في مارس اندلعت الشرارة الأولى لثورة 19، وفي مارس أيضا يحتفل العالم كله باليوم العالمي للمرأة، وهناك رابط قوى يجمع بين هذه الثورة الشعبية وبين المرأة، فقد شهدت ثورة 1919 حراك نسوى كان هو الأول من نوعه الذي تشهده الشوارع المصرية، والذي شهدت معه مكانة المرأة المصرية في المجتمع نقلة نوعية، فأصبحت فاعلة في الأحداث بإيجابية. ولقد كان هذا الحراك آنذاك من أبرز مظاهر الثورة وكذلك من أبرز مظاهر التقدم الاجتماعى، فلقد اشتركت المرأة المصرية بقلمها وأفكارها في إذكاء الروح الوطنية، وكان لها دور مشهود في حث الرجال على التضحية، وقمن بالمشاركة في المظاهرات والجمعيات واللجان للتعبير عن شعورهن والمساهمة إيجابيًا في هذا الحدث الجلل الذي عم البلاد، ولقد كانت المشاركة الأبرز للمرأة المصرية في أحداث هذه الثورة الشعبية، تلك المظاهرة الكبرى التي نظمتها السيدات والآنسات المصريات يوم الأحد 16 مارس عام 1919، والتي استهدفن منها التعبير عن شعورهن الوطنى والمشاركة الإيجابية في ما تشهده البلاد من أحداث عظام، واحتجاجًا منهن على ما أصاب الأبرياء من المصريين من القتل والتنكيل في المظاهرات التي سبقت مظاهرتهن، والتي اندلعت وعمت العاصمة والأقاليم في أعقاب اعتقال الزعيم سعد زغلول. نساء الثورة خرجت تظاهرة المرأة المصرية الحاشدة إلى شوارع القاهرة العامرة، واتسمت بالحشمة والوقار، وكان عدد المشاركات يقترب من 300 سيدة من كرام العائلات وبنات ووزوجات الباشاوات والبكوات، ولقد سبق وأعددت السيدات المتظاهرات احتجاجًا مكتوبًا موجه إلى معتمدى الدول، وذلك للتعبير عن احتجاجهن ضد الأعمال الوحشية التي قوبلت بها الأمة المصرية التي لا ذنب لها سوى المطالبة بحرية بلادها، والطمع في استقلالها. سارت مظاهرات السيدات في صفين منتظمين، كن يحملن أعلامًا صغيرة، وطافت المظاهرة الشوارع الرئيسية للقاهرة في موكب كبير، وتعالت أصواتهن المنادية بالحرية والاستقلال وسقوط الحماية البريطانية على بلادهن، وكان موكبهن هذا لافتًا للأنظار، وكانت لحظة مشهودة، فخرج كثير من أهل القاهرة من الرجال والنساء ليشاهدون هذا الموكب الذي لم يسبق له مثيل في الشوارع المصرية، والذي قوبل بالتصفيق والتأييد والهتاف من الجميع، فقد بث في نفوس المصريين الإعجاب والحماس، وأخذوا يهتفون بهتافاتهن، بينما آزرتهن النساء من نوافذ المنازل بالهتاف والزغاريد. قطع الطريق مرت المظاهرة على القنصليات ومعتمدى الدول الأجنبية لتقديم احتجاجهن المكتوب، ولكن الإنجليز وجندهم قطعوا الطريق أمام هذا الموكب البهيج، حينما اجتمعت سيدات مصر وآنساتها بشارع سعد زغلول باشا، وحاصرتهن القوة العسكرية، ومنعوا حرائر مصر من السير. وصوبوا نحوهن البنادق والحراب في تهديد واضح وصريح، وظلت السيدات في مكانهن تحت الحصار والشمس التي كانت تصوب أشعتها الحارقة عليهن لمدة ساعتين ولكنهن لم يتحركن، ولم يخشين من تهديد البنادق، حتى إن إحداهن وجهت عبارات بالإنجليزية إلى أحد الجنود مفادها أن سيدات مصر لا يهبن الموت، وطالبته بأن يوجه بندقيته إلى صدرها ليجعل في مصر "ميس كافل" ثانية، في إشارة إلى ممرضة إنجليزية أسرها الألمان في الحرب العالمية الأولى وأعدمت رميًا بالرصاص، وأحدث مقتلها ضجة عالمية كبرى، فخجل الجندى، وفتح الطريق أمام السيدات، اللاتى كتبن احتجاجًا ثانيًا للتعبير عن استيائهن من هذه المعاملة وألحقنه باحتجاجهن المكتوب الأول، وقدمنه إلى معتمدى الدول. احتجاج وقد وقعت على هذا الاحتجاج عدد من السيدات المصريات، ولعل أبرزهن، صفية زغلول، زوجة سعد باشا زغلول، وحرم حسين رشدي باشا، والسيدة هدى شعراوى، وحرم إسماعيل صدقى باشا، وكريمة محمود سامى البارودى باشا، وحرم الدكتور نجيب إسكندر باشا، وحرم الأستاذ ويصا واصف، وكريمة إسماعيل أباظة باشا، وحرم قاسم أمين، وعدد كبير من زوجات وبنات الباشاوات والبكوات، وقد شهد هذا الحراك النسائى تأييدًا أيضًا من قبل مبدعى مصر، فقد حياهن حافظ إبراهيم، شاعر النيل، بقصيدته "خرج الغوانى"، تمجيدًا لشعورهن وشجاعتهن ومشاركتهن الإيجابية فيما تشهده البلاد من أحداث، ووجه من خلال أشعاره نقدًا لاذعًا لما فعله الجنود الإنجليز تجاه السيدات اللاتى رسمن بشجاعتهن الطريق أمام المشاركة الإيجابية للمرأة المصرية في كل ما تشهده البلاد من أحداث جلل، وكن رائدات في هذا الدور الوطنى الذي استمرت المرأة المصرية في القيام به من بعدهن وحتى اليوم. المصدر "ثورة 1919، تاريخ مصر القومى من 1914 إلى 1921"، عبد الرحمن الرافعى، القاهرة، دار المعارف.