الداخلية تعلن اليوم قواعد قبول دفعة جديدة في معاهد معاوني الأمن 2026    حركة القطارات| 90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 31 يناير 2026    زلزال يضرب أسعار الذهب| تابع الجديد في عيار 21 بعد تراجعه بالأمس    مش اللاعب، من كتب بيان اعتذار إمام عاشور إلى الأهلي وجماهيره؟    نشرة أخبار طقس اليوم السبت 31 يناير| الحرارة ترتفع ورياح مثيرة للرمال تسيطر علي الأجواء    ندوات توعية بقرى المبادرة الرئاسية حياة كريمة بأسوان    غبي ومصاب بمرض عقلي، حوار مهين بين إبستين ووزير أمريكي عن ترامب    رئيسة فنزويلا بالوكالة تعلن عفوا عاما وإغلاق سجن سىء الصيت    اشتباكات مسلحة في مدينة الزاوية الليبية و"دعم الاستقرار" يسيطر على مقرات قوات الدبيبة    227 ضحية في كارثة منجم جديدة تهز الكونغو الديمقراطية    طوارئ في «الجبلاية» لتجهيز برنامج إعداد الفراعنة للمونديال    أيمن أشرف يعلن اعتزاله اللعب    مجلس الشيوخ يوافق على حزمة تمويل مع قرب إغلاق جزئي للحكومة الأمريكية    الرئيس البرتغالي يمنح حاكم الشارقة أعلى وسام شرف ثقافي سيادي    صالون حنان يوسف الثقافي يفتتح موسمه 2026 تحت شعار «العرب في الصورة»    «The Man with the Hat» يضع زاهي حواس تحت عدسة العالم    ديلسي رودريجيز تعلن قانون عفو عام في فنزويلا    مصرع طفل سقطت عليه عارضة مرمى داخل نادى في طنطا    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا يزور رئيس جمهورية بنما    «صوت لا يُسمع».. الصم وضعاف السمع بين تحديات التعليم والعمل وغياب الدعم    موقف الأهلي بعد اعتذار إمام عاشور.. وحقيقة تخفيض العقوبة    عميد طب طنطا يستقبل وفد لجنة الاعتماد بالمجلس العربي للاختصاصات الصحية    قائمة متنوعة من الأطباق.. أفضل وجبات الإفطار بشهر رمضان    تراجع الذهب والفضة بعد تسمية ترامب مرشحا لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي    الحكومة تحسم الجدل: لا استيراد لتمور إسرائيلية ومصر تعتمد على إنتاجها المحلي    تصفية عنصر إجرامي أطلق النيران على أمين شرطة بالفيوم    فيديوهات ورقص وألفاظ خارجة.. ضبط صانعة محتوى بتهمة الإساءة للقيم المجتمعية    القيادة المركزية الأمريكية تحذر الحرس الثوري الإيراني من أي سلوك تصعيدي في مضيق هرمز    مصرع أكثر من 200 شخص في انهيار منجم بالكونجو الديمقراطية    آدم وطني ينتقد تصرف إمام عاشور: ما حدث يضرب مستقبله الاحترافي    أطباء مؤسسة مجدي يعقوب يكشفون أسرار التميز: ابتكارات جراحية عالمية تنطلق من أسوان    الشركة المتحدة تعرض 22 برومو لمسلسلات دراما رمضان 2026 خلال حفلها    عاجل- معرض القاهرة الدولي للكتاب يسجل رقمًا قياسيًا بتجاوز 4.5 مليون زائر خلال تسعة أيام    شوبير يكشف تفاصيل العرض العراقي لضم نجم الأهلي    مصدر من الاتحاد السكندري ل في الجول: حدثت إنفراجة في صفقة مابولولو.. والتوقيع خلال ساعات    هادي رياض: حققت حلم الطفولة بالانضمام للأهلي.. ورفضت التفكير في أي عروض أخرى    مجلس الوزراء يستعرض أبرز أنشطة رئيس الحكومة خلال الأسبوع الجاري    مجدي يعقوب: الطب يحتاج إلى سيدات أكثر ولابد من منحهن فرصة أكبر    أجندة فعاليات اليوم العاشر من معرض الكتاب 2026    اليوم، انطلاق المرحلة الثانية من انتخابات النقابات الفرعية للمحامين    الجوع في البرد يخدعك، كيف يسبب الشتاء زيادة الوزن رغم ارتفاع معدلات الحرق؟    