إعادة فتح المدارس في إيران بعد أسبوع من الإغلاق    الإدارات التعليمية بالفيوم تتسلم بوكليت اليوم الثاني لامتحانات الشهادة الإعدادية (صور)    الآلاف يشاركون في مسيرة بجرينلاند في مواجهة تهديدات ترامب    وزير خارجية السعودية يبحث المستجدات الإقليمية في اتصالات هاتفية مع نظرائه في تركيا والأردن والعراق    أ ف ب: مقتل امرأة في غارة جوية بمسيرة روسية في مدينة خاركيف الأوكرانية    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم الأحد 18 يناير 2026    طقس اليوم الأحد.. إنذار جوي من ضباب كثيف يحجب الرؤية بالطرق    أولى جلسات قضية مقتل زوجة فى يد زوجها فى المنوفية اليوم    من الدوري الإنجليزي، عرض مغرٍ يصل إمام عاشور بعد تألقه في كأس أمم أفريقيا (فيديو)    بعد صافرات النشيد الوطني.. تامر أمين يعتذر باسم المصريين عن تصريحات حسام حسن: حقكم علينا يا مغاربة    صندوق تطوير التعليم: نقدم دورات ريادة الأعمال لكبار السن الراغبين في إدارة مشاريعهم    حياة كريمة فى سوهاج.. المبادرة ترسم ملامح الريف الجديد بقرية البطاخ فى المراغة    حركة القطارات 45 دقيقة تأخير بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأحد 18 يناير 2026    إلهام شاهين تتصدر مشهد «جوي أوردز» بإطلالة ذهبية راقية تؤكد أنها سيدة السجادة البنفسجية    وزارة الداخلية تضبط المتهمين بالتشاجر في القليوبية    رئيس شعبة مواد البناء: الحديد المحلي أغلى من العالمي ب 100 دولار.. ويجب إلغاء رسوم الإغراق    رويترز: ترامب يطالب الدول التي تريد البقاء في مجلس السلام بشأن غزة بدفع مليار دولار    بالأسماء، نتيجة انتخابات نقابة المحامين الفرعية بشمال وجنوب أسيوط    ترامب يشكر السيسى علي دوره في حصار غزة والمقاومة ويعد بالتدخل بملف النيل بعد فوات الأوان ؟!    وفاة مسن متأثرًا بإصابته في حريق شقة سكنية بميدان السواقي بالفيوم    النية المبيتة تقود متهمًا للسجن 10 سنوات في قضية شروع في قتل ببورسعيد    مصرع ربة منزل وإصابة زوجها ونجلتها إثر حريق منزل بالبحيرة    قسد تعلن اشتباكات مع الجيش السوري في المنصورة وتضبط عناصر مثيرة للشغب    أكسيوس: إدارة ترامب تمضى فى خطة غزة رغم «اعتراض نتنياهو»    إلغاء التعامل النقدي ولا زيادة في الأسعار.. رئيس هيئة نقل القاهرة يكشف تفاصيل منظومة التذكرة الإلكترونية    زراعة الإسماعيلية تعقد لقاءً ميدانيًّا لحل شكاوى المزارعين بشأن صرف الأسمدة    عمرو الحديدي: منتخب مصر قدم بطولة تفوق التوقعات    حازم طه عبد العليم نقيبًا لمحامي الفيوم بعد منافسة رباعية قوية    الأزهر يُحيي كنوز التراث: "حَلي العاطل" شرحٌ نادر لفقه الشافعية يُزيّن معرض القاهرة للكتاب    الملحن عمرو مصطفى يفوز بجائزة صناع الترفيه الفخرية في حفل Joy award    سليم شوشة: وزارة الثقافة تعمل وفق رؤية وطنية لتشكيل اصطفاف نخبوي وتعزيز دور المؤسسات    ماجد الكدواني يحصد جائزة الممثل المفضل سينمائيًا في حفل Joy Awards ويؤكد: الفن مهنة مقدسة    الممثل الأمريكي فوريست ويتكر يفوز بجائزة الإنجاز مدى الحياة حفل Joy award    فوائد مذهلة للجنسنج تدعم الجسم والعقل    صحه شمال سيناء تبحث رفع كفاءة منظومة قطاع الرعاية الأساسية بالمحافظة    لماذا ينصح الأطباء بتناول الزنجبيل؟    