كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، كواليس الاجتماع الأخطر الذي قدم فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عرضه لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرب على إيران، وكيف أقنع سيد البيت الأبيض بالمشاركة فى عملية "الغضب الملحمي". كواليس اجتماع الحرب على إيران داخل البيت الأبيض في سلسلة من الاجتماعات داخل غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وازن الرئيس ترامب بين حدسه الشخصي وبين المخاوف العميقة لنائبه وتقييم استخباراتي متشائم بشأن الحرب على إيران.. وهذه هي القصة الكاملة من الداخل عن الكيفية التي اتخذ بها قراره المصيري. وصلت السيارة السوداء التي كانت تقل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض قبل الساعة 11 صباحًا بقليل يوم 11 فبراير، وكان نتنياهو، الذي ظل لشهور يضغط من أجل موافقة أمريكا على شن هجوم واسع على إيران، قد أُدخل سريعًا إلى الداخل من دون مراسم تُذكر، وبعيدًا عن أنظار الصحفيين، استعدادًا لما سيكون إحدى أكثر اللحظات حساسية وخطورة في مسيرته الطويلة.
اجتمع المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون أولًا في غرفة مجلس الوزراء، المجاورة للمكتب البيضاوي، ثم توجّه نتنياهو إلى الطابق السفلي من أجل الحدث الرئيسي: عرض شديد السرية عن إيران أمام الرئيس ترامب وفريقه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وهي غرفة نادرًا ما كانت تُستخدم لاجتماعات حضورية مع قادة أجانب. جلس ترامب، لكن ليس في موقعه المعتاد على رأس الطاولة المصنوعة من خشب الماهوغاني في قاعة الاجتماعات بدلًا من ذلك، أخذ مقعدًا على أحد الجانبين، في مواجهة الشاشات الكبيرة المثبّتة على الجدار، وجلس نتنياهو على الجانب المقابل، مباشرة في مواجهة الرئيس.
حضور رئيس الموساد اجتماع نتنياهو مع إدارة ترامب وكان يظهر على الشاشة خلف نتنياهو رئيس الوزراء دافيد برنيع، رئيس الموساد، جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، إلى جانب مسؤولين عسكريين إسرائيليين، واصطفّ هؤلاء خلف نتنياهو، بما صنع صورة لقائد في زمن الحرب محاط بفريقه. جلست سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، في أقصى طرف الطاولة. وأخذ وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي كان يشغل أيضًا منصب مستشار الأمن القومي، مقعده المعتاد. وكان وزير الدفاع بيت هيجسيث والجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللذان كانا يجلسان عادةً معًا في مثل هذه الأجواء، على أحد الجانبين؛ وانضم إليهما جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية. كما اكتمل الفريق الأساسي بجاريد كوشنر، صهر الرئيس، وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترمب، الذي كان يتفاوض مع الإيرانيين. كان التجمع محدودًا عمدًا للحيلولة دون التسريبات، إذ لم يكن لدى وزراء بارزين آخرين أي علم بانعقاده، كما كان نائب الرئيس غائبًا أيضًا. فقد كان جيه دي فانس في أذربيجان، وكان الاجتماع قد رتّب في وقت قصير جدًا حال دون تمكنه من العودة في الوقت المناسب.
نتنياهو وضع أمريكا وإسرائيل على طريق صراع مسلح أما العرض الذي كان نتنياهو سيقدمه خلال الساعة التالية، فكان محوريًا في وضع الولاياتالمتحدة وإسرائيل على طريق صراع مسلح كبير في واحدة من أكثر مناطق العالم تقلبًا. كما أدى إلى سلسلة من النقاشات داخل البيت الأبيض خلال الأيام والأسابيع التالية، وهي تفاصيل لم يُكشف عنها من قبل، وازن خلالها ترمب خياراته ومخاطره قبل أن يعطي الضوء الأخضر للانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران. نتنياهو وترامب، فيتو هذا السرد لكيفية إدخال ترمب الولاياتالمتحدة في الحرب مستمد من تقارير أُعدت لكتاب مرتقب بعنوان: «تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب». وهو يكشف كيف أبرزت المداولات داخل الإدارة غرائز الرئيس، والانقسامات داخل دائرته الضيقة، والطريقة التي يدير بها البيت الأبيض. ويستند إلى مقابلات موسعة أُجريت بشرط عدم الكشف عن الهوية لسرد نقاشات داخلية وقضايا حساسة. وتؤكد هذه التقارير إلى أي مدى كان التفكير المتشدد لدى ترامب متماهيًا مع تفكير نتنياهو على مدى أشهر كثيرة، أكثر حتى مما أدركه بعض كبار مستشاري الرئيس. وكانت صلتهما الوثيقة سمة دائمة عبر إدارتين، وهذه الديناميكية — مهما شابها من توتر أحيانًا، غذّت انتقادات وشكوكًا حادة لدى اليسار واليمين في السياسة الأمريكية على السواء. كما تُظهر أنه، في نهاية المطاف، حتى الأعضاء الأكثر تشككًا في مجلس الحرب الخاص بترامب باستثناء صارخ وهو نائبه فانس، الشخصية داخل البيت الأبيض الأكثر معارضة لحرب شاملة انصاعوا لحدس الرئيس، بما في ذلك ثقته الكبيرة بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة. وقد رفض البيت الأبيض التعليق.
