واصلت كغيري متابعة قصة تيران وصافيناز.. شيء يلخبط.. قصدي تيران وصنافير.. ولأن الشيطان يكمن في الصنافير يادي النيلة السودا أقصد لأن الشيطان يكمن في التفاصيل والصداع أيضًا، فقد آثرت التوقف والعزلة؛ لأن التجديف في الموضوع خَلَّفَ مرارات طَغَت على خواطر عضم التربة والعيش والملح والأخوة بيننا وبين السعودية. قررت الفرار من الصداع والمرارة، بتصفح بعض المقالات التي احتفظ بها لعلها تلطف مشاعري، فسقطت في قبضة المخابرات، إذ كان أول مقال عن التحولات الجذرية التي طرأت على تلك الأجهزة في السنوات الأخيرة، وأهمها انهيار قدسية السرية والغموض، حتى صار عملها كما يقول المصريون "على عينك ياتاجر". المقال الثاني حول كتاب اعتماد خورشيد "شاهدة على انحرافات صلاح نصر" مدير المخابرات أيام عبد الناصر، الذي حكت فيه أبلتي اعتماد عن تفاخر صلاح نصر بتلاعبه بعبد الناصر بحيث لا يستطيع التحرك إلا بكلمة منه. بمناسبة التلاعب بالزعماء.. استدعيت من قاع الذاكرة واقعة ضاعت أغلب تفاصيلها وأسماء أبطالها الدقيقة، لكنها مازالت حاضرة بخطوطها الرئيسية وهذا ما يهم فيما أقصده.. هي حكاية رجل مخابرات من طراز رفيع المستوى، كان محل ثقة زعيم الحزب الاشتراكي الحاكم بدولة صغيرة كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي القديم قبل سقوطه.. احتل رجل المخابرات عقل وقلب الزعيم حتى صار الآمر الناهي والمنظِّم لجدول حياته بأكمله، لكن سرعان ما نجحت الوشايات في خلخلة ثقة الزعيم برجل أمنه الأول.. الأمر الذي حدا بالأخير إلى اتخاذ قرار سريع بأن يتغدى بالزعيم قبل أن يتعشى به، بخطة جهنمية. الزعيم كان على دين الزعماء الاشتراكيين لا يسكن في قصر، وإنما في شقة بعمارة كالجماهير "من باب الأونطة بالطبع".. الخروج والدخول للعمارة وتأمينها كان مهمة رجل المخابرات إياه.. تسلل الرجل تحت سلم المدخل، وزرع أجهزة بساعة توقيت تصدر همسا وهمهَمَة توحي بأن هناك من يختبئ لأمر خطير.. ذات ليلة محددة حان وقت تشغيل الأجهزة، وسمعها رجال الحراسات بالعمارة، فأعلنوا الطوارئ وأبلغوا الرجل الكبير وهو بصحبة الزعيم في طريق العودة للعمارة ليلا.. على الفور أوقف الرجل الموكب، وأمر بقطع الكهرباء عن الشارع والشوارع المحيطة بالعمارة، واستدعى فريق مطافئ محترفا. عقد الرجل اجتماعا مع خلية الأزمة لإيجاد ممر آمن غير البوابة، يضمن وصول الزعيم إلى شقته بالطابق السادس من العمارة، وأوهمهم باستحالة عودة الموكب لأنه الطريق الوحيد لخط السيراليومي، وربما يكون فريق الاغتيال قد نصب كمينا في طريق العودة المحتمل.. وأمر رجال المطافئ بربط حبل سميك في عمود خرساني فوق سطح عمارة مواجهة لعمارة الزعيم، وأن يتولَّى هو ربط طرف الحبل الآخر في حديد بلكونة الزعيم، ثم وقف انتباه أمام الزعيم ليقول له: سيدي الرئيس نحن أمام مسئولية تاريخية ووطنية بالغة الخطورة، حياتك هي الأهم ودعنا ننفذ خطة التليفريك.. ثم طلب منه أن يخلع ملابسه ويبقي بالغيار الداخلي فقط من باب التمويه.. وبدأ تنفيذ الخطة. وضعوا الزعيم في قُفَّة وطلبوا منه أن يجلس القرفصاء لدواعي الأمن، ثم علقوها من أذنيها بخطاف حديد عند أول الحبل في العمارة المقابلة، ودفعوها حتى اقتربت من البلكونة الأخرى.. في هذه اللحظة أمر رجل المخابرات بإعادة الكهرباء إلى الشارع، وكان السكان قد خرجوا إلى البلكونات والشبابيك ليفاجأ الجميع بالزعيم واقفا بملابسه الداخلية داخل القفة التي لم تصل إلى بلكونة الزعيم في الطابق السادس، وإنما عند حافة بلكونة الطابق الخامس لشقة تقطنها امرأة سيئة السمعة.. وكان رجل المخابرات هو الذي ربط الحبل بنفسه في حديد بلكونة السيدة اللعوب.. وهكذا راح الزعيم في البليلة بخطة التصفية الناعمة.. أقول قولي هذا وأعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق في الأرض وفي السماء وفي أجهزة الدول الاشتراكية!!!