لم يعد استثمار الموارد الطبيعية هو مطلب المصريين من المسئولين، بل صار أقصى طموح الشعب أن يحافظ السادة أصحاب القرار على خيراتها، لعل أجيالا تأتي ذات يوم، وتملك من الضمير والعقل ما يؤهلها لاستغلال موارد البلاد. ويبدو هذا واضحا في محافظة الفيوم التي كانت يوما جنة الله في الأرض، وكان بنو آدم يأتون إليها من شتى بقاع المعمورة. «مصيدة للموت» هو التوصيف الدقيق لحال بحيرة «قارون»، إحدى أكبر بحيرات المحروسة، التي عاشت عقودًا من الإهمال في ظل توالي عدد من المحافظين على الفيوم، لم يهدهم تفكيرهم إلى النظر إلى حال أحد مصادر السياحة والدخل القومي بالمحافظة، بل قصدوا تجاهلها عن عمد، ووصل الأمر إلى تغاضي حالات التعدي عليها وتلويثها بمختلف الطرق والأساليب، رغم قدرتهم ب«قرار وحيد» على إعطائها قبلة حياة تعيد الروح إليها مجددًا. وما بين مياه صرف صحي تغتال روح الحياة داخلها، وتهدد البشر بأمراض لا علاج لها، والإهمال الذي يتعمده المسئولون من عدم تطوير الشاطئ وتجاهل وسائل الإنعاش، تُقتل البحيرة ألف مرة كل لحظة، بل وتنتظر خبر إعلان الوفاة. ويبدو أن البحيرة التي شهدت كل أنواع التعديات من مياه الصرف الصحي تتلقاها عن طريق «مواسير» ركبت بشكل مباشر لتصب فيها، سقطت من حسابات محافظ الفيوم عن قصد، والشعب أيضًا الذي اعتاد التعامل بقسوة مع كل موارد الطبيعة، وكأنه يقصد خنقها وفقدها واحدة تلو الأخرى كل يوم، سواء بالشروع في اغتيالها بأيدينا أو بالتجاهل البطيء المميت. الثروة السمكية بالبحيرة تنتظر رصاصة الرحمة، فلم يتبق سوى «بقايا أحياء من الأسماك»، تقتلها مياه الصرف، ورغم إعلان البحيرة عن نفسها بالاحتجاج بمختلف الطرق والتكشير عن أنيابها، رضخت للأمر الواقع، وأصبحت تتلقى الاعتداءات في صمت بعد تكرار مسلسل «لا حياة لمن تنادي». أما بالنسبة لتراجع زائري منتجعات قارون الفيومية، فحدث ولا حرج، فبعد زيادة التعديات على البحيرة وكثرة الإغفاءات وبشاعة المنظر الطبيعي وانتشار الراوئح الكريهة، نفر الزائرون والسياح، لتبقى البحيرة «معجزة يقتلها الإهمال».