غرفة العمليات يوم 11 فبراير في غرفة العمليات يوم 11 فبراير، قدّم نتنياهو طرحًا حاسمًا، مشيرًا إلى أن إيران باتت مهيأة لتغيير النظام، ومعبّرًا عن اعتقاده بأن مهمة أمريكية إسرائيلية مشتركة قد تضع أخيرًا نهاية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي مرحلة ما، عرض الإسرائيليون على ترمب مقطع فيديو قصيرًا تضمّن مونتاجًا لقادة محتملين جدد يمكن أن يتولوا حكم البلاد إذا سقطت الحكومة المتشددة، ومن بين من ظهروا في الفيديو رضا بهلوي، الابن المنفي لآخر شاه في إيران، وهو معارض يقيم في واشنطن وكان قد حاول تقديم نفسه بوصفه قائدًا علمانيًا قادرًا على مرافقة إيران نحو مرحلة ما بعد الحكم الديني. المرشد الإيراني، فيتو وعرض نتنياهو وفريقه ظروفًا قالوا: إنها تشير إلى نصر شبه مؤكد: إذ يمكن تدمير برنامج إيران للصواريخ الباليستية في غضون أسابيع قليلة. وسيصبح النظام ضعيفًا إلى حد لن يتمكن معه من خنق مضيق هرمز، كما قُدّرت احتمالات توجيه إيران ضربات إلى المصالح الأميركية في الدول المجاورة بأنها ضئيلة جدًّا. وفضلًا عن ذلك، أشارت معلومات الموساد الاستخباراتية إلى أن الاحتجاجات في شوارع إيران ستندلع مجددًا، وأن حملة قصف مكثفة يمكن أن تخلق، بدفع من جهاز التجسس الإسرائيلي الذي سيساعد على تأجيج أعمال الشغب والتمرد، الظروف المناسبة لكي تطيح المعارضة الإيرانية بالنظام. كما طرح الإسرائيليون احتمال عبور مقاتلين أكراد إيرانيين من العراق لفتح جبهة برية في الشمال الغربي، ما سيؤدي إلى تشتيت قوات النظام أكثر وتسريع انهياره. وقدم نتنياهو عرضه بنبرة واثقة رتيبة. وبدا أن ذلك قد لاقى قبولًا جيدًا لدى أهم شخص في الغرفة، أي الرئيس الأمريكي. وقال ترامب لرئيس الوزراء: هذا يبدو جيدًا بالنسبة لي. وبالنسبة إلى نتنياهو، فقد عُدّ ذلك إشارة إلى ضوء أخضر محتمل لعملية أمريكية إسرائيلية مشتركة. ولم يكن نتنياهو وحده من خرج من الاجتماع بانطباع مفاده، أن ترامب كان قد حسم أمره تقريبًا، فقد كان مستشارو الرئيس يرون أنه انبهر بعمق بما وعدت به القدرات العسكرية والاستخباراتية التي تمتلكها حكومة نتنياهو، تمامًا كما حدث عندما تحدث الرجلان قبل حرب الأيام الاثني عشر مع إيران في يونيو.
