يمثل إقرار الكنيست الإسرائيلي فجر الإثنين (30 مارس) لميزانية عام 2026، التي تعد الأكبر في تاريخ إسرائيل، لحظة مفصلية تكشف عن تحولات عميقة في بنية الدولة العبرية على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فقد صادق أعضاء الكنيست على الميزانية بأغلبية 62 صوتًا مقابل 55، وقد بلغت ميزانية الدفاع أكثر من 142 مليار شيكل بعد إضافة نحو 30 مليار شيكل إضافية، ضمن ميزانية عامة تصل إلى نحو 850 مليار شيكل، وهو ما يعكس تصاعد الأولوية التي باتت تحظى بها الاعتبارات العسكرية في السياسة الإسرائيلية. غير أن قراءة هذه الميزانية لا يمكن أن تقتصر على كونها استجابة مالية لحرب جارية، بل يتعين النظر إليها في سياق أزمة أعمق تعيشها إسرائيل، تتداخل فيها تحديات الحرب متعددة الجبهات، والأزمة السياسية الداخلية، والتحولات في البيئة الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى الميزانية الجديدة بوصفها انعكاسًا لثلاثة تحولات استراتيجية متزامنة: اهتزاز نموذج الدولة الأمنية، والتحول المتسارع نحو اقتصاد الحرب، وتآكل الردع الإسرائيلي في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا. ميزانية الحرب وإعادة ترميم الدولة الأمنية منذ تأسيسها، قامت إسرائيل على نموذج يمكن وصفه ب الدولة الأمنية، حيث شكل الأمن القومي الركيزة الأساسية لبناء الدولة وتماسك المجتمع. وقد ارتكز هذا النموذج على ثلاثة أعمدة رئيسية: التفوق العسكري النوعي، والقدرة على الردع الاستراتيجي، والدعم الدولي خاصة من الولاياتالمتحدة.
لكن الحرب الأخيرة كشفت عن تصدعات واضحة في هذا النموذج؛ فقد أظهرت التطورات الميدانية وجود ثغرات في منظومة الأمن الإسرائيلية، سواء على مستوى الاستخبارات أو جاهزية الجيش أو قدرة الدولة على حماية الجبهة الداخلية. كما أدى طول أمد الحرب واتساع نطاقها إلى طرح تساؤلات داخل المجتمع الإسرائيلي حول فعالية الاستراتيجية الأمنية التقليدية. وفي هذا السياق، يمكن فهم الزيادة الكبيرة في ميزانية الدفاع لعام 2026 باعتبارها محاولة لإعادة ترميم صورة الدولة الأمنية واستعادة الثقة في المؤسسة العسكرية. فالحكومة الإسرائيلية تسعى من خلال هذا الإنفاق الضخم إلى تعزيز قدرات الجيش وإعادة بناء مخزونات السلاح وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، إضافة إلى الاستثمار في التقنيات العسكرية المتقدمة. غير أن هذا التوجه يعكس أيضًا مفارقة مهمة؛ إذ إن الاعتماد المتزايد على القوة العسكرية قد يكون في حد ذاته مؤشرًا على أزمة أعمق في قدرة الدولة على إدارة الصراعات بوسائل سياسية أو دبلوماسية. فعلى المستوى الاستراتيجي، تعكس الميزانية الجديدة إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار في إسرائيل بأن المرحلة الحالية تتسم بطبيعة مختلفة من الصراعات، حيث لم تعد المواجهات مقتصرة على جبهة واحدة، بل باتت تتخذ شكل حرب متعددة الجبهات، حيث تواجه إسرائيل في الوقت الراهن تحديات أمنية متزامنة في عدة ساحات إقليمية، تشمل غزة ولبنان وسوريا، إلى جانب التصعيد المتزايد مع إيران.
وقد أدى هذا الواقع إلى ما يشبه حالة الاستنزاف الاستراتيجي، حيث تضطر إسرائيل إلى توزيع مواردها العسكرية على مسارح عمليات متعددة في الوقت نفسه. ومن هنا تبدو الزيادة الكبيرة في ميزانية الدفاع بمثابة محاولة لتعزيز قدرة الجيش على إدارة صراع طويل الأمد في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا. ولطالما اعتُبر الردع العسكري أحد الركائز الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي، فقد اعتمدت إسرائيل تاريخيًا على قدرتها على توجيه ضربات سريعة وقاسية لخصومها من أجل منعهم من تحديها عسكريًا. غير أن التطورات التي أعقبت حرب غزة كشفت عن مؤشرات واضحة على تآكل فعالية الردع الإسرائيلي.