التفاصيل الكاملة لمصرع طالبة سقطت من الطابق الرابع بالتبين    أمم إفريقيا - أبو زهرة: خسرنا من السنغال لأسباب فنية فقط.. وهذه تفاصيل حديثي مع صلاح    توتنهام يدرس إقالة مدربه عقب الخسارة أمام وست هام يونايتد    حازم طه نقيبا لمحامي الفيوم للمرة الثانية    السفارة الأمريكية بالقاهرة تطلق سلسلة برامج عن الذكاء الاصطناعى.. صور    نتيجة انتخابات نقابة المحامين بكفر الشيخ    محمد علي خير يوجه رسالة للمغتربين: لا تتركوا أبناءكم وحدهم    محمد علي خير عن وفاة 5 أشقاء اختناقًا بالغاز: "كارثة بكل المقاييس"    هاني هلال: الشراكة المصرية اليابانية نموذج ملهم لبناء الإنسان    وفاة رجل الأعمال طاهر القويري الملقب بملك الشمعدان    عادل عقل: ظهور متميز للتحكيم المصري بأمم أفريقيا 2025 بالمغرب.. فيديو    حسنى عبد ربه: محمد صلاح قدم أقل مستوياته فى أمم أفريقيا بسبب الضغوط    الشباب السعودي يستنكر الأخطاء التحكيمية عقب الخسارة من النصر    الصحة: تقديم أكثر من 1.3 مليون خدمة طبية بشمال سيناء خلال 2025 وتطوير واسع للمنشآت الصحية    خبير مائي يفجر مفاجأة: إثيوبيا قادرة على إحداث «فيضانات صناعية» ب نهر النيل    صحة الفيوم تحصد المركز الأول بجراحات القلب المفتوح والثاني في جراحات الأورام جمهوريا لعام 2025    دار الإفتاء المصرية: إيذاء النفس باسم اختبار الصداقة محرَّم شرعًا ومخالف لمقاصد الشريعة    الإسراء والمعراج رحلة النور والحق..بقلم:الشاعر محمد فتحى السباعى    تفاصيل مكالمة الرئيس السيسي للبابا تواضروس.. اليوم    غدا.. دار الإفتاء تستطلع هلال شهر شعبان لعام 1447 هجريا    قمة إنجليزية بنكهة نارية.. مانشستر يونايتد يواجه مانشستر سيتي في ديربي يحبس الأنفاس بالدوري الممتاز    فتنة هذا الزمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صانع «الشكمجية»: النور مكانه في القلوب «تقرير مصور»
نشر في فيتو يوم 20 - 09 - 2016

يومًا تلو الآخر يتلقى البسطاء من أبناء هذا الوطن الصفعة تلو الأخرى من حكومة تؤكد سياستها أن شغلها الشاغل أصبح تحميل الفقراء ما لا يطيقون، إلا أن "ملح الأرض" يأبون أن يذوبوا في أنهار الظروف الصعبة التي تحيق بهم، ويقفون بصلابة ليشعلوا شمعة يضئ شعاعها الخافت نفق حياتهم الذي أظلمه ارتفاع جنوني لأسعار المنتجات والسلع الحيوية وتدني المستوي المعيشي وتراجع في كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية.
داخل غرفة صغيرة لا تزيد مساحتها عن الثلاثة أمتار في جبل «زرزارة» أو «تبة فرعون» بمنطقة الدويقة؛ اعتاد حسن أحمد، صاحب الثمانية والثلاثين عامًا، الجلوس لساعات متواصلة تاركًا أنامله تداعب قطعة خشبية صماء، أتقن منذ الصغر نقشها ثم تطعيمها بالفضة ليبدل سكونها الموحش إلى حروف ورسومات ترقص أعين عشاق الجمال فرحًا عند لقياها.