نتنياهو قد حاول تركيز أذهان الأمريكيين على التهديد الوجودي وفي وقت سابق من زيارته إلى البيت الأبيض يوم 11 فبراير، كان نتنياهو قد حاول تركيز أذهان الأمريكيين المجتمعين في غرفة مجلس الوزراء على التهديد الوجودي الذي يمثله المرشد الأعلى الإيراني البالغ من العمر 86 عامًا، آية الله علي خامنئي. وعندما سأل آخرون في الغرفة نتنياهو عن المخاطر المحتملة للعملية، أقرّ بهذه المخاطر، لكنه شدد على نقطة محورية: من وجهة نظره، فإن مخاطر التقاعس أكبر من مخاطر التحرك. وجادل بأن ثمن التحرك سيرتفع أكثر إذا تأخروا في الضرب وسمحوا لإيران بمزيد من الوقت لتسريع إنتاجها من الصواريخ وبناء درع حصانة حول برنامجها النووي. وكان كل من في الغرفة يدرك، أن إيران تملك القدرة على إعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة بكلفة أقل كثيرًا وبسرعة أكبر بكثير مما تستطيع الولاياتالمتحدة أن تبني وتوفّر به الاعتراضات الأكثر كلفة لحماية مصالحها وحلفائها في المنطقة. وخلقت عروض نتنياهو واستجابة ترامب الإيجابية لها، مهمة عاجلة أمام مجتمع الاستخبارات الأمريكى، فقد عمل المحللون طوال الليل لتقييم مدى قابلية ما قاله الفريق الإسرائيلي للرئيس للتنفيذ. جرى تقاسم نتائج التحليل الاستخباراتي الأمريكى في اليوم التالي، 12 فبراير، في اجتماع آخر اقتصر على المسؤولين الأمريكيين في غرفة العمليات، وقبل وصول ترامب، أطلع مسؤولان كبيران في الاستخبارات الدائرة الضيقة للرئيس. وكان هذان المسؤولان يتمتعان بخبرة عميقة في القدرات العسكرية الأمريكية، كما كانا يعرفان النظام الإيراني ولاعبيه من الداخل معرفة دقيقة. وقد قسَّما عرض نتنياهو إلى أربعة أجزاء. الأول: كان "قطع الرأس" أي قتل المرشد الأعلى. الثاني: شلّ قدرة إيران على إسقاط قوتها وتهديد جيرانها. الثالث" انتفاضة شعبية داخل إيران. الرابع: تغيير النظام، مع تنصيب قائد علماني لإدارة البلاد. وقيّم المسؤولون الأمريكيون، أن الهدفين الأول والثاني قابلان للتحقق باستخدام القوة الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية. أما الجزآن الثالث والرابع من طرح نتنياهو، اللذان تضمنا احتمال أن يشن الأكراد غزوًا بريًا لإيران، فقد قيّموهما على أنهما منفصلان عن الواقع. وعندما انضم ترامب إلى الاجتماع، قدّم له راتكليف الإحاطة حول التقييم. واستخدم مدير وكالة الاستخبارات المركزية كلمة واحدة لوصف سيناريوهات تغيير النظام التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي: "هزلية". وعند تلك النقطة، قاطعه وزير الخارجية مارك روبيو قائلًا: "بمعنى آخر، هذا هراء". وأضاف راتكليف، أنه نظرًا إلى عدم قابلية أي صراع للتنبؤ الكامل، فإن تغيير النظام قد يحدث، لكن لا ينبغي اعتباره هدفًا قابلًا للتحقيق. وتدخل عدد آخر من الحاضرين، من بينهم جي دي فانس، العائد لتوه من أذربيجان، والذي عبّر أيضًا عن تشككه الشديد في احتمال تحقق تغيير النظام. ثم التفت الرئيس إلى الجنرال كين وقال: "جنرال، ما رأيك؟" فأجابه الجنرال كين: "سيدي، هذا، بحسب خبرتي، إجراء تشغيلي معتاد لدى الإسرائيليين.. هم يبالغون في الوعود، وخططهم ليست دائمًا متطورة جيدًا. وهم يعرفون أنهم يحتاجون إلينا، ولهذا يبالغون في الترويج". وسرعان ما وازن ترامب هذا التقييم، وقال: إن تغيير النظام سيكون "مشكلتهم". نجل شاه إيران، فيتو ولم يكن واضحًا ما إذا كان يقصد الإسرائيليين أم الشعب الإيراني. لكن الخلاصة كانت أن قراره بشأن