الدقيقة، والقراءة الواعية، والنقاش المسؤول، فحماية الوطن تبدأ بتحصين العقول، لمواجهة التحديات برؤية إصلاحية واعية تحفظ الكيان، وتصون الاستقرار، وتبنى مستقبلًا يليق بكرامة الوطن ووعيه.
ويقدم النموذج المصرى درسًا بالغ الأهمية فى هذا السياق؛ فقد واجهت الدولة المصرية، خلال العقد الماضى ومازالت، موجات متلاحقة من الشائعات الممنهجة، والحروب النفسية والإعلامية التى سعت إلى تزييف الوعي، وتقويض الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتشويه ما تحقق من منجزات وطنية، ورغم ذلك، تمكنت القيادة السياسية بدعم واعٍ من مؤسسات الدولة، واصطفاف شريحة واسعة من الشعب المصري، من عبور تلك التحديات بثبات ويظل استمرار هذا الصمود والاصطفاف رهينًا باستدامة التحصين المعرفى وتجذير ثقافة المقاومة الواعية وترسيخ مناخ من الثقة المتبادلة، قائم على المصارحة والمكاشفة والإنجاز الحقيقى الملموس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.