ضبط عاطل بحوزته مواد مخدرة خلال حملة أمنية بمنطقة المنشية ببنها    ضبط تشكيل عصابي تخصص في النصب والاستيلاء على أراضي المواطنين بالقليوبية    حملة مرورية لضبط الدراجات النارية المسببة للضوضاء في الإسكندرية    زيلينسكي: روسيا تغيّر تكتيكاتها وتستهدف البنية اللوجستية بدل منشآت الطاقة    مصرع شاب وإصابة 3 آخرين في تصادم دراجتين ناريتين أثناء سباق بالقليوبية    أمسية شعرية تحتفي بالإبداع والتنوع بمعرض القاهرة الدولي للكتاب    هبوط الذهب عالميًا يضغط على السوق المصرى.. الجنيه الذهب عند 54 ألف جنيه    وزارة «الزراعة»: تحصين 1.7 مليون رأس ماشية ضد «الحمى القلاعية»    فرحة فى الأقصر بافتتاح مسجدين بالأقصر بعد تطويرهما    السيد البدوي يتوج برئاسة حزب الوفد بفارق ضئيل عن منافسه هاني سري الدين    السيسي يكشف الهدف من زيارة الأكاديمية العسكرية    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    حكم صلاة الفجر بعد الاستيقاظ متأخرًا بسبب العمل.. دار الإفتاء توضح الفرق بين الأداء والقضاء    الذهب يتراجع لكنه يتجه لأفضل مكاسب شهرية منذ 1980    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 30يناير 2026 فى محافظة المنيا    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«فقه الواقع».. لا يرفع شعار «كل شىء حلال»

يعتقد البعض أن فقه الواقع إباحة كل شيء، وهذا فهم مغلوط ومغرض، فهناك ضوابط وثوابت وحدود، لا يجوز تجاوزها أو غض الطرف عنها، وقد حمل كتاب «فقه الواقع وأثره في الاجتهاد» لمؤلفه الدكتور ماهر حسين حصوة، على عاتقه مسئولية رسم معالم واضحة لفقه الواقع، بحيث تتمايز ساحته عن بقية الساحات في الجسم الفقهي، وذلك من خلال بيان مفهوم فقه الواقع، وأهميته للاجتهاد، وتأصيله بالاستدلال له من الكتاب والسنة واجتهاد الصحابة والمصادر التبعية، إضافة إلى تبيين أثره في الاجتهاد وبناء الأحكام؛ من خلال التمييز بين النصوص التي يؤثر فيها البُعد الزمانى والمكاني، من النصوص التي تتصف بثبات أحكامها، والأحكام المعللة، وفقه تطبيقها على أرض الواقع من خلال تنقيح المناط وتحقيقه، وعوامل تغير الأحكام الاجتهادية في الواقع، وأثر فقه الواقع في الترجيح الفقهي، وأثره –كذلك- في الحكم والفتوى والقضاء، مع وضع ضوابط للاجتهاد المعاصر في كيفية التعامل مع النصوص الثابتة والواقع المتغير، بنظر الدكتور حمزة عبد الكريم.
يتناول الفصل الأول من الكتاب المعنون ب"فقه الواقع وأثره في الاجتهاد" مفهوم فقه الواقع من خلال تفكيك المصطلح والتعريف بجزئياته، ثم الانتقال إلى المصطلح المركب، ويخلص إلى أنَّ الواقع بوصفه مصطلحًا فقهيًا، لم يكن له وجود، ولم تكن له هُوية واضحة المعالم عند المتقدمين، بيد أن المصطلح ظهر وسطع نجمه عند المعاصرين. ثم ينتقل الباحث إلى الحديث عن المصطلح بشقيه: "فقه الواقع" من جهة التركيب، حيث تنحصر آراء المعاصرين في جهتين؛ الأولى تُعرِّف المصطلح من وجهة نظر سياسية، في حين تقصره الثانية على النظرة الاجتهادية الفقهية، ويخلص الكتاب بعد مناقشة التعريفات إلى أن هذا المصطلح يتكون من جناحين هما: فقه واقع النص، وفقه واقع تطبيق النص؛ إذ إنَّ فقه واقع النص يبيّن الأوصاف المؤثرة التي ذكرت في سياق تقرير الحكم المقتضية إعماله أو عدم إعماله، أمَّا فقه واقع تطبيق النص فيشمل الظروف والأحوال النازلة التي يطالب الفقيه باستكناهها؛ استظهارًا للأوصاف المؤثرة التي يدار عليها الحكم، ومجموع الأمرين؛ أي فقه واقع النص، وفقه واقع تطبيق النص، وهو الذي قصده الباحث بفقه الواقع.