الذهاب إلى الحرب ضد إيران لن يتوقف على ما إذا كان الجزآن الثالث والرابع من عرض نتنياهو قابلين للتحقيق. وبدا أن ترامب ظلّ شديد الاهتمام بتحقيق الجزأين الأول والثاني: قتل المرشد الأعلى وكبار قادة إيران وتفكيك الجيش الإيراني. وكان الجنرال كين الذي كان ترمب يحب أن يشير إليه باسم «رازين كين» قد ترك انطباعًا قويًا لدى الرئيس قبل سنوات عندما قال له: إن تنظيم "داعش" يمكن هزيمته بسرعة أكبر بكثير مما توقعه آخرون. وكافأ ترامب هذه الثقة بترقية الجنرال، وهو طيار مقاتل سابق في سلاح الجو، ليصبح أبرز مستشاريه العسكريين. ولم يكن الجنرال كين مواليًا سياسيًا، وكانت لديه مخاوف جدية بشأن حرب مع إيران. لكنه كان شديد الحذر في الطريقة التي يطرح بها آراءه على الرئيس. وخلال الأيام التالية، بينما كانت هذه المجموعة الصغيرة من المستشارين المطلعين على الخطط تواصل مداولاتها، شارك الجنرال كين مع ترامب وآخرين تقييمًا عسكريًا مقلقًا مفاده أن حملة كبيرة ضد إيران ستستنزف إلى حدّ كبير مخزونات الأسلحة الأمريكية، بما في ذلك صواريخ الاعتراض، التي كانت إمداداتها قد تعرّضت أصلًا لضغط بعد سنوات من دعم أوكرانيا وإسرائيل. ولم يرَ الجنرال كين مسارًا واضحًا لإعادة ملء هذه المخزونات بسرعة.
الصعوبة الهائلة في تأمين مضيق هرمز كما نبّه إلى الصعوبة الهائلة في تأمين مضيق هرمز، وإلى مخاطر أن تعمد إيران إلى إغلاقه، لكن ترامب كان قد استبعد هذا الاحتمال انطلاقًا من افتراض مفاده أن النظام الإيراني سيستسلم قبل أن يصل إلى تلك المرحلة. وبدا أن الرئيس يتصور حربًا سريعة جدًا، وهو انطباع تعزّز بفعل الرد الإيراني الفاتر على القصف الأمريكى للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو. وقد جسّد دور الجنرال كين في الفترة التي سبقت الحرب توترًا كلاسيكيًا بين المشورة العسكرية وصنع القرار الرئاسي، فقد كان رئيس الأركان حريصًا إلى حدّ الإلحاح على ألّا يتخذ موقفًا مكررًا أن دوره ليس أن يقول للرئيس ما الذي يجب أن يفعله، بل أن يعرض الخيارات إلى جانب المخاطر المحتملة والنتائج الثانوية والثالثية الممكنة، إلى درجة أنه كان يبدو، لبعض من يستمعون إليه، وكأنه يجادل في جميع جوانب المسألة في آن واحد. مضيق هرمز، فيتو وكان يسأل باستمرار: "وماذا بعد؟" لكن ترامب كان يبدو في كثير من الأحيان وكأنه لا يسمع إلا ما يريد سماعه. وكان الجنرال كين مختلفًا في كل شيء تقريبًا عن رئيس أركان سابق هو الجنرال مارك ميلي، الذي كان قد دخل في سجالات حادة مع ترامب خلال ولايته الأولى، وكان يرى أن دوره يتمثل في منع الرئيس من اتخاذ خطوات خطرة أو متهورة. وأشار شخص مطلع على تفاعلاتهما، إلى أن ترامب كان يميل إلى الخلط بين النصيحة التكتيكية من الجنرال كين وبين المشورة الاستراتيجية. وفي الممارسة، كان ذلك يعني أن الجنرال قد يحذّر في لحظة من صعوبات جانب معين من العملية، ثم يذكر في اللحظة التالية أن الولاياتالمتحدة تمتلك عمليًا إمدادًا غير محدود من القنابل الرخيصة الموجهة بدقة، وأنها يمكن أن تضرب إيران لأسابيع بمجرد أن تحقق التفوق الجوي. وبالنسبة إلى رئيس الأركان، كان ذلك مجرد ملاحظتين منفصلتين. لكن ترامب بدا وكأنه يعتقد أن الملاحظة الثانية تلغي الأولى على الأرجح. وفي أي مرحلة من المداولات، لم يقل رئيس الأركان للرئيس بشكل مباشر إن الحرب مع إيران فكرة سيئة جدًا، رغم أن بعض زملاء الجنرال كين كانوا يعتقدون أن هذا هو بالضبط ما كان يفكر فيه.
