تمر الأيام والساعات وها نحن نتجرع جميعًا مرارة الفرقة والشتات ويخبو الأمل رويداً رويدًا ولا يبقى منه إلا سراب خادع فى ظل تزايد درجات الاحتقان ودعاوى التكفير لتنطلق إلى مسامعنا من هنا وهناك فتصيبنا بالكآبة والبلاهة والهم والشقاء. لقد انكشف الغطاء عنا حينما غرر بنا الشيطان بأن جزمنا أن الجنة هى دار لنا بينما من يختلف معنا ويخالفنا الرأى فهو فى الدرك الأسفل من النار وكأننا أمنا مكر الله ونسينا نهج صحابة وأتباع نبينا الكريم حينما قال عمر بن الخطاب -وهو المبشر بالجنة وقصورها وحورها- "لئن نادى مناد أن كل الناس يدخلون الجنة إلا واحداً لحسبت أن أكون هذا الواحد".. وكذا أبو بكر الصديق المبشر أيضاً بالجنة حينما قال: "لا آمن مكر الله ولو كانت أحدى قدماى فى الجنة".. لقد نسينا سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غمرة نشوتنا واغترارنا بحالنا وتعظيمنا لأنفسنا بأننا حملة المشاعل -ونحن أبعد ما يكون- وبتحقيرنا للآخر ونحن لا نعلم أن آثامنا تزيد جبالاً وتلالاً وأعمالنا الصالحة يتلفها الغرور المهلك ويزيد من إفسادها حينما ندعم قتل الأخر بدعاوى وحجج الاختلاف فى الرأى مع أنه يحمل نفس العقيدة بل وقد يزيد إيمانًا وقربًا إلى الله عنا لنرقص طربًا لمقتله لنشارك القاتل فى جرمه ونحمل خطايا تنوء بحملها الجبال مع أن رسولنا ومعلمنا أعطانا القدوة فى كيفية التعامل ليس فقط مع من يخالفنا الرأى بل أيضًا مع من يختلف معنا فى العقيدة ولعل قصته صلى الله عليه وسلم مع اليهودى الذى كان يلقى عند باب بيته القاذورات لهو خير دليل على أننا لم نتعلم الدروس النبوية التى هى بمثابة كنوز ولألئ. لقد كان معلمنا وأسوتنا الحسنة يتطوع بأبعاد تلك القاذورات عن بيته رغم سابق علمه بالمتسبب فيها ورغم قدرته على الفتك به إلا أنه لم يفعل حتى أنه حينما لم يجد يومًا تلك القاذورات ملقاة كما اعتاد على ذلك لم يشغله إلا أن يسأل عن ذلك اليهودى فعلم أنه مريض فما كان منه إلا أن ذهب لعيادته فما كان من اليهودى إلا أن بكى نادمًا وأعلن إسلامه لجميل الخلق ولعظيم الفعل الذى رآه واقعاً حيًا أمامه فى مقابل وقاحة فعله. فلو كنا حريصين على أن نتعامل وفق هذا المنهج القويم ما كان هذا حالنا ونحن أبناء عقيدة واحدة ووطن واحد.. بل ولربما يتراجع الآخر عن عناده حينما يرى بأم عينه السلوك الحضارى والحكمة فى تعاملنا مع دناءة فعله ليظل السؤال يتردد بقوة لماذا أصبحت ذاكرتنا ضعيفة لننسى ما تعلمناه بالأمس القريب؟.. ولماذا لا نعمل بما نقول ونحث الناس على الفضيلة ونحن بمنأى عنها؟.. ثم نبرر خروجنا عن الفضائل والأخلاق بأن الآخر خرج وانحرف عنها وننسى أو نتناسى أننا قد اخترنا لأنفسنا مكانًا مثاليًا لا يصح معه أن نخرج عن حدوده لكننا بكل أسف لم نبرع فى إثبات جدارتنا به لأننا سعينا للرد على من نراهم جهلاء وغوغائيين بالردح والسباب والتشفى فأصبحنا أكثر جهلاً وغوغائية منهم لنشوه بذلك صورتنا المثالية التى أردنا أن يرانا الآخرون من خلالها -لكننا لم نفلح- ليس هذا فحسب بل شوهنا المثالية نفسها التى كنا نسعى لتحقيقها فى أنفسنا فإذا بنا نصاب بحالة من التناقض والفصام بين ما كنا نريده وبين واقعنا المؤلم المستحق للشفقة لنكتشف فى وسط الطريق أننا تحللنا من مثاليتنا وقيمنا ولم نعد نحن كما بدأنا فى أول الطريق. ومن فرط اغترارنا وكبريائنا -واستمرارا لنهجنا الاستعلائي- فأننا نسوق الحجج والمبررات التى نعيد بها الراحة لضمائرنا التى أماتها الزيف والخداع الذى نعيشه لنلقى باللائمة على من أوصلونا إلى تلك الدرجة التى خلعوا بها عنا