"حسن النقاش"؛ هكذا يلقب أهالي زرزارة صانع الصدف، فهم يعرفون أنه أحد أمهر المتخصصين في هذه المهنة، ويفتخرون بقدرته الفائقة على تصنيع ذلك الصندوق الخشبي المعروف ب"الشكمجية"، ويحفظون عنه أغنية الفنان مدحت صالح التي لا يمل من ترديدها "النور مكانه في القلوب".
"حسن" يعشق صناعة الصدف، للحد الذي جعله يأتي بمن يقطتع له 3 أمتار من الغرفة ذات الأمتار العشرة التي تأويه وأطفاله الثلاثة وزوجته؛ ليشيد له ورشة يمارس بداخلها مهنته الأحب؛ واصفًا هذا الفعل بقوله: "الورشة دي شعاع الأمل اللي مخليني صابر على الحياة غير الآدمية اللي إحنا عايشينها.. لما الدنيا بتضيق بجري على الورشة وأمسك حتة خشب وأقعد أنقشها وأطعمها بالفضة؛ في اللحظة دي بس بنسى كل همومي وبحس إني طاير في ملكوت تاني وبقعد أغني بعلو صوتي: النور مكانه في القلوب.. أحضن خيوط شمس الغروب.. يا تكون أد الحياة.. يا تعيش وحيد وسط الدروب".
"صانع الشكمجية"؛ يسرد تفاصيل وقوعه أسيرًا في شباك عشق هذه المهنة بقوله: "والدي علمني الصنعة دي وأنا عندي 10 سنين، وكانت أول جملة قالهالي وإحنا في الورشة اللي كان شغال فيها في خان الخليلي: لو عايز تتعلم المهنة؛ خلي روحك هي اللي تنقش وتطعم قبل إيدك، وإلا ما فيش حد هيشوف جمال صنعتك، أوعى تخلي الحياة اللي عايشنها تقتل روح الفنان جواك؛ خلي الفقر والحرمان دايمًا دافع للنجاح، وبالفعل عملت بنصيحته ولما لقيت نفسي بقدر أحول الخشب والمعدن لتحفة فنية تخصصت في صناعة الشكمجيات".
"حسن".. كان يقطن مع زوجته وأبنائه الثلاثة، في منزل مستأجر بجوار مسكن والده بمنشية ناصر؛ وحين ساءت ظروفه المادية اضطر إلى تركه والاستقرار داخل غرفة تبلغ مساحتها 10 أمتار؛ واصفًا السنوات الأربعة التي مرت عليه منذ إقامته في هذا المكان بقوله: "أول ما قامت ثورة يناير السياحة اضربت وحركة الشغل وقفت، وقعدت في البيت عواطلي لمدة سنة، وإخواتي اتحملوني كتير وفي الآخر لما حسيت إن الحال مش هيتظبط أخدت مراتي وعيالي وجينا أخدنا أوضة هنا.. كان نفسي أسكنهم في أي مكان تاني بس أعمل إيه ما باليد حيلة".
"صانع الشكمجية"؛ يلخص مطالبه من الحكومة بقوله: "مش عايز أشوف ولادي زيي، أنا مش طالب أكتر من أربع حيطان يحسسوا ولادي إنهم بني آدمين.. ليه يلعبوا في التراب ويشوفوا الزبالة في كل مكان؟ ذنبهم إيه يناموا كل ليلة وهما مرعوبين من التعابين؟ نفسي يتعلموا ويعيشوا حياة كريمة وما يشفوش اللي أنا شوفته".
