تكشف قصة فلاحي وأهالي عزبة خورشيد التابعة لقرية «طما فيوم بإهناسيا محافظة بني سويف» عن حقيقة أن الفقراء والضعفاء هم الذين دائماً ما تضحي بهم الدولة، بينما لا تعيرهم أي اهتمام في مخططاتها، بما يعنى أن ما يتشدق به المسؤولون من جمل رنانة عن محدودي الدخل أو تحسن معيشة الفقراء لا تهدف إلا لخدمة المستثمرين، أو صناعة مجد سياسي لهذا النظام أو ذاك المسئول، فما يتعرض له فلاحو قرية طما فيوم وما يهدد أهالي عزبة خورشيد ليس الأول من نوعه وهم الآن مهددون بإزالة زراعاتهم وتشريدهم من منازلهم وقطع عن عمد لأرزاقهم. يتسائل فلاحو «طما فيوم» كيف تدعي الدولة العمل على مشاريع مثل استصلاح مليون فدان بينما تزيل ما بادر فلاحون بزراعته واستصلاحه وحولوه بشق الأنفس من صحراء إلى جنة خضراء، فالسياسات الحكومية لا تكتفي بتقاعسها عن توفير فرص عمل بل تحول القوة المنتجة إلى معطلة. فعلى الرغم من أن القانون يعطي الحق فى تملك ما قمنا باستصلاحه من مساحات صحراوية، ويقنن وضعنا بنصوص صريحة بناءً عليها نسدد الرسوم المطلوبة منا إلى هيئة أملأك الدولة باستمرار لإثبات الجدية وصدق النوايا، إضافة إلى تسديد فواتير المياه والكهرباء التى تم توصيلها إلى المنازل بجهودنا الذاتية، إلا أننا فوجئنا على حد قول الفلاحين بقرارات هيئة التعمير والاسكان، بتجريف أراضيهم وتدمير شبكة الري وكذلك هدم المنازل بدعوى وجودها داخل كردون مشروع مزعوم يسمى ب«مدينة الفيوم الجديدة». ويضيف الفلاحون أن المنطقة محل النزاع تقع ضمن كردون محافظة بني سويف، ولا علاقة لمحافظة الفيوم بها على الإطلاق، بل إن هناك مساحات واسعة من الأراضي الجرداء تحد الكردون المزعوم من الاتجاهات الثلاثة الأخرى ولم يقربها المسؤولون ولم يدعو أنها معتدى عليها لمجرد أن فوق هذه الأراضى لافتات تدعى ملكيتها ل"اللواء فُلان" و"المستشار علان"، وغير معلوم كيف حصلت هذه الأسماء الكبيرة التي ليس لها علاقة بالفلاحة ولا الزراعة على مثل هذه الأراضي التي لم يدق فيها فأس منذ عقود طويلة، ويجري علناً "تصقيعها" تحت حماية أسماء كبيرة لبيعها في المستقبل بأضعاف مبالغها. وجمعت الدولة رسومًا وأموالاً من الفلاحين والأهالي لسنوات طويلة وحتى قبل أن يجنو من أرضهم ثمرة أيي جهد أو كدح قاموا به طيلة السنوات الفائتة، بعدها قامت هيئة الإسكان والتعمير باختيارأفقر المزارعين بالمنظقة، وأصحاب أصغر مساحة لتطالبه بتجريف زراعته، غير مبالية بحق الفلاح حصد عرقه وعرق أبنائه على مدى دورات زراعية كاملة. وبرغم بقاء أيام قليلة على جمع المحصول، دون سابق إنذار وبأسلوب انتقامي فج، لم ترحم لجنة التجريف توسلات الفلاحين، ومطالباتهم لها بمنحهم فرصة على الأقل لحين جمع المحاصيل، ليتمكنو من الوفاء بديونهم التي استدانوها قبل زراعة الأرض، ولم تكتف هيئة التعمير بذلك بل قامت بتدمير شبكة الري التي أنشأها الفلاحون بعرقهم على مدى سنوات، وادخروا فيها حصيلة أعمارهم، أيضا ما يكشف سوء النية تجاه فلاحى «طما فيوم» هو تخلي الهيئة عن إرسال قرارات الإخلاء والإزالة لبقية المستفيدين المجاورين لهم وهم بالفعل مخالفون لكنهم تحت حماية أسماء نافذة وتتمتع بالسلطة. كانت هجمة لجنة التعمير على الفلاحين مباغتة، لكنها لم تحقق ما أنتوته، وكشفت عن تضامن اجتماعى واسع مع فلاحي طما فيوم وعزبة خورشيد، فعزموا على أن يقوموا مجتمعيين بزراعة المساحة المجرفة، في مشهد يبعث برسالة قوية بأنهم لن يسمحوا بحصول ذلك مرة أخرى، عازمين على عدم ترك أراضيهم ولا مساكنهم مهما كانت العواقب، موضحين أنهم لا يملكون مصدراً للرزق ولا مأوى للمعيشة، سوى تلك الأراضي، وإن حياتهم ستنتهي بانتهاء علاقتهم بهذه الأراضي، ولذلك ليس أمامهم سوى المقاومة، والوقوف في وجه من يحاول أن يفقدهم حياتهم. وقرر المزارعون وأهالي القري المجاورة، التكاتف والوقوف يدا بيد واستعمال كل الوسائل المشروعة، في الدفاع عن حقهم في الحياة والعمل اللائق، مطلقين حملتهم ضد التجريف.