وتظهر أهمية فقه الواقع من خلال النظر في مآلات إعمال هذا الفقه أو إهماله؛ ففهم النص ومعرفته يثمران نضجًا في فهم الدين؛ نظرًا لأنَّ بعض النصوص لا يمكن معرفتها حق المعرفة إلا بفهم السياق، والظروف، والملابسات التي أدت إلى نزولها أو ورودها. يستدل الكتاب برأى الإمام الشاطبي؛ إذ جعل معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجارى أحوالها – في عصر التنزيل- سببًا من أسباب الصواب في فهم القرآن. وتظهر كذلك هذه الأهمية في تطبيق الأحكام، وإنزال النص على الواقع؛ فعمل الفقيه يشبه إلى حدٍ كبير عمل الطبيب؛ ذلك أن الطبيب قبل أن يصف الدواء عليه أن يُشخِّص الداء، ويتعرف إلى حال المريض من جميع جوانبه، كذلك الفقيه عليه أن يحيط بالواقع المراد بيان الحكم الشرعى فيه من جميع جوانبه؛ كى يستطيع إنزال النص المناسب على الواقع، فالفقه الصحيح للنص، في الكتاب والسنة، يقتضى فهم الواقع محل النص في ضوء الاستطاعات المتوفرة.
يمكن القول إنَّ انتهاء الباحث إلى أن هذه القضية هي المعادلة المطلوبة للاجتهاد؛ كى يسترد العقل عافيته، والاجتهاد دوره، والوحى مرجعيته، ويقوَّم الواقع بقيم الدين فهمًا وتنزيلًا.
المسائل المستحدثة
من جوانب الأهمية التي تناولها الكتاب، معالجة المسائل المستجدة؛ إذ يتعين قبل النطق بالحكم في هذه المسائل فَهْم المسألة فهمًا متكاملًا؛ لأنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فاستخلاص الحكم الشرعى للمسائل المنظورة يقوم على ثنائية؛ تتمثل بتحريك النص الثابت والقواعد التشريعية العامة، مع استصحاب لمقاصد الشارع على الوقائع المتغيرة.
هذه العملية تشمل أمرين؛ الأول: استخراج دلالات النص بطرق الاستدلال المعروفة في علم أصول الفقه. والثاني: تكييف الواقعة التي يطبق عليها حكم النص، أي: صياغة الواقعة صياغة قانونية، والتعبير عنها ووصفها حسبما يتجمع لها من خصائص؛ أي من المفاهيم القانونية المطروحة، فهى تعبير فقهى أو قانونى عن الواقعة، وهذا يتضمن تحرير الواقعة الحادثة بتفصيلاتها، ورفعها إلى مرتبة من مراتب التجريد القانوني.
بهذين العملين يلتقى حكم النص الثابت مع الواقع المتغير. واختتم الكتاب جوانب الأهمية في اختبار صحة الفتوى، فلكل حكم فقهى أثر في الواقع قد يكون إيجابيًا؛ إذا كان استخلاص الفتوى جرى وفقًا لقواعد منهجية ضابطة، وقد يحدث خلل في أي مستوى من المستويات؛ فيكون الأثر المترتب على الفتوى أو على الحكم في الواقع أثرًا سلبيًا.
الأركان الأربعة
بنى الكتاب تأصيله لفقه الواقع على أربعة أركان هي:
استقصاء الأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية، واجتهادات الصحابة، ثم الأدلة التبعية، ومن الأدلة التي أوردها الكتاب لتأصيله من خلال آى القرآن الكريم، المنهج التشريعى في القرآن، ومراعاته للواقع إبَّان نزول النصوص، ويظهر ذلك في أمثلة عدة، من أبرزها: التدرج في الأحكام، فلم يكن التشريع الإسلامى بمنأى عن حيثيات الواقع، وقد أخذ بأيدى المكلفين خطوة خطوة؛ ليصل إلى الهدف المرجو، وأكبر مثالٍ على ذلك المنهج التشريعى في تحريم الخمر، الذي سلك الشارع فيه مسلك التدرج في التحريم.
