المنيا.. عروس الصعيد التي ترتدي من حين لآخر الأسود حزنًا على ما تشهده من أحداث فتن طائفية راح ضحيتها العشرات على مدى سنوات، تلك المحافظة التي تحوى بين جنباتها وشوارعها وأزقتها تناقضات عدة، فهى أرض تضم تعداد قبطي كبير وفى الوقت ذاته هي أحد أبرز منابع التشدد الديين والتي أفرزت العديد من رموز التطرف فقد كانت أحد أبرز معاقل جماعة الإخوان الإرهابية ومقرًا لتأسيس جماعة التكفير والهجرة عام 1971، لذا ارتبط باسمها وصف "معقل الفتن الطائفية". فالفتن الطائفية لم تهدأ في المنيا مع تعاقب السنوات، حيث طوقت قيود الفتنة مساحة التعايش السلمي بين مسلمي وأقباط المحافظة وكادت أن تخنقها، فالأحداث الطائفية تعددت في قرى عدة حتى أن إحصائيات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رصدت 77 حالة عنف وتوتر طائفي بمختلف مراكز وقرى المحافظة في الفترة من يناير 2011 وحتى يناير 2016. ومن أبرز هذه الأحداث تهجير مدرس قبطي وأسرته وطلاب من الأقباط على خلفية ما تردد عن نشر المدرس فيديو يسيء لصلاة المسلمين وذلك بقرية الناصرية التابعة لمركز بنى مزار في أبريل 2015، وفى الشهر ذاته من نفس العام وقعت اشتباكات بين أقباط ومسلمين على خلفية محاولة بناء كنيسة في قرية الجلاء، وتم حرق سرادق كان الأقباط يقيمون به شعائرهم في قرية ميانة الموقف. وفى قرية الإسماعيلية بمركز المنيا في مايو 2016 أشعل متطرفون النيران في خيمة يقيم فيها أقباط من القرية شعائرهم الدينية، وفى نفس الشهر من العام ذاته شهدت قرية الكرم الحادث الشهير بتجريد مسنة عجوز من ملابسها على أيدي بعض مسلمي القرية، وفى يوليو من عام 2016 تم حرق 3 منازل قبطية على خلفية شائعات تحول منزل إلى كنيسة. وبالرغم من هذه الأحداث الطائفية التي تمزق النسيج الوطني وتزلزل استقرار المحافظة، إلا أن الإرهاب الغاشم قرر أن " يزيد الطين بلة" وأن يستقبل شهر الصيام بسفك الدماء باستهدافه حافلة لأقباط تضم صغار وكبار خرجوا في أمان وسلام، صباح اليوم الجمعة، من بنى سويف في رحلة دينية قاصدين زيارة دير الأنبا صاموئيل في المنيا في أجواء يحيطها الفرح والسرور. ولكن الرياح أتت بما لم ولن تشتهيه السفن.. جاءت بالفتنة التي راح على إثرها 26 شهيدا و25 مصابا في مجزرة دموية لم تفرق بين صرخات الصغار وأصوات استغاثات الكبار، فبنادق الجزارين الآلية ورصاصاتهم التي بلغ عددها 400 طلقة تبارت في حصد الأرواح بعشوائية دون أي اعتبارات إنسانية. كما ارتكب الارهابيون جريمة محرمة في آخر أيام شعبان المبارك لكى يقطع دعاة الدماء فرحة المصريين بقدوم شهر الصيام ويجبرون عروس الصعيد أن تستقبل رمضان باللون الأسود ويجعلونها تعانى أضعاف معاناتها بين مطرقة الفتن الطائفية وجحيم الإرهاب الغاشم الذي نثر على ثراها دماء الأبرياء العزل.