ردائنا لتنكشف عوراتنا التى لم تصمد ورقة التوت فى سترها أمام سفه أحلامنا وإصرارنا على تناقضنا وكبرنا الذى لم يتح لنا أن نرى أو نعقل إلا مدى ضيق يفسر ضيق أفقنا وسذاجتنا المتناهية. ولو أننا استمسكنا بمثاليتنا الحقيقية وظللنا على إيماننا الراسخ وعقيدتنا التى لا تتزلزل لكانت عناية الله رافقتنا وذللت لنا كل الصعاب ولتحقق لنا المراد دون أن نفقد شيئًا من إيماننا وصبرنا وحبنا للآخر -مهما كان حجم الخلاف معه- ودون أن نحمل أنفسنا أوزاراً وخطايا لا طاقة لنا بحملها. إن أدنى جرم نرتكبه فى ظل ابتعادنا عن الأسلوب الصحيح فى التعامل مع الآخر هو أننا نقتل الأمل دون أن ندرى!!.. وقتل الأمل جريمة لا يحاسب عليها القانون ولكن يحاسب عليها من لا يغفل ولا ينام.. فما الفائدة من العيش بلا أمل إلا أن نصبح مجرد جسد وبدن يأكل ويشرب ولكنه لا يحلم لأننا بتبجحنا وصلفنا اغتلنا حلم الآخر أو قل قتلناه حياً -وكفى به إثما عظيمًا- لأننا نسينا -استمرارًا لمسلسل النسيان والهذيان الذى لا ينتهي- فى غمرة اندفاعنا للدفاع عن مصالحنا بأن حجم المفاسد المتحققة أكبر من حجم المصالح التى سعينا لتحقيقها فى ظل رؤيتنا القاصرة المحدودة لتزداد حدة الخلاف والشقاق وينحسر الأمل وتتسع دائرة اليأس لدى من يشاهدون المشهد من بعيد ليصيبهم الموت البطيء لفقدان الأمل الذى اغتيل بفعل شقاقنا الزائف وعراكنا المهترئ.. لكن رغم ذلك -ورغم ما يبديه البعض من موقف عدائى للأخر ومهما أصابنا الشطط- مازلنا نحمل داخلنا أملاً فى أن نعيد بوصلة التفكير إلى اتجاهها الصحيح حتى نرى ما عجزت أعيننا عن رؤيته ونفكر بعقولنا عن أشياء تاهت منا فى زحمة الحياة ونبحث بقلوبنا عن الرحمة والحب الذى لا معنى للحياة بدونهما لنعلو فوق الصغائر ترفعًا وامتثالاً لأخلاقنا وقيمنا الحقيقية بما يمنعنا من الانحدار والانجرار لاستفزازات الآخر بشكل يفقدنا ويخرجنا عن الحدود التى لا يجب ولا يليق أن نخرج عنها وإلا نكون ما تعلمنا من رسول الأنام كيف نتعايش ونحيا معًا ونحن ندعى حبنا له وتأسينا به وهو صلى الله عليه وسلم عاصر ألد أعداء الله ولكنه انتصر بأخلاقه وتسامحه وصبره ولم يفت فى عضده استفزاز السفهاء من عامة الناس بل قابلهم بكريم الخلق الذى لا يدل إلا على سلامة القلب وكريم الأصل وطيب المنشأ ورغم ادعائنا –قولاً- بامتثال أخلاقه صلى الله عليه وسلم إلا أن أفعالنا اللئيمة تدحض ذلك استمرارًا فى الضحك على أنفسنا فى ظل سعينا الحثيث لتخوين وتكفير من يخالفنا الرأى لنخرجه من الملة وندعو عليه بالويل والثبور فى مشهد مفزع وكأن شياطين الإنس والجن قد اجتمعت وتحالفت جميعها ضدنا لتقطع أوصالنا وتمزقها ونحن ماضون فى تنفيذ خطتهم الجهنمية ليس إلا لبعدنا الشديد عن دين الله الحنيف ومنهج النبى صلى الله عليه وسلم وظنا منا -كذباً وافتراءً- أننا أفضل عباد الله لتأخذنا العزة بالإثم لنعلن أن مصيرنا الجنة ومآل هؤلاء النار لنهدم أواصر المجتمع ونفكك أركان الدولة ونحقق بأيدينا ما يريده الأعداء لنا متناسين أقوى سلاح -وهو الدعاء-وليس الاقتتال والعراك والمواجهة الدموية.. سلاحنا الحقيقى هو العودة لأخلاق المصطفى والرجوع لديننا الحنيف بالدعاء المخلص لرب العباد من كل من يحب الخير لهذا الوطن وشعبه الكريم والتوسل لله عز وجل بأن يوحد صفوفنا وينصرنا على الشياطين -أنسهم وجنهم- لينتصر الحق المبين -وقطعًا سينتصر- لأن استعانتنا لم تكن إلا بالله ولله ولأجل هذا الوطن الذى لن يحيا أبدًا إلا إذا عاش الأمل فينا ومعنا وتوقفنا عن اغتياله لانه هو الحياة التى لا معنى ولا قيمة لها إلا بهذا الأمل.