على بعد أمتار من "صانع الشكمجية"، تراه واقفًا ممسكًا بورقة دغدغ بياضها حروف مصيره المحتوم.. شفتاه موصدتان ترفضا أن تسمحا لأثير الكلمات بالوصول إلى الأذان ويكفي أن تنظر في عينيه لتعرف ما ألم به وتدرك أن القدر يأبى أن يكون رحيمًا به، ويرفض أن يتركه ومعاناة مقاومة ثقل جبال الفقر التي حطت فوق كاهله، ومرار العيش داخل غرفة لا تصلح للحياة الآدمية، وأصر أن يبتليه فوق كل هذا بمرض أنهك جسده النحيل واختطف من فوق وجنتيه الابتسامة، وبدل ريعان شبابه بكهولة احتاج معها "سيد ثابت" - ذلك الشاب الذي لم يكمل ربيعه السابع والعشرين - لمن يأخذ بيده ويرعى شئونه.
"سيد ثابت"؛ "صنايعي" أدوات منزلية، كان يواصل الليل بالنهار في عمله داخل إحدى الورش بمنطقة منشية ناصر، ليوفر لزوجته التي ارتبط بها منذ عام حياة كريمة، وفجأة وبعد مرور أربعة شهور من زفافه توقفت عقارب الزمن، وسقط مغشيًا عليه وحين أفاق وجد نفسه داخل مستشفى غير مصدق لتلك الكلمات التي ينقلها له الطبيب: "أنت مصاب بفشل كلوي وللأسف في مرحلة متأخرة؛ ومش هتقدر تشتغل تاني، ولا تمارس حياتك بصورة طبيعية".
"سيد"؛ أصيب بهذا المرض اللعين، جراء تراكم السموم داخل جسده نتيجة المياه الملوثة التي يشربها في مسكنه بمنطقة جبل زرزارة – وفقًا لما أثبتته نتائج الفحوصات والتحاليل التي أجراها له الأطباء - وأصبح منذ سبعة شهور عاجزًا عن القيام بأي شيء سوى الحركة الخفيفة خارج جدران غرفته، وبات معتمدًا في توفير نفقات حياته على المساعدات التي يقدمها له أهل الخير.
"سيد".. كان على موعد مع السعادة ولكنه تأجل إلى الأبد، ففي الوقت الذي علم فيه أن زوجته حامل في الشهر الأول، وشعر أن ضيق غرفته في زرزارة أصبح فضاء رحبًا، صعقه نبأ مرضه وتبدلت ملامح وجهه الشاب إلى شيخ بلغ من العمر أرذله؛ وصار مشغولًا بشيء آخر يصفه في قوله: "مراتي سافرت لأهلها في المنيا عشان تولد، وأنا مش عارف مين اللي هيرعي ابني بعد ما بقيت عاجز عن الشغل ومش قادر حتى أوفر مصاريفي أنا ومراتي".
"سيد".. أصبح فاقدًا لمصدر الدخل، وغير قادر على العمل، وهو ما دعا جيرانه وأهل الخير إلى جمع مبلغ مادي له وإقامة كشك صغير يعينه على توفير قوته هو وزوجته، إلا أن مسئولي حي منشية ناصر لم يتركوه وحاله وسارعوا بإزالة الكشك بحجة أنه مخالف لاشتراطات البناء، ولم يوافقوا على بنائه مرة أخرى إلا بعد تجمهر الأهالي أمام مقر الحي.
"سيد".. يوجه صرخة للمسئولين، يناشدهم فيها بكلمات ممزوجة بالدموع: «أنا عارف إن الشكوى لغير الله مذلة؛ بس ياريت ما تبقوش أنتوا والمرض عليا، أنا مش عايز غير شقة في أي مكان بعيد عن هنا؛ وأي مشروع أعيش منه.. جيراني جمعوا مع بعض وبنولي دكانة وأهي مقفولة من يوم ما اتبنت لأني مش معايا فلوس أجيب فيها بضاعة؛ وحتى المعاش مقدم عليه من 6 شهور وما فيش حد راضي يسأل فيا أو يعبرني.. في طفل جاي في الطريق ياريت ما تحكموش عليه يعيش جوه سجن الفقر طول عمره».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.