مستشاري الرئيس ترامب لا يثقون في نتنياهو بقدر ما كان كثير من مستشاري الرئيس لا يثقون بنتنياهو، فإن رؤية رئيس الوزراء للموقف كانت أقرب بكثير إلى رأي ترامب من الصورة التي كان يحب أن يعترف بها دعاة عدم التدخل داخل فريق ترمب أو ضمن الحركة الأوسع ل«أميركا أولًا». وكان هذا صحيحًا منذ سنوات طويلة. ومن بين كل تحديات السياسة الخارجية التي واجهها ترامب عبر رئاستين، برزت إيران باعتبارها حالة مختلفة. فقد كان ينظر إليها على أنها خصم شديد الخطورة على نحو فريد، وكان مستعدًا لتحمل مخاطر كبيرة من أجل عرقلة قدرة النظام على خوض الحرب أو امتلاك سلاح نووي. وعلاوة على ذلك، فإن طرح نتنياهو تلاقى مع رغبة ترمب في تفكيك الثيوقراطية الإيرانية، التي استولت على السلطة في عام 1979، حين كان ترمب في الثانية والثلاثين من عمره. ومنذ ذلك الحين، شكّلت هذه الدولة مصدر إزعاج دائم للولايات المتحدة. والآن، بات بإمكانه أن يصبح أول رئيس منذ سيطرة القيادة الدينية قبل 47 عامًا ينجح في إحداث تغيير للنظام في إيران. وكان هناك دافع إضافي لا يُذكر عادة لكنه ظل حاضرًا في الخلفية دائمًا، وهو أن إيران كانت قد خططت لقتل ترامب انتقامًا لاغتيال الجنرال قاسم سليماني في يناير 2020، الذي كان يُنظر إليه في الولاياتالمتحدة باعتباره قوة دافعة وراء حملة إيرانية من الإرهاب الدولي. ومع عودته إلى المنصب لولاية ثانية، ازدادت ثقة ترامب في قدرات الجيش الأمريكى أكثر. وقد ازداد جرأة خصوصًا بعد الغارة الخاطفة المذهلة التي نفذتها قوات كوماندوز لاعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو من مجمعه يوم 3 يناير. ولم تُفقد أي أرواح أمريكية في العملية، ما مثّل، بالنسبة إلى الرئيس، دليلًا إضافيًا على التفوق الذي لا يُضاهى للقوات الأمريكية.
وزير الحرب هيجسيث أكبر مؤيد للحرب ضد إيران وداخل مجلس الوزراء، كان وزير الحرب هيجسيث أكبر مؤيد لحملة عسكرية ضد إيران. أما روبيو، فأبلغ زملاءه بأنه أكثر ترددًا بكثير. فهو لم يكن يعتقد أن الإيرانيين سيوافقون على اتفاق تفاوضي، لكن تفضيله كان الاستمرار في حملة الضغط الأقصى بدلًا من بدء حرب شاملة، ومع ذلك، لم يحاول روبيو ثني ترامب عن العملية، وبعد بدء الحرب قدّم مبررات الإدارة لها بقناعة كاملة. هيجسيث ، فيتو وكانت لدى وايلز مخاوف بشأن ما قد تنطوي عليه حرب جديدة في الخارج، لكنها لم تكن تميل إلى إبداء مواقف حادة في المسائل العسكرية في الاجتماعات الموسعة؛ بل كانت تشجّع المستشارين على عرض آرائهم ومخاوفهم على الرئيس في تلك الأجواء. وكانت وايلز تمارس نفوذها في كثير من القضايا الأخرى، لكن في الغرفة مع ترامب والجنرالات، كانت تكتفي بالمراقبة. وقال مقربون منها إنها لم تكن ترى أن من دورها أن تشارك مخاوفها مع الرئيس بشأن قرار عسكري أمام الآخرين. وكانت تعتقد أن خبرة مستشارين مثل الجنرال كين، وراتكليف، وروبيو، هي الأهم بالنسبة إلى الرئيس ليستمع إليها. ومع ذلك، كانت وايلز قد أبلغت زملاءها بأنها قلقة من أن تنجرّ الولاياتالمتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط. فالهجوم على إيران كان ينطوي على احتمال ارتفاع أسعار الوقود قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي، وهي انتخابات قد تساعد في تحديد ما إذا كانت السنتان الأخيرتان من الولاية الثانية لترامب ستكونان سنوات إنجازات أم سنوات استدعاءات قضائية من الديمقراطيين في مجلس النواب. لكن في النهاية، أيدت وايلز العملية. لم يكن في الدائرة الداخلية لترامب أحد أكثر قلقًا من احتمال الحرب مع إيران، أو بذل جهدًا أكبر لمحاولة وقفها، من نائب الرئيس. وكان فانس قد بنى مسيرته السياسية على معارضة النوع ذاته من