أتذكر ذلك اليوم جيداً.. ذلك الليل.. ذلك اليوم الكئيب (كنت أراه كذلك).. ها قد دخلنا على الشتاء والجو المغيم.. ها هى الرياح العاتية المختلطة بالصقيع.. ها هم الأشخاص يخلعون قناع الصيف المشرق.. يخرجون من الأدراج قناعا آخر..! للشتاء أيضا قناع.. مصنوع بمتانة ومغطى.. حفاظا على تجاعيد الوجه.. وربما المكانة الزائفة.. لكل الفصول قناع.. وأحيانا لكل موقف قناع! نخلع هذا ونطبع ذاك.. الأمر أشبه بالمسرحية الكوميدية تتغير فصولها باستمرار.. لكن التشبيه يبدو خاطئا، فالمتفرجون هنا مشاركون، وربما أبطال الحدث! المسرحية أشبه بالكوميديا لكنها السوداء.. حتما!.. تلك الأقنعة لا يرتديها الفقراء.. هناك سر خفى.. بحثت عنه مطولا.. لم أجده! الفشل عدوى الأول.. سأبحث مجددا! لن أيئس.. أستغرق أياما أركز فى تحركاتهم.. فى كلامهم.. فى تموائتهم لم أجد شيئاً.. الأفكار تتجمع.. تتشابك.. تتعقد.. تمر الأيام وأنا أبحث. يبدو أن البحث بتأفف لن يجدى، الرسائل الربانية تتوالى.. أجدها أشبه بالألغاز.. تبدو طلاسم مجففة.. لكن أين السر!.. قررت التقرب من الله أكثر.. يبدو أنه يعرفنى أكثر من أى أحد.. يعرف ماذا أريد.. أريد السر! تهطل الأفكار من السماء.. الأمر أشبه بالبركان عندما يقذف.. سأجرب ليومين حياتهم.. كلامهم.. طريقتهم، والأهم تقشفهم.. جوعهم.. خوفهم من المستقبل.. قلقهم.. رأيت عن كثب كل شىء أو البعض ربما! هلعت من زهدهم.. فوجعت من ابتسامتهم المشرقة.. لا يحتاجون الأقراص المهدئة ولا الحمام المسائى الدافى.. ولا اللحوم المكتظة فى البطون... يعيشون فى عالمهم الخاص يبدو قبيحا من الخارج.. فى عيوننا بالتأكيد! نراهم فاشلين.. خطر وعالة على مجتمع العفة والفضيلة المثالى! هم يروننا كذلك فى عالمنا الوردى!.. يرونه قبيحا مغلف بالحقد والشر.. لا يكتفون بما قسمه الله لهم يريدون المزيد.. والمزيد!.. يدهس الآخ شقيقه.. يجعله شراعا.. يقتله! ليعبر.. ليصل إلى جنة المال والطعام! يتلاقى العالمان معا يوميا، يندمجان فى عيونهم.. يتبادلان النظرات.. ربما الاتهامات! يعود الفقراء لليلهم الحزين يتسامرون حتى الصباح تجد الأقنعة محاطة بهم.. متراصة حولهم.. كأشخاص تناديهم لوضعها.. يرفضون هذا وذاك.. فى عالمهم الخاص لا أقنعة يتبادلون النظرات لتعبر عن كل شىء.. لا يحتاجون لكذب البشر ولا نفاقهم.. لا يريدون ذلك القصر العاجى العريض ولا البدلة المخملية المطرزة.. السر يكمن فى بساطتهم وزهدهم.. فى ابتسامتهم رغم شدائدهم.. فى راحة يديهم رغم تجاعيدها.. ابحث عن السر فى ومضات حياتهم.. فى بساطة ملامحهم.. وبعد ذلك انظر إلى عيونهم، لتجد أن السر حتما فى عيونهم.