بالطبع عزيزي القارئ ليس في نيتي (ولا في قدرتي) محاولة الاقتراب من كتاب "تهافت التهافت" للعالِم الفيلسوف ابن رشد، والذي كتبه ردًا وتمحيصًا (بالفِكر والعقل والمنطق) على كتاب الإمام (حُجة الإسلام) أبو حامد الغزالي "تهافت الفلاسفة" والذي كان أيضًا ردًا وتمحيصًا لبعض أفكار الفلاسفة (بالفكر والعقل والمنطق ... برضه). كل مافي الأمر هو اندهاشي الشديد من أسلوب العالمين الجليلين (من مئات السنين) في تناول قضايا ومعتقدات فكرية يكاد يكون معظمها يخص الألوهية والأخلاق، فمثلًا أنا مندهش من ألا يقوم الشيخ الغزالي (وهو مَن هو) بتكفير الفلسفة والفلاسفة وأتباعهم بدلًا من عناء القراءة والتمحيص والرد والكتابة، كما إني مندهش من ألا يقوم ابن رشد (بشتيمة) الغزالي وتشويه صورته ونعته بالجهل (والتخريف على كِبَر) ومطاردة محبيه ومريديه وحصارهم وإعمال القتل فيهم، وخاصة أنه كان من المقربين للحاكم، بلاها دي، ماذا عن عامة المسلمين، ألم يكن أحدهما صوفيًا والآخر فيلسوفًا وطبقًا لمعايير أيامنا الآن (الاثنان أصلًا حرام). بلاها كل ده، ألم يكن لهذا مؤيدون ومحبون وكذلك الآخر، لماذا لم يُكَفِروا ويكرهوا ويقتلوا بعضهم البعض دفاعًا عن الإسلام بل دفاعًا عما هو أسمى وأقدس وهو الله سبحانه وتعالى وقد تطاول على قدسيته العالمان الجليلان (طبقًا لمعيار أصلًا حرام) وتباحثوا مع وضد الفلاسفة في ذات الله وصفاته ووجوده وعلمه. وبعد اندهاشي حمدت الله أني لم أكن في زمان الغزالي وابن رشد الذي لم يطاله التقدم والتكنولوجيا والحضارة فكان تهافتهم آنذاك هو تهافت الأفكار (أي تضاربها واختلافها)، أما عن تهافتنا نحن في عصر العلم وزمان أوكا وأورتيجا فهو تهافت على الإنجاز السريع والغيرة على الدين الحنيف، فإذا سألت أحدًا عن رأيه في موضوع ما ويرد عليك قائلًا: "أنا شايف ... " بالطبع ستقاطعه قائلًا: " إنت شايف؟، أستغفر الله العظيم، الله وحده هو الذي يعلم ويرى، إنت كافر ياض". وهنا يظهر التهافت على الخرطوش والمولوتوف بدلًا من الكتب والتنظير لسرعة الإنجاز، وقد كان لثوار يناير الحظ في أول تهافت على العنف المعنوي والمادي ضدهم بدءا من التمويل وكنتاكي والخمر والنساء ومرورًا بموقعة الجمل ومجلس الوزراء وماسبيرو وغيرها، ثم جاءت الموجة الثانية من التهافت من تنظيم الإخوان بدءا من منصة التحرير والاتحادية ومرورا بسنسحقهم وسنولع البلد (أو البلد هتولع أيهما ألسع) وغيرها. والآن نعيش في الموجة الثالثة من التهافت على سحق ومحق وفحت الإخوان بمؤيديهم بمحبيهم باللي ماشي "جنبيهم"، بالطبع عزيزي القارئ أنا ابتديت أشِم رائحة تهافت على سبي ولعني وشتيمتي من الجميع ولكن ليس بيدي حيلة سوى دعاء الله بأن يكون ما نحن فيه الآن آخر تهافت تهافت التهافت.