المغامرات العسكرية الذي أصبح الآن مطروحًا بجدية. وقد وصف حربًا مع إيران بأنها إهدار هائل للموارد وباهظة الكلفة إلى حد كبير. مع ذلك، لم يكن من دعاة السلام المطلق في كل الملفات. ففي يناير، عندما حذّر ترامب علنًا إيران من قتل المتظاهرين ووعد بأن المساعدة في طريقها، كان فانس قد شجّع ترامب في السر على فرض خطه الأحمر. نائب الرئيس فضل ضربة محدودة عقابية لكن ما دفع إليه نائب الرئيس كان ضربة محدودة عقابية، أقرب إلى نموذج الهجوم الصاروخي الذي شنّه ترمب على سوريا عام 2017 بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين. وكان نائب الرئيس يرى أن حرب تغيير نظام في إيران ستكون كارثة، وكانت رغبته الأساسية هي ألا تُنفذ أي ضربات أصلًا. لكن مع إدراكه أن ترامب مرجّح أن يتدخل بشكل ما، حاول الدفع نحو تحرك أكثر محدودية. ثم لاحقًا، عندما بدا أن الرئيس عازم على حملة واسعة النطاق، جادل فانس بأنه إذا كان لا بد من ذلك، فينبغي أن يتم بقوة ساحقة، أملًا في تحقيق الأهداف بسرعة. وأمام زملائه، حذّر فانس ترامب من أن الحرب ضد إيران قد تتسبب في فوضى إقليمية وأعداد لا تُحصى من الضحايا. كما قد تفكك ائتلاف ترامب السياسي، وسيُنظر إليها بوصفها خيانة من جانب كثير من الناخبين الذين آمنوا بوعد عدم خوض حروب جديدة. وأثار فانس أيضًا مخاوف أخرى. فبحكم منصبه كنائب للرئيس، كان على علم بحجم مشكلة الذخائر الأمريكية، فالحرب ضد نظام يملك إرادة هائلة للبقاء قد تترك الولاياتالمتحدة في وضع أسوأ بكثير لخوض نزاعات خلال السنوات المقبلة. وقال نائب الرئيس لمقربين منه: إنه لا توجد كمية من الرؤية العسكرية يمكن أن تقدّر حقًا ما الذي ستفعله إيران ردًا عندما يكون بقاء النظام على المحك. فالحرب يمكن بسهولة أن تنحرف في اتجاهات غير متوقعة. وعلاوة على ذلك، كان يرى أن فرصة بناء إيران مسالمة بعد ذلك تبدو ضئيلة جدًا. وفوق كل ذلك كان هناك، ربما، أكبر خطر على الإطلاق: إذ كانت إيران تملك أفضلية عندما يتعلق الأمر بمضيق هرمز. وإذا اختُنق هذا الممر المائي الضيق الذي تنقل عبره كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي، فإن التداعيات الداخلية في الولاياتالمتحدة ستكون شديدة، بدءًا بارتفاع أسعار البنزين. تاكر كارلسون برز بوصفه متشككًا بارزًا آخر في التدخل العسكري وكان المعلّق تاكر كارلسون، الذي برز بوصفه متشككًا بارزًا آخر في التدخل العسكري داخل اليمين، قد جاء إلى المكتب البيضاوي عدة مرات خلال العام السابق لتحذير ترامب من أن الحرب مع إيران ستدمّر رئاسته. وقبل أسبوعين تقريبًا من بدء الحرب، حاول ترامب، الذي كان يعرف كارلسون منذ سنوات، طمأنته خلال مكالمة هاتفية. فقال الرئيس: "أعرف أنك قلق حيال ذلك، لكن الأمور ستكون على ما يرام". تاكر كارلسون، فيتو فسأله كارلسون كيف يعرف ذلك. فأجابه ترمب: "لأنها تكون كذلك دائمًا". وفي الأيام الأخيرة من فبراير، ناقش الأمريكيون والإسرائيليون معلومة استخباراتية جديدة كانت ستسرّع جدولهم الزمني بشكل كبير. فقد كان المرشد الأعلى سيلتقي فوق الأرض مع مسؤولين كبار آخرين في النظام، في وضح النهار وفي مكان مفتوح يمكن استهدافه جوًا. وكانت تلك فرصة عابرة لتوجيه ضربة إلى قلب القيادة الإيرانية، من النوع الذي قد لا يتكرر. ومنح ترامب إيران فرصة أخرى للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يسدّ طريقها نحو امتلاك سلاح نووي. كما أن المسار الدبلوماسي منح الولاياتالمتحدة وقتًا إضافيًا لنقل أصول عسكرية إلى الشرق الأوسط. وقال عدد من مستشاريه، إن الرئيس كان قد حسم أمره فعليًا قبل أسابيع. لكنه لم يكن قد قرر بعد التوقيت الدقيق. والآن، كان نتنياهو يحثه على التحرك بسرعة.
