على مدار 3 أيام استضاف متحف محمود مختار، مهرجان القاهرة الدولى للقصص المصورة "كايرو كوميكس" في نسخته الرابعة، ليكون خير ملتقى لكل عشاق وصناع ومحبي عالم القصص المصورة الراغبين في الاستفادة من الورش الفنية واللقاءات اليومية، والاطلاع على الإبداعات الفنية في المعارض الثلاثة بالمهرجان، والتسوق لشراء مطبوعات الكوميكس والمنتجات الإبداعية المختلفة الموجودة بالمهرجان. وبالرغم من أن معظم القصص المصورة "الكوميكس" وأبطالها المشاهير "أجانب"، مثل سوبر مان وبات مان، وغيرهم، فإن هناك عددا من العارضين في مهرجان القصص المصورة آمنوا أن مصر بها ما يكفى من الأحداث والتركيبات المختلفة التي تمكنها من إفراز أبطال خارقين منافسين لهؤلاء المشاهير حول العالم وإنتاج حكايات وقصص متفردة ملهمة، فحرصوا على تقديم إبداعاتهم الفنية وشخصياتهم الكرتونية منطلقين من خلفيتهم المصرية، وأبدعوا وقدموا رسومات وقصصًا مصورة وشخصيات خارقة "بالمصري". بالقرب من بوابة المتحف جلست هالة طارق، التي تعمل في قسم الرسوم المتحركة بالمركز القومى للسينما، خلف منضدة تحمل رسومات لا تخفى على العين الناظرة إليها أنها نابعة من قلب حى شعبي تحكى قصصًا عن مصر وأهلها "الطيبين"، عن هذه الرسومات تحكى هالة: "دا مشروع اسمه "عمارة الطيبين" عملته على روقان كده وهو مشروع نابع من ذكريات طفولتي في حي الضاهر في بيت جدو، أنا كنت حاسة إن كل بلكونة من بلكونات حى الضاهر وراها قصة وده حبيت أبينه في رسوماتى". شاركت هالة في المهرجان هذا العام كفنانة مستقلة لتستعرض إبداعاتها التي تعكس روح مصر وشعبها من خلال "عمارة الطيبين" التي كانت في الأصل مجموعة رسومات منفصلة ل"بلكونات"، كل بلكونة قديمة تحكى حكاية وتم تجميعها مع بعضها البعض، أما عن سر اختيارها لاسم "عمارة الطيبين" فتحكى هالة:" أقصد منه إن سكان البلكونات اللى "بيدوشوا" بعض طول اليوم بيرجعوا في الآخر لطبيعتهم الطيبة". لم تكن هالة بمفردها من ألهمتها حياتها في مصر لإنتاج أعمال فنية، ولكن أيضًا جون ماهر، مؤسس سلسلة العصبة والكاتب بها، ذا ال 29 سنة، كان هو الآخر أحد الفنانين الشباب المصريين الذين استغلوا عشقهم لعالم القصص المصورة "الكوميكس" لإنتاج أعمال مصرية مائة بالمائة، فالسلسلة القصصية التي يقدمها هو ومجموعة من أصدقائه تدور حول 6 أبطال مصريين من فئات مختلفة، وهم حورس، ولهان، ميكروباصجي، مريم، ألفا، كاف، وهي شخصيات من قلب مصر، فحورس على سبيل المثال يعبر عن مصر الفرعونية وتاريخها القديم الذي نعتز به، وميكروباصجي هو سائق ميكروباص ويعبر عن الطبقة الكادحة من المصريين، وترمز كل شخصية من الشخصيات الأخرى عن فئة من فئات المصريين. يحكى جون عن بدايات إطلاق العصبة: "تم البدء في كتابتها عام 2012 وكنا بننزلها على فيس بوك، وأول عدد مطبوع قدمناه كان سنة 2015 في أول نسخة من كايرو كوميكس ولحد دلوقتى إحنا مقدمين أربعة أعداد من "العصبة"، ولقد لاقت بعض الشخصيات إعجاب بعض المتابعين فطلبوا تقديم هذه الشخصيات منفردة، وبالفعل قدم القائمون على العصبة في كايرو كوميكس الحالى قصصا منفردة لشخصيات مريم وحورس والولهان، بخلاف أعداد العصبة المعتادة التي تجمع الشخصيات كلها. كان جون عاشقًا لعالم "الكوميكس" منذ نعومة أظفاره، وكان محبًا ل "بات مان" و"سوبر مان"، ومتابعا جيدا لكل جديد في عالم القصص المصورة في الخارج، وهذا العشق والمتابعة الجيدة كانا من أسباب تقديمه قصصًا من قلب مصر، وعن هذا يقول: "بره مصر المجتمعات منظمة فمفيش عندهم حاجة أوى لتدخل بطل خارق لحل مشكلات في المجتمع، فبدأت قصصهم المصورة تبقى عن السحر والكائنات الفضائية، على عكسنا إحنا في مصر لسه عندنا مشكلات كتير محتاجة إن حد يركز عليها وعشان كده جات فكرة إننا نعمل "أبطال خارقين" كل واحد يقف قدام صور الفساد المختلفة اللى في مجتمعنا زى الرشوة والواسطة والتحرش وغيرها وغيرها من المشكلات لأن ده كل واضح عندنا ومحتاج أبطال خارقين يواجهوا المشكلات دى". ولسبب مختلف قرر أندرو هنري، رسام كوميكس ذو 31 عاما، أن يقدم شخصية خارقة مصرية خالصة، نابعة من التاريخ المصري القديم، وهى شخصية "هازارد شو"، والسبب هو إيمانه بأن كل شخصيات القصص المصورة الشهيرة موجهة بشكل ما وتحمل أفكار بعينها يتم نقلها إلى القراء، وهذا الإيمان نابع من عمل طويل مع شركات عالمية في مجال القصص المصورة بالإضافة إلى المتابعة الجيدة والدقيقة لأحدث الإصدارات. القصة التي ألفها أندرو تُدعى "Classified Hazard"، وهى لها نسخ عربية وأخرى إنجليزية، نابعة من الأساطير المصرية القديمة، وتُقدم قدماء المصريين بصورة بعيدة عن الصورة النمطية لهم، وباعتبارهم بشرا ذا قدرات خارقة، تمكنوا من تطوير قدراتهم ليكونوا حضارة أقوى وأفضل من كل الحضارات التي كانت موجودة في العصر ذاته الذي كانوا يعيشون به، والبطل اسمه "هازارد شو"، وشو هو إله الهواء في المعتقد المصري القديم، قدم أندرو العدد الأول والثانى من القصة في مهرجان القصص المصورة الماضى، والعدد الثالث تم تقديمه في النسخة الحالية من المهرجان. أما البطل الخارق المصري الذي ابتكره رسام شاب مستقل آخر يُدعى يوسف شبانة، خريج كلية الهندسة ومشارك في كايرو كوميكس، فهو "روح الزمن" وهو بطل تكمن قوته الخارقة في التحكم في الوقت، ويحكى يوسف عن بطله قائلًا "روح الزمن طالب مصري وشخصيته وكل الأحداث اللى بتواجهه وبيمر بيها نابعة تمامًا من الثقافة مصرية وكمان كل أسماء الشخصيات التانية في القصة أسماء مصرية مائة بالمائة". كان لدى يوسف هدف من تقديم "روح الزمن"، فيقول: "عادة الناس بتتوهم لما بتشوف الشخصيات الخارقة بره، لكن عندنا بيبقي جوانا فكرة إن لو في بطل خارق مصري فلازم يتم تقديمه بصورة كوميدية زى الرجل العناب مثلًا، لكن أنا كنت شايف إنى ممكن أعمل شخصية جادة وليها هدف والناس تحبه، و"روح الزمن" ده طالب مصري وبيقابل نفس مشاكلنا اللى بنقابلها بالظبط وشخصية جادة مش هزلية". يشارك يوسف في مهرجان القصص المصورة هذا العام مع زميلته سارة، وكلاهما يتمنيان أن يتم تقدير فن القصص المصورة (الكوميكس) في مصر بالشكل الكافى وأن يكون هناك وعي أكثر به، وأن تصل إبداعاته هو وزميلته إلى أكبر شريحة ممكنة. أما ماريا درويش، طالبة عمارة في الجامعة الأمريكية، وهاوية للرسم، فقد كانت من الزوار الدائمين لمهرجان القصص المصورة في سنواته الثلاث الماضية، وبعدما فتح أبوابه للمستقلين هذا العام، لم تفوت ماريا الفرصة للمشاركة برسوماتها المختلفة، ومن بين ما تقدمه لجمهور كايروكوميكس من إبداعات فنية، أجندة تواريخ لعام 2019، وهى "نتيجة" عن أماكن عدة عشقتها ماريا في المحروسة، وعنها تحكى " أنا عاملة في كل شهر رسمة من قلب مصر، يعنى في رسومات عن أبو جالوم والإسكندرية وسيوة والأقصر وأسوان"، فمصر ساكنة في وجدانها وانعكس هذا على فنها تمامًا كما هي ساكنة في وجدان غيرها من شباب الفنانين الذين ألهمتهم حياتهم في المحروسة لتقديم إبداعات فنية متفردة.