عندما قامت ثورة يناير شعرت أن جنبات قلبى فى صراع مع بعضها، وشعرت أن قلبى انقسم لنصفين يجافى كل منهما الآخر ويرفضه، وظللت لفترة طويلة لا أدرى كيف اجمع شتات قلبى. فلطالما حلمت وتمنيت أن يتحقق الإصلاح وقد كنت سعيدة جدًا بفكرة التغيير وتجديد دماء النظام الحاكم، لكنى كنت أحلم به أن يكون بشكل انتقال سلمى للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، ليسلم رئيس رئيسا يليه بشكل يحفظ كرامة ومكانة مصر. كان جزء من قلبى يرقص فرحًا أن هناك أناس يقفون فى ميادين مصر يهتفون سلمية، وكأننى قد وجدت كنزًا ومفتاحًا لتلك المعضلات التى تؤرقنى وتحبط آمالى، وهى السلمية كشعار للاعتراض والرفض والتغيير دون قطرة دماء، وهو سلاح لم أتصور أن تكون له قوة فى يوم من الأيام، فى حين أن الجزء الآخر من قلبى يبكى كمدا لسقوط عشرات بل مئات الأبرياء من الشعب والشرطة، وحرق وتخريب منشآت الدولة. كان جزءًا من قلبى سعيدًا بإعلان رئيس الجمهورية آنذاك قبوله لمطالب الشعب ونزوله على مطالب الجماهير بالتنحى، وكان الجزء الآخر يرتعد خوفًا من دخول مصر فى نفق الفوضى المظلم أو سقوطها فى بئر الصراعات السياسية والحزبية. كان جزءًا من قلبى يطرب لحماس وهتافات الشباب الفتى الملئ بالعزم والإصرار والجسارة التى بإمكانها أن تعيد بناء مصر من جديد والجزء الآخر مضطرب مذعور من شحنات الغضب وجرعات الحماس الزائد، التى قد تهوى بمستقبل بلدنا نحو الحضيض. كان جزء من قلبى يتباهى بانتصار الشعب السلمى، الذى ضرب أروع الأمثلة فى الفداء والرقى والتحضر أمام أنظار العالم بأسره ليعيد التذكير للجميع بهمة الشعب المصرى وأصالته ويضرب أعلى مثل فى الوعى والصمود والتماسك فى اللحظات الحرجة لحماية البيوت والممتلكات، من خلال اللجان الشعبية فى غيبة قوات الأمن التى انهارت فى أيام وانسحبت تمامًا من المشهد. والجزء الآخر من قلبى يطلب تفسيرًا منطقيًا لكم الهمجية والوحشية فى حرق وتخريب أقسام الشرطة والسجون ومنشآت الداخلية ومبان المحافظات ومقرات الحزب الوطنى، وقتل الجنود وتهريب المساجين الخطرين على الأمن العام. لقد كانت تلك الأحداث تتناقض مع شعار السلمية تمامًا، كما تتناقض مع العقل والمنطق ورقى أخلاق المصريين إلا أن الجميع كانوا يصرون على نفى تهمة الحرق والتخريب عن الثوار وينسبونها لبلطجية النظام، وفى الوقت ذاته يعتبرون كل من سقط أمام تلك المنشآت شهيدًا فى ازدواجية لم يستطع عقلى استيعابها حتى اللحظة الراهنة. كان جزء من قلبى سعيد بالخلاص من رموز الفساد فى الدولة الذين وفروا الغطاء للفساد داخل المؤسسات والجزء الآخر مذعور من كم الفوضى وتناقص الأمان فى الشارع وسط سطوة وسيطرة البلطجية على الأحياء، بشكل يهدد كل آمال وأحلام شعب طال انتظاره للانطلاق نحو مستقبل أفضل يستحقونه. كانت تتجاذب قلبى مشاعر متناقضة فجزء منه سعيد بتعبير الناس عن آرائها ووعيهم بحقوقهم السياسية واهتمامهم لهموم وطنهم وجزء قلق من عدم وضوح الرؤية للأولويات والأساسيات، التى يتحتم على الجميع البدء بها بعد تغيير نظام. جزء منبهر بإرادة الشعب ورغبته فى التغيير وتطوير الحياة السياسية، وجزء آخر مصدوم فى قسوة الجموع الثائرة واتجاه