وفي الأسبوع نفسه، اتصل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف من جنيف بعد أحدث جولة محادثات مع مسؤولين إيرانيين. وعلى مدى ثلاث جولات تفاوض في عمان وسويسرا، اختبر الاثنان مدى استعداد طهران لإبرام اتفاق. وفي مرحلة ما، عرضا على الإيرانيين وقودًا نوويًا مجانيًا طوال عمر برنامجهم اختبارًا لمعرفة ما إذا كان إصرار طهران على التخصيب يتعلق حقًا بالطاقة المدنية، أم بالحفاظ على القدرة على صنع قنبلة. ورفض الإيرانيون العرض، واصفين إياه بأنه اعتداء على كرامتهم. ووضع كوشنر وويتكوف الصورة أمام الرئيس. وقالا إنه من المحتمل أن يتمكنا من التفاوض على شيء ما، لكن ذلك سيستغرق أشهرًا. وقال له كوشنر: إذا كان ترامب يسأل إن كانا يستطيعان النظر في عينيه وإخباره بأنهما قادران على حل المشكلة، فإن الوصول إلى ذلك سيتطلب الكثير، لأن الإيرانيين كانوا يماطلون ويلعبون بالأوراق.
اجتماع الخميس 26 فبراير في غرفة العمليات يوم الخميس 26 فبراير، نحو الساعة الخامسة مساءً، بدأ اجتماع أخير في غرفة العمليات. وبحلول ذلك الوقت، كانت مواقف الجميع في الغرفة قد أصبحت واضحة، فكل شيء كان قد نوقش في اجتماعات سابقة؛ وكان كل شخص يعرف موقف الآخر، واستمر النقاش نحو ساعة ونصف الساعة. وكان ترامب في مكانه المعتاد على رأس الطاولة. وعن يمينه جلس نائب الرئيس؛ وإلى جوار فانس كانت وايلز، ثم راتكليف، ثم مستشار البيت الأبيض القانوني ديفيد وارينجتون، ثم ستيفن تشيونج، مدير الاتصالات في البيت الأبيض. وفي الجهة المقابلة لتشيونج جلست كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض؛ وعن يمينها الجنرال كين، ثم هيجسيث، ثم روبيو. وكانت مجموعة التخطيط للحرب محدودة إلى حد أن المسؤولين الرئيسيين اللذين كان سيتعين عليهما إدارة أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية، وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الطاقة كريس رايت، قد استُبعدا، وكذلك تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية. وافتتح الرئيس الاجتماع بقوله: حسنًا، ماذا لدينا؟ ثم استعرض هيجسيث وكين تسلسل الهجمات. وبعد ذلك قال ترمب إنه يريد أن يمرّ على الطاولة ليستمع إلى آراء الجميع. وخاطب فانس، الذي كان خلافه مع أصل الفكرة معروفًا جيدًا، الرئيس قائلًا: أنت تعرف أنني أعتقد أن هذه فكرة سيئة، لكن إذا كنت تريد القيام بها، فسأدعمك. وقالت وايلز لترامب إنه إذا كان يشعر بأنه بحاجة إلى المضي قدمًا من أجل الأمن القومي الأمريكى، فعليه أن يفعل ذلك. أما راتكليف، فلم يبدِ رأيًا في ما إذا كان ينبغي المضي قدمًا، لكنه ناقش المعلومات الاستخباراتية الجديدة المذهلة التي تفيد بأن القيادة الإيرانية على وشك التجمع في مجمع المرشد الأعلى في طهران. وقال مدير ال"سي آي إيه" للرئيس، إن تغيير النظام ممكن اعتمادًا على كيفية تعريف المصطلح. وأضاف: "إذا كنا نقصد فقط قتل المرشد الأعلى، فربما يمكننا فعل ذلك". وعندما طُلب من وارينجتون الحديث، قال المستشار القانوني للبيت