أما السنة النبوية الشريفة فقد كان لمعرفة النبى -صلى الله عليه وسلم- بواقع الصحابة وأحوالهم وتقدير ظروفهم؛ أثر كبير في البناء التشريعي، وجاء الركن الثالث من أركان التأصيل لهذا الفقه من خلال اجتهاد الصحابة، ويجد الكتاب من خلال نظره في اجتهادات الصحابة أثرًا كبيرًا لفقه الواقع، فقد كانوا يتعاملون مع الواقع فهمًا وتنزيلًا للأحكام على هذا الواقع، بما يحقق مقاصد الشارع والمصلحة المرجوة.
أما الركن الأخير في هذا البناء التأصيلى فقد جاء لأدلة اعتبار فقه الواقع من خلال الأدلة التبعية؛ إذ يرى الكتاب أنَّ اعتبار التشريع للواقع عند بناء الأحكام هو الذي حدا إلى وجود الخطط التشريعية التي تهدف إلى التعامل مع الواقع بإنتاجاته المختلفة؛ مما يُعطى المجتهد مرونة منضبطة في التعامل مع النصوص ضمن البعد المقاصدى والمصلحي؛ وهذا يجعل التطبيق الآنى للنصوص مستبعدًا. ولذلك نجد من المصادر التي تعالج الواقع، وتنظر إلى الظروف المحيطة عند الاجتهاد ما يُغنى الشريعة الإسلامية، ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان، ومن هذه المصادر: الاستحسان، والاستصلاح، وسد الذريعة، والعُرف، وهى مصادر تشريعية، أو كما يعبر عنها الباحث بأنها خطط تشريعية تتعامل مع الواقع، وتعالج التطبيق الآنى للنصوص، الذي قد يذهب بحكمة التشريع ومقاصده.
شخصية المجتهد
تناول الفصل الثانى "أثر فقه الواقع في الاجتهاد وبناء الأحكام" فعرض أثر الواقع في تكوين شخصية المجتهد الفقهية، والنصوص التي يؤثر فيها البُعد الزمانى والمكانى في التشريع، ثم الأحكام المعللة بالمصالح والأعراف والذرائع وفقه تطبيقها. ثم عرض عوامل تغير الأحكام الاجتهادية في الواقع، وأثر الواقع في الترجيح الفقهي، وختم الفصل بعرض نماذج لأثر فقه الواقع في الاجتهاد والفتوى.
يسنتطق الكتاب ضمن حديثه عن أثر الواقع في الاجتهاد وبناء الأحكام، الظروف المحيطة بنشأة بعض المذاهب الفقهية، ومدى انعكاس الواقع على فتاوى أئمة المذاهب، أما النصوص التي تتناول أحكامًا تخضع للاجتهاد ضمن البعدين الزمانى والمكانى فقد قسمها الكتاب إلى نوعين: نوع يؤثر فيه البعد الزمانى والمكانى من حيث بقاء الالتزام به، وهو المتعلق بالأفعال الجِبِلِّيِّة المتعلِّقة بالرسول -عليه الصلاة والسلام- كملبسه ومأكله ومشربه، ونوع يؤثر فيه البعد الزمانى والمكانى من حيث التنزيل، وهى النصوص التي تناولت جانب الإفتاء والإمامة والقضاء.
أما المسألة الثالثة وهى الأحكام المعللة بالمصالح والأعراف والذرائع وفقه تطبيقها، فقد بدأ الكتاب بالتأسيس لها اعتمادًا على أن الحكم بِعِلَّتِه وجودًا وعدمًا؛ قدّم للفقهاء منهجية منضبطة في تطبيق الأحكام الشرعية في الأزمنة والأماكن والأحوال المتغايرة. وعلى الفقيه استخراج العلة من النص بطرقه ومسالكه المعروفة، والتحقق من وجود العلة في الفرع المقيس، الذي يراد تطبيق الحكم عليه؛ تحقيقًا لمقصود الشارع من جلب المصلحة ودفع المفسدة. ثم يمضى الباحث إلى الأحكام المبنية على العُرف، التي تتغير بتغير العُرف، فما بُنى من النصوص والأحكام على عُرف زمنى كان قائمًا في عصر النبوة، ثم تغير في عصر لاحق؛ ينبغى أن يعاد النظر فيه بناءً على العُرف الجديد، وقد كَثّف الباحث حديثه في هذه النقطة حول العُرف الحادث وعلاقته مع النص التشريعي؛ لِما للعُرف الحادث من علاقة بفقه الواقع المتغير، الذي يعود على بعض الأحكام بالتغيير.
