«لا مرشحين جدد» في اليوم الثاني لتلقى ترشيحات رئاسة الوفد    رئيس جامعة كفر الشيخ يعقد اجتماعًا موسعًا مع مركز الاستشارات الهندسية    خبراء يتوقعون ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي إلى 5% خلال 2026    اعرف مواعيد وأماكن سيارة المركز التكنولوجى بمدينة وقرى بيلا فى كفر الشيخ    وزير دفاع فنزويلا: عدد كبير من فريق مادورو الأمني قُتل في العملية الأمريكية    المغرب ضد تنزانيا.. إبراهيم دياز يسجل هدف الأسود الأول.. فيديو    الفصائل الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يواصل إغلاق معبر رفح ويصعّد انتهاكاته لاتفاق وقف الحرب    على خطى الكبار.. هاتريك جرسيا يضعه في قائمة استثنائية مع الريال    تشكيل الهلال الرسمي أمام ضمك بالدوري السعودي    تفاصيل صفقة انتقال جواو كانسيلو من الهلال إلى الإنتر    السيطرة على حريق بالطابق الأخير بعقار فى الخانكة دون خسائر بشرية    مصرع شخصين وإصابة آخر في حادث انقلاب سيارة بالسلوم غرب مطروح    تأجيل محاكمة 10 متهمين بخلية التجمع إلى 20 أبريل    آخر تطورات الحالة الصحية للفنان محي إسماعيل    مي عمر: بسرح كتير وأنا بسوق وبعمل حوادث    عاجل- تيسير دخول السائحين وتحسين التجربة السياحية لزيادة الأعداد إلى 30 مليون سائح سنويًا    أشرف سنجر: المواقف الصينية والروسية حقيقية ولا تنسيق مع واشنطن في ملف مادورو    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    "الإفريقي لصحة المرأة" يعقد مؤتمره العاشر بعنوان "تعزيز صحة الجهاز الهضمي للمرأة من البحث العلمي إلى التطبيق العملي"    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    إعلام فلسطيني: آليات الاحتلال تطلق نيرانها صوب المناطق الشرقية لمدينة خان يونس    الشامي: مصر احتضنتني منذ بداياتي.. ومحبتي للمصريين لا توصف    وزير الكهرباء يتفقد مركز خدمة المواطنين ومحطة المحولات بمدينة بورفؤاد    مباشر الدوري الإنجليزي - فولام (0)-(0) ليفربول.. تأجيل انطلاق المباراة    النائب إيهاب إمام: الصحة والسياحة فى صدارة أجندتى البرلمانية    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    حامد حمدان يخوض مرانه الأول مع بيراميدز بعد الانضمام للفريق    لاعب الزمالك السابق يرحل عن أبها السعودي بسبب مستواه    تقارير: الإصابة تنهي مشوار عز الدين أوناحي مع منتخب المغرب فى أمم أفريقيا    هبة عبد الغنى: «رأس الأفعى» سيعيد اكتشافى فى منطقة تمثيلية جديدة    الأنفاق تُنهي أزمة الفكة بمحطات المترو وتوسع خيارات الدفع    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    لليوم الرابع| «البترول» تواصل قراءة عداد الغاز للمنازل لشهر يناير 2025    الإحصاء: 488.82 مليون دولار صادرات مصر من البطاطس خلال 9 أشهر    4 يناير 2026.. البورصة تهوي في أول تداولات 2026    «السبكي» يلتقي نقيب أطباء مصر لتعزيز التعاون في التدريب الطبي المستمر    «التأمين الصحي الشامل» يقر بروتوكولات تعاون مع «المالية» و«البريد» و«فودافون»    هآرتس تتحدث عن انتهاء استعدادات إسرائيل لفتح معبر رفح في الاتجاهين قريبا    عاجل- الرئيس السيسي: نتطلع لاستضافة مصر لكأس العالم في المستقبل    طقس شتوي وسماء مبلده بالغيوم علي شمال سيناء    انطلاق أعمال الدورة 30 لسيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت    وزير الخارجية ونظيره التركي يبحثان سبل دفع العلاقات الثنائية    لا تهاون مع المتاجرة بكبار السن.. غلق 5 دور مسنين غير مرخصة بالإسكندرية تضم 47 نزيلًا وإحالة القائمين عليها للنيابة    موعد إجازة عيد الميلاد المجيد 2026    الداخلية تضبط مخالفين حاولوا التأثير على الناخبين في جولة الإعادة | صور    بالأرقام.. رئيس جامعة قناة السويس يتفقد امتحانات 1887 طالباً وطالبة بكلية علوم الرياضة    محافظ البحيرة: إقبال كثيف من الناخبين يؤكد وعي المواطنين بأهمية المشاركة    وزارة الداخلية تضبط شخص يوزع أموالا بمحيط لجان حوش عيسى    طالبة فقدت وعيها 7 ساعات، إحالة 4 مسئولين بمدرسة في الغربية للمحاكمة بسبب الإهمال    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    «الشروق» تكشف ملامح تشكيل المنتخب أمام بنين    وزارة «التضامن» تقر قيد 6 جمعيات في 4 محافظات    انتظام عملية التصويت في اليوم الثاني لجولة الإعادة بنواب أسوان    الأوقاف 2026.. خطة بناء الوعى الدينى ومواجهة التطرف بالقوة الناعمة    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    التحقيقات: ماس كهربائي السبب في حريق مخزن بمدينة نصر    الصين تطالب الولايات المتحدة بالإفراج الفوري عن مادورو وحل القضية بالحوار    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شروط الإفتاء