فالحرب رغم قوتها العسكرية، لم تحقق حسمًا استراتيجيًا واضحًا، كما أن امتداد الصراع إلى ساحات إقليمية أخرى يشير إلى أن خصوم إسرائيل لم يعودوا يبدون نفس مستوى الردع الذي كان قائمًا في السابق. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الزيادة في ميزانية الدفاع باعتبارها محاولة لتعويض هذا التراجع عبر تعزيز القدرات العسكرية والتكنولوجية. غير أن الردع لا يعتمد فقط على التفوق العسكري، بل أيضًا على القدرة على تحقيق نتائج سياسية واضحة من استخدام القوة. بجانب ذلك، تشير ملامح ميزانية 2026 إلى أن إسرائيل تتجه تدريجيًا نحو نموذج اقتصاد الحرب، حيث يتم توجيه جزء متزايد من الموارد الوطنية لدعم المجهود العسكري. فالحروب الطويلة بطبيعتها تتطلب موارد مالية ضخمة لتمويل العمليات العسكرية وتعويض الخسائر الاقتصادية. وفي ظل الحرب الحالية، باتت الحكومة الإسرائيلية تخصص موارد إضافية لتعزيز الصناعات العسكرية وتطوير منظومات الدفاع الجوي وتمويل العمليات العسكرية المستمرة. لكن هذا التحول يحمل في طياته تداعيات اقتصادية مهمة، إذ قد يؤدي إلى زيادة العجز في الميزانية وتراجع الإنفاق على القطاعات المدنية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. كما أن اقتصاد الحرب قد يخلق حالة من الاعتماد المتزايد على استمرار الصراع، وهو ما قد يعقّد فرص إنهاء النزاعات في المستقبل. حرب إيران وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية داخليا وخارجيا الزيادة غير المسبوقة في ميزانية الدفاع لعام 2026 تكتسب دلالة إضافية في ظل الحرب الجارية بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث كشفت موجات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي خلال التصعيد الأخير عن تحديات كبيرة تواجه منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات. فرغم اعتماد إسرائيل على شبكة دفاعية متطورة تشمل أنظمة مثل القبة الحديدية ومقلاع داود وحيتس، فإن كثافة الهجمات وتنوعها أظهرت حدود قدرة هذه المنظومات على توفير حماية كاملة للجبهة الداخلية. وقد أدى ذلك إلى تعرض عدد من المدن والمنشآت الحيوية لضربات مباشرة، الأمر الذي أثار نقاشًا داخليًا واسعًا حول فعالية منظومة الردع والدفاع الإسرائيلية في مواجهة خصم يمتلك قدرات صاروخية متقدمة وشبكات هجومية متعددة المسارات.. وهو ما يوضح -ولو جزئيا- الزيادة في ميزانية الدفاع باعتباره محاولة لتعزيز منظومات الدفاع الجوي، وتوسيع قدرات الاعتراض، وتسريع تطوير أنظمة دفاعية أكثر تقدمًا قادرة على مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، الأمر الذي يفرض إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العسكري بما يوازن بين القدرات الهجومية ومتطلبات الدفاع عن الداخل. إلى جانب التحديات الأمنية، تعكس ميزانية 2026 أيضًا تعقيدات المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، فقد جاء تمرير الميزانية في لحظة سياسية حساسة كادت تهدد بقاء حكومة بنيامين نتنياهو. وكانت الخلافات مع الأحزاب الحريدية حول قضية التجنيد الإجباري أحد أبرز العقبات أمام تمرير الميزانية، قبل أن يتم تجاوز الأزمة عبر تفاهمات سياسية تضمنت وعودًا بتشريع قانون إعفاء جديد وتخصيص موارد مالية إضافية للمعاهد الدينية.. وهو ما يكشف عن الهشاشة المتزايدة في التوازنات السياسية داخل إسرائيل، حيث تعتمد استمرارية الحكومة على صفقات سياسية معقدة قد تعمق في الوقت نفسه الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي. الشرق الأوسط على فوهة البركان.. قراءة في أبعاد الصراع الاحتجاجات الإيرانية في سياقها التاريخي والسياسي أخيرًا، تكشف ميزانية الدفاع الإسرائيلية لعام 2026 عن أكثر من مجرد زيادة في الإنفاق العسكري، إذ تعكس مرحلة تحول عميقة تمر بها الدولة العبرية، فالميزانية الضخمة تمثل محاولة لإدارة أزمة مركبة تجمع بين اهتزاز نموذج الدولة الأمنية، وتصاعد اقتصاد الحرب، وتآكل الردع العسكري في بيئة إقليمية متوترة. وفي ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، ولا سيما المواجهة مع إيران، تبدو إسرائيل وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراع الطويل والمعقد. غير أن السؤال الأساسي الذي يظل مطروحًا هو ما إذا كانت هذه المقاربة القائمة على تعزيز القوة العسكرية قادرة على معالجة جذور الأزمة الأمنية التي تواجهها إسرائيل، أم أنها قد تعكس في النهاية عمق هذه الأزمة أكثر مما تقدم لها حلًا.