الثورة المصرية نحو الانتقام والثأر والتشفى والغل المتصاعد فى النفوس والغضب الذى يعمى البصر ويسود كل جميل ويقتل كل أمل ويعرقل المسار الآمن للثورة. جزء من قلبى فخور بصحوة الشباب وطاقتهم الجبارة وانخراطهم فى السياسة ووعيهم المتزايد بمشاكل الدولة ورغبتهم فى الإصلاح والتغيير والجزء الآخر محبط بسبب التعالى فى لغة الخطاب بين أفراد الشعب والإقصاء وتوزيع صكوك الوطنية والثورية والاتهامات بالخيانة والعمالة، التى أصبحت تتطاير كالشرر هنا وهناك تقطع الروابط وتكسر الصلات بين أفراد المجتمع الواحد الذى أصبح أفراده شيئًا فشيئًا يشكون فى بعضهم البعض. جزء من قلبى سعيد بمناخ الحرية والمطالبة بالحقوق والزخم الثورى وجزء من قلبى ضاق ذرعًا بكثرة الاعتصامات والمظاهرات والمليونيات، التى تم تفريغها من مضمونها بزيادتها عن الكم المؤثر على صنع القرار، حيث أصبحت حدثًا عاديًا لا يمثل ضغطًا شعبيًا مثلما كانت فى 25يناير، بل أنها أصبحت مؤشرًا يضاف بالسالب وليس بالموجب بسبب تأثر الإنتاج وتعطل المصانع ومواقع العمل، وتسريح العمالة وزيادة البطالة فى المجالات التى تدر عائدًا اقتصاديًا كبيرًا للدولة. ووسط رياح الثورة والغضب، أصبح الكثيرون لا يثقون فى مؤسساتهم ولم يكن هناك ما يؤلم ويدمى القلب أكثر من يوم تخلى البعض عن التحامه بجيشه وأصبحت المؤسسة العسكرية هدفا لسهامهم، وأصبح الرباط القوى بين الجيش والشعب فى دائرة الخطر بما يهدد وجود مصر وأمنها. كان جزء من قلبى سعيد بأننا نجرى انتخابات وأننا نختار بمحض إرادتنا عن قناعة لا قهرا ولا زورا والجزء الآخر تعيس بكم هذا الاستقطاب والتخوين والإهانات المتبادلة والتشكيك بين كل من تتعارض مصالحهم، الذى انتقل بدوره للشارع ثم دخل جميع بيوت المصريين، ليصبح الأمر فتنة لا رأيا واجتهادا يحتمل الصواب والخطأ، وتحول الأمر للاختيار على أساس العصبيات والقبليات والوعود البراقة لا على البرامج الانتخابية العلمية وصدق الأقوال والأفعال بل على التهجم والتنقص من المنافس، كما لو كان عدو بانت منه عداوة ظاهرة وأصبحت روابط الأسر والعائلات والآداب وأصول الاختلاف بين الأشقاء تقاليد بالية من زمن ولى وخبر كان. كان قلبى يطرب لأننا لدينا رئيس منتخب بعد الثورة وحزينة، لأن الناس تقول إنه أول رئيس منتخب كما لو أننا نهدر كل تاريخ مصر قبل تاريخ تولى رئيس جديد بل وننفى عن كل الزعماء والقادة حب مصر، والذين اخلصوا واجتهدوا لخير مصر أصاب منهم من أصاب وأخطأ من أخطأ لكنهم جزء من تاريخنا وحضارتنا، ولهم الكثير من الانجازات. الثورة قسمت قلبى وأنا أرى حكومة فاشلة لا ترضى طموحاتى ووزراء أقل من تولى أى منصب ليست لديهم رؤى مستقبلية ويتصرفون كالهواة، ونظام يتجاهل أى مطالب للشعب. الثورة قسمت قلبى وأنا أرى رئيسًا يتحيز لفئة من شعبه دون الباقين ويهين مؤسسات الدولة قضاء وإعلام وأزهر، كما يسعى لكسر وإضعاف الشرطة والجيش. كان قلبى سعيدًا أن تبزغ أسماء الكثير من الأحزاب والشخصيات السياسية حتى نتجه لتحولات ديمقراطية حقيقية ويأسى لأنهم لا رؤية لديهم ولا عمل وطنى يسعون لعمله لأجل هذا الشعب المطحون ولأن مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة ومصالح فئاتهم ورغبتهم فى الظهور الإعلامى والشهرة كانت تعطل كل حركة للأمام، وكل عمل جاد ينقذ هذا الوطن. وعندما قتل جنودنا فى رفح أظلمت الدنيا وشعرت أن الوطن بدأ يسقط ومع كل خطوة نحو هدم مؤسسات الدولة من قبل رئيس راهن الكثيرون عليه كنت أشعر أن مستقبل الوطن يتسرب من بين أيدينا فالإخوان عبر تاريخهم إذا وصلوا لموقع أو سلطة لم يتخلوا عنها وعادة ما يصعدون على سلم الحرية والديمقراطية ثم يكسرون السلم حتى لا يصعد غيرهم عليه. كانت كل الخطوات التصعيدية نحو القضاء والشرطة والإعلام والأقباط تكسر فى أساس البناء وتقوض الكتلة الصلبة للدولة، وأصبح الناس من انقسام لانقسام وأصبح الضوء المبهر يخفت يومًا بعد يوم والأمل يخبو يومًا بعد الآخر. شعرت أننا نسير للخلف لا للأمام وكل أحلامنا بالتغيير والتقدم واللحاق بركب الحضارة تتضاءل مع إصرار رئيس منتخب على إهانة مؤسسات الدولة وكسر هيبتها وتقييد استقلاليتها. كان التحيز الفج لجماعته يخنق حماسنا وأملنا فى أى إصلاح ليتلاشى صبرنا أمام كل المهازل، التى رأيناها على مدار شهور حكم فيها هذا الرئيس الذى قدم وعودا براقة لمؤيديه ثم بدأت جماعته تحاول أن تسيطر على مفاصل الدولة. يوما بعد الآخر أصبحت حالة من اليأس والحزن تسيطر على وجوه المصريين فى كل مكان. لم يعد بإمكاننا كشعب الصبر أمام من يقبل ببيع أجزاء من البلد وأمام من جعلوا المصريين غرباء عاجزون داخل وطنهم بينما جميع الجنسيات الأخرى ماداموا ينتمون لتنظيم الإخوان هم أصحاب أولوية، وحق فى ثروات وأرض المصريين. جاءت لحظة حاسمة لم نعد نستطيع أن نتجاهل كل ذلك السواد الحالك الذى يطبق على وطننا وقتما بدأنا نرى أرض مصر التى رواها أجدادنا بدمائهم لا تساوى عند رئيس يحكمنا سوى حفنات من التراب يقبل أن يتنازل عنها. حان الوقت الذى انتفض فيه البركان المصرى والتئم شتات قلوب المصريين وشتات قلبى وأصبح للجميع هدفا واحدا هو الخلاص من ذاك الكابوس الجاثم على صدورنا وذلك التنظيم الذى يمتص خيرات بلادنا ويوجهها لمصالح الجماعة وليس الوطن ويتحالف مع أعدائنا مقابل بقائه فى السلطة رغما عنا وعن كل طموحاتنا وهو يرعى الإرهابيين والمتطرفين ليهددنا كشعب بهم مقابل بقائه فى السلطة. جاء 30 يونيو ليلتئم شتات قلبى ويستعيد توافق جنباته وأنا أرى الشعب وقد أفاق من كبوته واستعاد ثقته بمؤسسات دولته، وأصبحت من جديد أرى التحام الشعب بجيشه وثقته بالشرطة والقضاء والإعلام يعبر عن توافق كل قوى الشعب وجميعهم هدفهم واحد هو الخلاص من نظام قسم الشعب وروعه. الآن عندما تمر أمام ذاكرتى لحظات الانكسار التى تصورت أننا اقتربنا أن يضيع منا كل شىء ثم ساعات وحشود 30 يونيو أشعر بالفخر والقوة وأوقن أن هذا الشعب عندما ينتفض لا يمكن أن يقف أمامه أحد. ان من يتذكر يوم الثلاثين من يونيو لا يتسرب اليأس أو الخوف على هذا البلد إلى قلبه أبدا. فهو يوم العزة والكرامة الذى استعاد فيه المصريون القدرة على الحلم بغد أفضل لوطنهم وتلاحمت فيه جميع أحلام ومطالب شعب ورفض الجميع الذل والهوان. هو يوم بدأنا فيه بإرادة وثقة صفحة جديدة فى تاريخ الوطن ونتمنى أن نمضى متوحدين للأفضل مهما كانت الصعوبات والتحديات.