يرى كثير من أهل العلم والاختصاص أن لِفقه الواقع مكانة بالغة الأهمية في المنظومة التشريعية، إذ بإبعاده وتغييبه، تتسع الهُوَّة بين مراد الشارع وسلوك وأحوال المكلفين، الفردية والجماعية في ظل عدد من التغيُّرات الجمة التي طرأت على نمط الحياة والسلوك، ما حتم ضرورة التبصر بآليات اشتغال الواقع، وتخرج الكثير من الفتاوى المتشددة والمنفرة التي لا تواكب العصر ولا تتفق مع شمولية الإسلام ورحابة صدره وسماحته، إذ لا يستقيم عقلا وشرعا تنزيل الفهم المجرد لأحكام الإسلام على واقع مجهول، كما يرون أنه لا يمكن إيجاد حلول شرعية لمتغيرات الواقع البشرى وإخضاعه لهيمنة الشريعة، وسلطان الدين، ما لم تتم معرفته على صورته الحقيقية؛ فالتشخيص الدقيق شطر العلاج، ولا يعنى ذلك إيجاد الحلول وتسويغ كل ما أفرزه الواقع، وتبرير ما استقرت عليه أحوال الناس من نظم وأعراف مهما كانت منافية لمنظومة القيم الإسلامية، وأصولها التشريعية؛ إنما القصد بناء الأحكام وصياغتها بعد التمحيص، والتدقيق، والفقه للمحالِّ المراد هديها بما ينسجم مع مقررات الوحى الكريم، ومقاصد الشريعة.
لذلك كان لزاما على أولى الأمر من العلماء الاجتهاد لضبط الصور الواقعية الجديدة للقضايا المستهدفة بالتعديل، والاستصلاح، أو الإلغاء، لأن استنباط الحكم لنوازل مستجدة، كالاستنساخ بأنواعه، أو التأمين بأشكاله، أو الإيجار المنتهى بالتمليك، أو تعاملات أسواق الأوراق النقدية، والبضائع (البورصة)، أو قضايا السياسة الشرعية، وغيرها كثير؛ لا يكفى فيه الإحاطة بالنصوص الشرعية، ولا حتى تتبع اجتهادات أئمة الفقه القديم، وأجوبتهم على مسائل، ونوازل زمانهم؛ بل يلزم فضلا عن ذلك ضبط النوازل على هيئتها الحقيقية، لأن هذا هو المدخل لترتيب الحكم عليها، إباحة أو كراهة أو تحريما...
يقول ابن القيم: «لا يتمكن المفتى ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق، إلا بنوعين من الفهم، أحدهما فهم الواقع، والفقهُ فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن، والإمارات، والعلامات، حتى يحيط به علما. والنوع الثاني، فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر... فالعالِم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه، إلى معرفة حكم الله ورسوله».
وبالموازاة مع النظر إلى النصوص، واستصحاب الأدلة؛ يلزم النظر إلى الواقع وكشف تفاصيله، ليتسنى استنباط الحكم أوَّلا؛ أما تنزيله، وتطبيقه؛ فله ضوابط أخرى وفقه آخر، هو ما يُصطلح عليه بفقه التنزيل.
إن الانفعال بِإقامة الدين فرديا وجماعيا، يستلزم بالضرورة بذل الجهد لإيجاد التكييف الفقهى لما يستجدُّ من الحوادث، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضبط محالِّ التنزيل، وهى الواقع، يقول الإمام الشاطبي: «لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك، أخطأ في عدم اعتبار المناط المسئول عن حكمه، لأنه سئل عن مناط معيَّن، فأجاب عن مناط غير معيَّن».
الربا نموذجا
لنأخذ مثلا مسألة «الربا»، فمن السهل معرفة الحكم الشرعى المجرد للمعاملات الربوية عموما، والاستدلال على ذلك بالنصوص القطعية، ومن السهل أيضا معرفة بعض صور التعامل المحدودة. بالإحالة على الشواهد التي يبدو فيها الأمر واضحا؛ لكن من الصعب، والضرورى في نفس الآن، ضبط جميع الصور الواقعية الجديدة التي يدخلها الربا علنا أو خِلْسة، ما لم تتم الاستعانة بأهل الخبرة والتخصص، أو على الأقل بذوى الدراية الكافية بالمجالات المستهدفة بالتوقيع على أحكامها الشرعية، لأن التصور الخاطئ للوقائع، والأحداث، تنبنى عليه أحكام خاطئة ولا بد، ولذلك قيل: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره».
