"الداخل مفقود والخارج مولود".. جملة استوقفتنى عندما سمعتها أو بمعنى أصح عندما قيلت لى من إحدى الممرضات التى تعمل فى إحد المستشفيات الحكومية. وقفت عند تلك الجملة وقفة المندهش المصدوم المذهول.. لم أستطع أن أصف شعورى وقتها.. لكننى بعد أن استطعت أن أجمع شتات فكرى بعد سماعى لهذه المقولة أيقنت تمامًا أنها أنسب ما يمكن أن يقال عن مستشفى حكومى تفتقر إلى تقديم أدنى الخدمات الطبية. لم أنطق بعدها ولكنى أخذت أردد فى نفسى "وشهد شاهد من أهلها". للأسف الشديد تعيش معظم مستشفياتنا أوضاعًا مأساوية صعبة.. ناهيك عن مدى الإهمال وعدم النظافة التى جعلتها مركز جذب للأوبئة والأمراض بدلاً من أن تكون شفاء منها. بالإضافة إلى كم الإهمال والتسيب المميت الذى يسيطر على أرجاء تلك المستشفيات.. فضلاً عن الهرج والمرج الذى رأيته بأم عينى بين الأطباء وطاقم التمريض.. هذا ما جعلنى أحدث نفسى للمرة الثانية قائلة: "ناس هايصة وناس لايصة". أحوال المستشفيات والمراكز والوحدات الصحية فى مصر لا تسر عدو ولا حبيب.. فالإهمال وانعدام الضمير لم يتركا شيئًا إلا وطالاه.. فضلاً عن اللامبالاة والاستهتار بأرواح البشر الذى أصبح واقعًا يعبر عن مأساة ضحيتها أولاً وأخيرًا المواطن الفقير الذى أرغمته الظروف القاسية على اللجوء إلى تلك المستشفيات.. حقًا.. داخلها مفقود وخارجها مولود.. هذا هو حال مستشفياتنا الحكومية التى يجمعها قاسم مشترك يتمثل فى سوء الخدمة والإهمال الجسيم الذى يصل إلى حد الموت. وهذا أيضًا ما جعلنى أحدث نفسى للمرة الثالثة قائلة: "ياريتنى وزير الصحة أو مسئول كبير فى البلد!" شرد ذهنى لمدة دقيقتين تقريبًا تخيلت فيهما أننى وزير الصحة.. غرقت فى خيالى إلى أن دمعت عيناى وأدركت وقتها أننى غرقت فى دموع الحسرة على ما نحن فيه. بكل أسف أصبحت مستشفياتنا عاجزة عن تقديم خدمة طبية حقيقية.. يكفى شكلها العام الذى يثير الكآبة والاشمئزاز والذى يجعلها تبدو وكأنها غير صالحة للاستخدام الآدمى.. وهى كذلك.. حقًا صدق من قال عنها أنها مقابر الفقراء..! ما نطمح إليه هو الوصول إلى تقديم خدمة صحية متكاملة توفر البيئة والمناخ المناسب للمريض الذى لا يبحث إلا عن دواء رخيص للشفاء.. ولم يجده.. نظرًا لعدم وجود الطبيب المختص ونقص الإمكانات.. ناهيك عن الأخطاء الطبية التى تقذف بالمريض ليقع فريسة بين أنياب المرض ولعنة الفقر.. كم تمنيت ألا أمرض.. ليس خوفًا من المرض.. فمن منا لا يمرض؟.. ولكن حتى لا أكون زائرة لتلك المستشفيات فيزداد مرضى.. حقًا.. ليتنى مسئولة فى بلدى.!