سلاحه «الكلمة» ولا شيء غيرها؛ لتبقى جذوة المقاومة مشتعلة في مواجهة الفساد، صمام أمان أمام سارقى أحلام الشعوب.. إنه «الصحفي» المشتبك دومًا مع الخطوط الحمراء لتعرية عفن الواقع، وزد على ذلك إذا ما كانت كتاباته ساخرة فإنه يسلط قلمه على قلاع الفساد ليدكها ويفقع بالونات التفخيم التي تصنعها حولها، ويشخّص أمراض المجتمع ويسعى للتخلص منها ليصير الوطن أنقى، إلا أنه يواجه مصير «سيزيف» حين تجرأ وتحدى الآلهة وعلم البشر سر النار فعوقب بحمل «الصخرة» بينما النسور تنهش كبده كما تقول الإسطورة. أكثر من كاتب ساخر لم يستطيعوا السكوت عن الفساد والقهر فقاوموه بالسلاح الوحيد الذي يجيدونه، وهو السخرية، فطاردتهم الملاحقات القانونية وانتهى بعضهم بأن أصبحوا من «أصحاب السوابق»، ومنهم من انتصر له القضاء، كالشيخ عبد العزيز البشرى حين كتب مقالًا اتهم فيه رئيس الوزراء –وقتئذ- حضرة صاحب الدولة أحمد زيور باشا اتهمه بالخيانة، وبأنه باع مصر للأعداء، وسخر الشيخ عبد العزيز البشرى من رئيس الوزراء قائلا: «وبالرغم من خيانة رئيس الوزراء فإننى أعترض على محاكمته، لأن في هذا ظلم لرئيس الوزراء، لأنه ليس شخصا واحدا، ولكنه عدة أشخاص، ولا يجوز محاسبة كتفه بما جناه رأسه، ولا يمكن محاكمة بطنه على جرم ارتكبه فخذه». وبالرغم من ذلك حكمت محكمة جنايات مصر برئاسة عبد العزيز باشا فهمى ببراءة الشيخ عبد العزيز البشري، وجاء في حيثيات الحكم: أن الرجل العام وعلى الأخص الذي يتولى مسئولية عامة يكون عرضة للنقد وبالأسلوب الذي يراه الكاتب مناسبا كذلك. وتكررت الواقعة مع بيرم التونسى حين كتب بالخط العريض على صدر صحيفة المسلة التي هي لا جريدة ولا مجلة «ملعون أبو المحافظ»، وهو ما اعتبره محافظ القاهرة حينها سبا وقذفا ولاحقه قانونيًا إلا أن محكمة جنايات مصر قضت ببراءة بيرم التونسى من تهمة سب المحافظ، لأنه لم يقصد سب محافظ القاهرة، ولكنه كان يسب المحافظ -جمع محفظة- التي سرقها النشال ومعها نقوده. شيخ الساخرين محمود السعدنى أكثر من ذاق ويلات السجن، إذ كان يعتبره الرئيس أنور السادات مسحوبًا من لسانه وتم استهدافه في قضية مراكز القوى الشهيرة لأنه قال في التقرير المرفوع للسادات «ربنا يولى من يصلح» فاعتبره متآمرا على قلب نظام الحكم، وبالإضافة لذلك كانت له صولات وجولات أمام المحاكم إذ ذكر في مقاله «مرحبا أيها السجن»: «... قدمت لمحكمة الجنايات في قضية قذف ضد رئيس مجلس إدارة مؤسسة السينما، وكنت قد اتهمت القائمين على المؤسسة بسرقة أموال الدولة وتهليبها، وكان على رأس المؤسسة رجل يدعى تركى انتقل إلى رحمة الله وتساءلت في المقال «هل هو تركى فعلا؟ أم أنه مجرد اسم مثل بقلظ وزقلط وباعتبار أنها مجرد أسامى والأسامى ببلاش»، ويومها قال شيخ المحامين المصريين وعمدة خبراء قضايا النشر عمنا الدكتور محمد عبد الله «إنه شيء مؤسف للغاية أن يكتب كاتب ساخر في العشرينيات هو الشيخ عبد العزيز البشرى يتهم رئيس وزراء مصر بالخيانة ويحكم عليه بالبراءة وأن يسخر كاتب ساخر آخر في السبعينيات من رئيس مؤسسة السينما فنحكم بحبسه مع الحرامية واللصوص وتجار المخدرات.. إلى أين نحن ذاهبون يا حضرات المستشارين العظام؟ وما هو المصير الذي ينتظرنا جميعا إذا تعقبنا كل صاحب قلم وكل صاحب رأي، ودفعنا بهم إلى السجون». وفى ذات المقال يقول السعدني: «كتب العبد لله مقالا عن الفريق محمد حيدر باشا في مجلة «كلمة ونص» والتي كان يرأس تحريرها الأستاذ مأمون الشناوي، وبعد أن هاجمت حيدر باشا هجوما شديدا ختمت المقال قائلا: «ويعتبره الخبراء العسكريون واحدا من ألمع جنرالات الحرب في العالم، وعلى رأسهم جنرال إلكتريك وجنرال موتورز» ومع ذلك حكمت المحكمة ببراءة العبد لله من تهمة القذف في حق القائد العام محمد حيدر باشا».