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: وفقه الواقع يقوم على دراسته على الطبيعة لا على الورق، دراسة علمية موضوعية، تستكشف جميع أبعاده وعناصره، بإيجابياته، وسلبياته، والعوامل المؤثرة فيه، بعيدا عن التهوين والتهويل... إن دراسة هذه الوقائع واجب لابد منه لكل فقيه ولكل فقه في أي باب من أبوابه. والمقصود بالواقع في هذا السياق على رأى الدكتور عبد المجيد النجار: «هو الواقع المتمثل في الوجود المادى للكون، والواقع المتمثل في أوضاع الحياة الإنسانية وأحداثها»، والفقه لا يكتمل، والاستنباط لا يكون مُحْكما، إلا إذا جمع بين فقه الخطاب الشرعي، وفقه الواقع، وفقه تنزيل النص على واقع المكلفين. حينئذ يمكن لِما جدَّ ونزَل، أن يندرج ضمن إطار الوحى وقيومية الشريعة.
يقول الدكتور نور الدين الخادمي: «وتتأكد عملية فهم الواقع في العصر الحالي، حيث برزت للوجود طائفة عظمى من الحوادث والنوازل في مجالات مختلفة، وبخلفيات متنازعة، وَجَدَّت على ساحة الفكر، والسياسة، والاقتصاد، والطب، والأخلاق؛ مشكلات مستعصية ودقيقة لا يمكن الحسم فيها من الوجهة الشرعية، إلا بمعرفة أحوالها، ووقائعها، وخلفياتها، ودوافعها؛ مما يجلِّى حقيقتها ويحرر طبيعتها، ويساعد على إدراجها ضمن أصولها، وإلحاقها بنظائرها، وتأطيرها في كلياتها وأجناسها».
ويحظى فقه الواقع بهذه الأهمية البالغة، لأنه المدخل الرئيس، والبوَّابة التي نلِج منها إلى استنباط الحكم، فقد لا يُؤْتَى الفقيه من جهة ضبط النصوص ثبوتا ودلالةً،ولكنه يؤتَى من جهة تنزيله لتلك النصوص على وقائع وحالات لم تعرف طبيعتها، ولم تُكشف تفاصيلها، فيقع في التعميم، وربما أجاب بأجوبة شمولية لا تمس أفراد الوقائع، وخصوص النوازل التي سئل عنها، لعدم ظهورها له بالشكل الذي يجَلِّى حقيقتها.
فقه الواقع شطر ثان لمنظومة الأحكام
يقول عمر عبيد حسنة في بحث مطول له عن فقه الواقع:»إن فقه الواقع الذي يُعتبر محل التنزيل، يمثل نصف الطريق، أو نصف الحقيقة، التي توقَّف عندها الكثير من الفقهاء في هذا العصر، التي سوف لا تحقق شيئا إذا لم نفهم الواقع، إن فقه الواقع لا يتحصل إلا بتوفر مجموعة من الاختصاصات في شُعب المعرفة تحقق التكامل والعقل الجماعي، حتى إننا لنعتقد أنه الفقه الصحيح للنص في الكتاب والسنة»، وهو ذات المعنى الذي عبر عنه الدكتور القرضاوى بأسلوب أوضح حين قال: «إن فهم الواقع يُعد شطرا ثانيا لمنظومة الأحكام، إضافة إلى النصوص التي لم تأت إلا لتخاطب الواقع، وتتنزل فيه على أحسن حال، وأفضل منهج، وأقوم سبيل، وواجب المجتهد الاطلاع على أحوال زمانه، وإلمامه بالأصول العامة لأحوال عصره، فهو يُسأل على أشياء لا يدرى شيئا عن خلفيتها، وبواعثها، وأساسها الفلسفي، أو النفسي، أو الاجتماعي، فيتخبط في تكييفها والحكم عليها.
ولقد أشار الأئمة إلى هذا المعنى بأساليب مختلفة في الألفاظ والعبارات، مؤتلفة في الغرض والمقصود، يقول ابن عابدين: «فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بين الناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف، والتيسير، ودفع الضرر، والفساد؛ ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذا من قواعد مذهبه».،إلى أن قال:«فهذا كله وأمثاله دلائل واضحة على أن المفتى ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله، وألا يضيع حقوقا كثيرة، ويكون ضرره أعظم من نفعه».
المنقول وحده لا يكفى
وهذا المعنى ذاته، عبر عنه التميمى النجدى بقوله: «من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم، وأمكنتهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية من تطبب للناس كلهم على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم؛ بما في كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل والمفتى الجاهل أضر على أديان الناس، وأبدانهم».
إذن.. هناك معادلة ثلاثية الأبعاد، تتكامل فيما بينها لتُنتج تديُّنا راشدا، قوامه تفعيل الخطاب الشرعى وصياغته صياغة بها السبيل لتنظيم حياة البشر بما يسعدهم في حالهم ومآلهم؛ ومتغيرات هذه المعادلة هي فقه نصوص الخطاب الشرعى في شكلها المجرد بإعمال قواعد التفسير وأساليب الاستنباط وطرائق الاستدلال المبسوطة في مظانها، وفقه الواقع يعنيه بمعرفته على حقيقته كما أسلفتُ قبلُ، وفقه تنزيل النص الخالد على مجريات الواقع المتغير المتجدد باطراد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.