الأبيض، إن هذا خيار مسموح به قانونًا من حيث الطريقة التي صاغ بها المسؤولون الأمريكيون الخطة وقدّموها إلى الرئيس. ولم يبدِ رأيًا شخصيًا، لكنه عندما ضغط عليه تراكب ليقدّم واحدًا، قال إنه بصفته من قدامى المحاربين في مشاة البحرية، فقد عرف جنديًا أمريكيا قتلته إيران قبل سنوات. ولا تزال هذه القضية شخصية بعمق بالنسبة إليه. وقال للرئيس، إنه إذا كانت إسرائيل تعتزم المضي قدمًا على أي حال، فعلى الولاياتالمتحدة أن تفعل الشيء نفسه أيضًا. أما تشيونج، فشرح التداعيات المحتملة على صعيد العلاقات العامة: لقد خاض ترمب حملته الانتخابية معارضًا لمزيد من الحروب، والناس لم يصوّتوا من أجل صراع في الخارج. كما أن الخطط تناقض كل ما قالته الإدارة بعد حملة قصف إيران في يونيو، فكيف سيفسرون مرور ثمانية أشهر من الإصرار على أن المنشآت النووية الإيرانية قد أُبيدت تمامًا؟ ولم يعطِ تشيونج موافقة أو رفضًا، لكنه قال إن أي قرار يتخذه ترامب سيكون هو القرار الصحيح. وقالت ليفيت للرئيس إن هذا قراره، وإن فريق الصحافة سيتعامل معه بأفضل ما يستطيع. واتخذ هيجسيث موقفًا ضيقًا: إذ قال إن عليهم في نهاية المطاف أن يتعاملوا مع الإيرانيين، وبالتالي فمن الأفضل أن يفعلوا ذلك الآن. وقدّم تقييمات فنية: يمكنهم إدارة الحملة خلال قدر معيّن من الوقت وبمستوى محدد من القوات. أما الجنرال كين، فكان رصينًا، واضعًا المخاطر ومعنى الحملة بالنسبة إلى استنزاف الذخائر. ولم يبدِ رأيًا؛ فموقفه كان أنه إذا أمر ترمب بالعملية، فإن الجيش سينفذها. وكان أبرز قائدين عسكريين لدى الرئيس قد قدّما تصورًا مسبقًا لكيفية سير الحملة، وللقدرة الأميركية على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية. وعندما جاء دوره في الكلام، قدّم روبيو موقفًا أوضح، قائلًا للرئيس: إذا كان هدفنا هو تغيير النظام أو إشعال انتفاضة، فلا ينبغي أن نفعل ذلك. أما إذا كان الهدف هو تدمير برنامج إيران الصاروخي، فهذا هدف يمكننا تحقيقه. وكان الجميع يفوض أمره إلى حدس الرئيس. فقد رأوه يتخذ قرارات جريئة، ويخوض مخاطر لا يمكن تصورها، ثم يخرج منتصرًا بطريقة ما. ولم يكن أحد سيقف في طريقه الآن.
تمت الموافقة على عملية إبيك فيوري وقال ترامب للحاضرين: "أعتقد أننا بحاجة إلى القيام بذلك"، وأضاف أنه لا بد من التأكد من أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي، ولا بد من ضمان ألا تتمكن طهران ببساطة من إطلاق الصواريخ على إسرائيل أو في أنحاء المنطقة. وقال الجنرال كين لترامب، إن لديه بعض الوقت؛ فهو لا يحتاج إلى إعطاء الضوء الأخضر قبل الرابعة عصر اليوم التالي. وفي اليوم التالي على متن الطائرة الرئاسية، وقبل 22 دقيقة من الموعد النهائي الذي حدده الجنرال كين، أرسل ترامب الأمر التالي: "تمت الموافقة على عملية "إبيك فيوري -ملحمة الغضب" لا إلغاءات حظًا موفقًا". لإثبات حسن النية، باكستان تطلب من إيران فتح مضيق هرمز لمدة أسبوعين ديمقراطيون يطالبون الكونجرس بالتحرك العاجل ضد تصريحات ترامب بشأن إيران