ثم أفرد الكتاب مسألة الأحكام المعلَّلة بسد الذريعة وتغير حكمها بانتفاء العلة بالبحث؛ لِما لسدّ الذريعة من أهمية في الاجتهاد، من خلال النظر إلى واقع تطبيق النص، وما سيؤول إليه التطبيق من نتائج تحكم مشروعية الفعل من عدمه عند بناء الحكم الشرعي. وقد استشهد المؤلف لهذا الأصل بجملة أدلة من القرآن والسنة. ثم انطلق إلى مسألة أخرى، وهى عوامل تغير الأحكام الاجتهادية في الواقع؛ فعرض من خلالها تغير الأحكام الاجتهادية بسبب فساد الزمان، وتغيير الأحكام الاجتهادية بسبب التقدم العلمى وتطور الوسائل، وأثر فقه الواقع في ترجيح الآراء الفقهية، ومعنى مراعاة الخلاف، وانتهى بالعوامل التي تؤثر في الاجتهاد الانتقائي.
ثم عرض للفرق بين الحكم الشرعى والفتوى والقضاء، وخلص إلى أن الحكم الشرعى يتضمن الحكم المجرّد، والفتوى والقضاء يُبنيان أساسًا على الواقع، فيجعل الظروف المحيطة بالواقعة عنصرًا أساسيًا في بناء الحكم الشرعي؛ مما يستدعى الاقتضاء التبعى للحكم. وعمل الفقيه والقاضى هنا يكمن في التوفيق بين الحكم التشريعى العام والحكم التطبيقى الخاص، وهذا يحتاج إلى تحقيق المناط العام وتحقيق المناط الخاص، وكل ذلك من صلب العلم بالواقع.
الضوابط
خصص المؤلف الفصل الأخير من هذه الدراسة "ضوابط الاجتهاد في الواقع المعاصر" لمعالجة قضية الضوابط؛ إذ يؤسس الكتاب على ما سبق أن بيّنه في الفصلين السابقين من هذه الدراسة من أنَّ للواقع دورًا كبيرًا في تطبيق الأحكام، وأنَّ الاجتهاد مستمر إلى قيام الساعة؛ ليخلص إلى الحديث عن الضوابط التي تكفل اجتهادًا صحيحًا يراعى الثوابت والمتغيرات، وتكفلُ فهمًا سليمًا للنصوص وكيفية تطبيقها في واقع متغير وفى ظروف متغايرة. ويرى أن الأمر يستلزم تفكيكًا لعناصر الاجتهاد والضوابط التي ينبغى مراعاتها لكل عنصر من هذه العناصر المتمثلة في المجتهد نفسه والشروط الواجب توافرها فيه، وكذا الآلية الصحيحة والضوابط في التعامل مع النصوص في الوقائع المتغايرة، وكذلك الواقعة التي يراد معرفة الحكم الشرعى لها.
أسباب التناقض
يعزو الكتاب التناقض في كثير من الفتاوى إلى عدم وجود المنهجية المتزنة في التعامل مع عناصر الاجتهاد؛ ذلك أن البعض يدعو إلى تحييد النصوص إزاء الواقع الجديد، وبناء الأحكام على مطلق المصلحة في نظره، ومنهم من يغض الطرف عن الواقع برمته ويدعو إلى تطبيق النصوص تطبيقًا آنيًا دون مراعاة المقاصد، ودون فقه الموازنات والأولويات؛ وربما يخرج عن مقصود الشارع، ويؤدى إلى المشقة والعنت المنهى عنه شرعًا.
