عامٌ مضى على حادث الغدر والخسة والندالة، عامٌ مر وكأنه شهر، لم ننس فيه ما حدث بمسجد الروضة بمدينة بئر العبد بسيناء، والذي شهد هجومًا إرهابيًّا غادرًا، أدمى قلوب المصريين جميعًا، وزلزل كيان الإنسانية جمعاء، وأسفر عن استشهاد 310 من المصلين وإصابة آخرين ليؤكد أن فاعليه من المجرمين هم شرذمةٌ ضالة من المجرمين المفسدين في الأرض. عندما علمت بمجزرة الساجدين، مثلي مثل الكثيرين ظللت أدعو الله وأتضرع إليه أن ينتقم من الظالمين الذين باعوا الدين والأوطان، وأن يستعملني ربي لخدمة أهالي القرية، ولم تأتِ أول جمعة بعد الحادث الخسيس إلا وقد اصطفاني الله عز وجل وتقبل دعوتي ورزقني فضل المشاركة ضمن وفد الأزهر الشريف المصاحب لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/أحمد الطيب، شيخ الأزهر.. "الإمام الطيب الإنسان" الذي لم يخش تهديدًا ولا أوضاعًا أمنية ملتهبة، وفكر وقرر بشجاعةٍ وبلا هوادة أن يلغي زيارته لمخيمات اللاجئين ببنجلادش، الذين فروا من ويلات الاضطهاد وعمليات التهجير القسري التي تعرضوا لها في وطنهم ميانمار، وسارع ليؤم أبنائه بمسجد القرية المكلومة، في أول جمعةٍ بعد الحادث، وفي زيارةٍ إنسانية تاريخية شكلت نقطة تحول فاصلة في مواجهة الأزهر الشريف وإمامه الأكبر للإرهاب.. حيث تحدى شيخ الأزهر كل المحاذير الأمنية، وأوصانا بتطييب خاطر أمهاتنا وأخواتنا المكلومات، وأصر بقلبٍ طيب على المرور بنفسه على منازل القرية لتعزية أهلها ومواساتهم، قائلًا لأم الشهداء، التي فقدت 12 شهيدًا، ما بين زوجٍ وابنٍ وحفيدٍ" إنك تذكرينني بأمهاتنا الصابرات المحتسبات في الصعيد"، ووعد وأوفي بتحقيق حلم هذه الأم الكريمة وغيرها من الأمهات الصابرات، برحلة حج مجانية، واتخذ عدة قرارات مهمة لصالح أبناء القرية، من بينها صرف معاش شهري لذوي الشهداء والتكفل بتعليمهم، وبناء مجمع أزهري متكامل لخدمة أبناء القرية. تحمَّل "الإمام الطيب الإنسان" عناء السفر مبتغيًّا وجه الله، وموجهًا من منبر مسجد الروضة رسائل تأييد وتضامن مهمة لأهالي القرية بشأن القضاء على الإرهاب الخبيث الذي حصد أرواح المصلين الأبرياء بالمسجد، ليؤكد للعالم كله وقوف الأزهر الشريف والشعب المصري الأبي وكافة المؤسسات صفًا واحدًا في مواجهة الجماعات الإرهابية الظلامية التي تستهدف أمن المصريين وحياتهم. عندما علمت والدتي الحبيبة بسفري لسيناء في هذا التوقيت الحرج، قالت لي بعاطفتها الجيَّاشة أخاف عليكِ يا عزيزتي من هذه الرحلة الشاقة، اعتذري عن المهمة وليس عليك شيء، أخبرتها وكلي ثقة بالله المنتقم الجبار أن حق الشهداء لن يضيع ما دام وراءه مُطالب، وأقنعتها بأنني لست بأغلى ممن فُقدوا من أهالي القرية المكلومة وأنني أتمنى لنفسي منزلتهم. لأول مرة أشعر أثناء سفري لسيناء الحبيبة ضمن وفد الأزهر الشريف أنني في مهمة البحث عن الذات بعيدًا عن الملذات، لم أشعر بأي تعبٍ يُذكر أو نومٍ أو إرهاق، وشعرت ومن معي من أساتذة وعلماء الأزهر رجالًا ونساءً أننا نطير شوقًا ولهفةً للقاء أم الشهيد، لنمسح دمعها ونقبل يدها ورأسها ونعتذر لها عن ما فعله الخونة عبدة الشياطين ممن أحلوا قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. لأول مرة ينتابني إحساسٌ أنني أشم رائحة الدم المتناثر على حبات الرمال بالقرية، وعند صلاة الجمعة بمصلى السيدات المتواضع المخصص بجوار المسجد، آلمنا ومزق قلوبنا ما روته لنا أمهاتنا وأخواتنا من شرفاء القرية اللاتي روين لنا بعيونٍ تنزف دمًا مآسي ما حدث لأهالي القرية المصلين وأطفالهم، استمعنا لمطالبهن البسيطة، ونقلنا لهن ما أكده شيخ الأزهر من أن الإرهاب إلى زوال، وأن مصاب أهالي بئر العبد هو مصاب المصريين جميعًا وشهداؤهم الأبرار الأتقياء الذين قضوا نحبهم مصلين قد أحسن الله خاتمتهم وفازوا بالجنة.. وأن الأزهر الشريف قد جاء لقرية بئر العبد بشيوخه وعلمائه وبناته للوقوف على حاجات أسر الشهداء وتلبية مطالبهم وتوجيه رسالة للإرهابيين، مفادها أننا لن ترهبنا حيلهم الدنيئة ولن يثنينا إرهابهم عن السير قدمًا للقضاء على الإرهاب الغاشم واجتثاثه من جذوره. قصصٌ من الأحداث ذات شجون، ومجزرةٌ للساجدين بمسجد الروضة يندى لها الجبين، ولا يعقلها بشر ولا يرتكبها إلا إرهابي آثمٌ أو مجرمٌ لن ينجَ من عقاب الدنيا والآخرة، وأقول أخيرًا لكل أمٍ عزيزة من أهالي بئر العبد، لا تحزني؛ فشهداؤك في جنة الخلد طابوا وستطيب دومًا ذكراهم، يدنا بيدكِ، وتعجزنا الكلمات عن الوفاء بحقك وصبرك، كُلي واشربي وقري عينًا واصبري واحتسبي، فلن يضيعكِ الله، ولا تقولي إلا ما يرضي المولى عز وجل "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.