وبناء على ما سبق فقد تناول الكتاب في هذا الفصل مسألتين؛ الأولى: شروط المجتهد ومحل الاجتهاد، والثانية: الضوابط التي ينبغى للمجتهد أن يراعيها في فقهه للنصوص في ظل الواقع المتغير. وتتكون بنية المسألة الأولى من جزءين، هما: شروط المجتهد، ومحل الاجتهاد وما يتعلق فيه. أما شروط المجتهد فيرى الكتاب أن النصوص الشرعية ثابتة، والوقائع متغايرة، والأحداث متسارعة، ومن ثمّ كان لا بدّ لمن يتصدىّ للاجتهاد في الواقع أن يتحمل هذا العبء، وأن يكون مزودًا بآلية صحيحة في التعامل مع النصوص مبنية على أسس من الاستدلال سليمة؛ ليستخرج مكنونات النص، بما يحقق مقاصده وغاياته وأهدافه. ويستنبط الكتاب شروط المجتهد من خلال بعض النصوص الواردة عن بعض السابقين، كالشاطبى مثلًا، الذي ركَّز على شرط فهم مقاصد الشريعة على كمالها، الأمر الذي يستلزم فهم الجزئيات في ضوء الكليات، ويوجه الاستنباط باتجاه مقاصد الشريعة بما يجلب المصلحة ويدفع المفسدة، وهذا الشرط يؤسس لمنهجية في الاستنباط، لا سيّما في فقه واقع النص، بربط الأحكام بمقاصدها، ومن ثمّ استنباط المناط أو تنقيحه تبعًا لمقصد الشارع.
أما الجزء الآخر في هذه المسألة فهو محل الاجتهاد وما يتعلق فيه؛ إذ يرى الكتاب أن أهمية هذا الضابط تكمن في الاجتهاد المعاصر، بأن يكون الاجتهاد في النص ولو كان قطعيًا مُفسِّرًا؛ وذلك بمعرفة شروط تطبيقه وظروف تنزيله على الواقع العملي، بحيث يستخرج مقصده ويحقق مآربه، وذلك يتطلب فقه الواقع المتعلق بالنصوص وفقه مقاصدها وعللها، ويتطلب فقه الواقع التطبيقى بمعرفة الظروف المحيطة عند التطبيق، وفقه الموازنات والأولويات بقياس النتائج المترتبة عند التطبيق، وهو ما يعبر عنه أصوليًا بالنظر إلى مآلات الأفعال، وجملة ذلك من فقه الواقع.
وفيما يتعلق بالضوابط التي ينبغى للمجتهد أن يراعيها في فقهه للنصوص في ظل الواقع المتغير؛ يرى الكتاب أن الاجتهاد إعمال للنصوص وفحواها ومقاصدها في الواقع، فكيف نستثمر النصوص الثابتة لتؤتى ثمارها ضمن منهجية واضحة تراعى إعمال النصوص وتحقيق مقاصدها، ولا تغفل المتغيرات والظروف المتغايرة، وهى المعادلة التي يؤكد الكتاب ضرورة تفعيلها في ظل الاجتهاد المعاصر، ثم يتوصل إلى ضرورة وجود ضوابط منهجية تتعامل مع النصوص لاستثمار مقاصد النص، وإنزاله من الفقه النظرى إلى الواقع التطبيقى تحقيقًا عمليًا؛ لكون الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وهذه الضوابط هي: فهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في ضوء أسبابها وملابساتها ومقاصدها، وجمع النصوص في الموضوع الواحد مع تعليلاتها، ورد الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات، ثم التمييز بين الجانب التشريعى من السنة النبوية من الجانب غير التشريعي، وكذلك التمييز بين الوسائل والمقاصد في الأحكام، وأخيرًا فهم النصوص في ضوء بعدها الدلالى اللغوى والشرعى والعرفي، واختتم الباحث هذه المسألة بعرض نماذج لبعض الاجتهادات التي لم تراعِ الضوابط المتقدمة.
كذلك يجب فهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في ضوء أسبابها وملابساتها ومقاصدها؛ ويستند الباحث في هذا المقام إلى أنه من حُسْن الفقه للسنة النبوية النظر فيما بنى من الأحاديث على أسباب خاصة أو ارتبط بعلة معينة منصوص عليها في الحديث، أو مستنبطة منه، أو مفهومه من الواقع الذي سيق فيه الحديث. فالناظر المتعمقّ يجد أن من الأحاديث ما بُنى على رعاية ظروف زمنية خاصة؛ ليحقق مصلحة معتبرة، أو يدرأ مفسدة معينة، أو يعالج مشكلة قائمة في ذلك الوقت. ويوضح الكتاب ذلك بكون الحكم الذي يحمله الحديث قد يبدو عامًا ودائمًا، ولكنه عند التأمل يتبيّن أنه مبنيٌ على علة، يزول بزوالها كما يبقى ببقائها. ومن ثمّ لا بدّ لفهم الحديث فهمًا سليمًا دقيقًا من معرفة الملابسات التي سيق فيها النص.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.