الانتصار الحقيقى لا يحتاج إلى طبول، ولا ينتظر وثيقة شكر من الحلفاء، وإنما يكشف عن نفسه حين يخرج الخصم من حصونه ليعترف بما حاول إخفاءه. وهذه المرة لم يأت الاعتراف على لسان محلل سياسى أو شاهد عابر، بل من قلب المؤسسة التى صاغت طوال تاريخها أخطر خطط العبث بالمنطقة؛ جهاز المخابرات الإسرائيلية. فمن بين صفحات كتابه الجديد، يكشف يوسى كوهين، رئيس الموساد السابق، تفاصيل خطة جرى إعدادها بعناية لنقل مليون ونصف مليون فلسطينى من قطاع غزة إلى سيناء عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، باعتبار التهجير «حلا مؤقتا» يهدف كما زعم إلى تقليل الخسائر المدنية. هذه الاعترافات لم تكن مجرد تدوينات فى كتاب، بل وثيقة رسمية من داخل عقل الاحتلال الإسرائيلى، تقر بأن مشروع التهجير كان قرارا استراتيجيًا مكتمل الأركان، حظى بقبول سياسى داخل تل أبيب. والأخطر أن رئيس الموساد نفسه يؤكد أنه كان المسئول عن تسويق الخطة دوليا، وأن عدة عواصم طُرقت أبوابها فى محاولة لإضفاء «غطاء أخلاقي» على عملية تهجير كانت ستعيد رسم خريطة المنطقة، وتنسف أى إمكانية لقيام دولة فلسطينية فى المستقبل. لكن كل هذه الخطط اصطدمت بجدار واحد اسمه مصر؛ التى خاضت خلال العامين الماضيين معركة سياسية معقدة، ليست فقط للدفاع عن أمنها القومى، بل لحماية هوية شعب كامل كان يراد أن ينتزع من أرضه بحجة إنقاذه. معركة استنزاف حقيقية، دارت فى الكواليس، والدوائر الدولية، والمفاوضات، والاجتماعات المغلقة، ووسط ضغوط اقتصادية وإقليمية لم تتوقف لحظة. ورغم هذا، كان الموقف المصرى، الرسمى والشعبى، واضحا لا يتغير.. لا تهجير، لا توطين، ولا قبول لأى مقترح يمس سيادة الدولة أو يفرغ القضية من مضمونها. وفى خضم هذه المواجهة الشرسة، ارتفعت أصوات شاردة، ونوايا مغرضة، عن أن القاهرة قد ترضخ تحت ضغط اقتصادى، أو تقبل باقة مالية مقابل تمرير المشروع. البعض ظل يردد هذه الظنون رغم عشرات البيانات والتحذيرات المصرية التى أكدت أن أمن سيناء ليس موضوعا قابلا للمساومة، وأن القضية الفلسطينية ليست ورقة للبيع أو للمقايضة. ومع ذلك، بقيت بعض الأصوات الشاردة تردد ما تتلقفه من منصات مشبوهة، كأنها تتمنى أن يتحقق ما يعجز العدو نفسه عن تحقيقه. واليوم، حين يأتى الاعتراف من الجهة التى ابتكرت الخطة، وحاولت تنفيذها، وواجهت الرفض المصرى وجها لوجه، يصبح الصمت هو الرد الوحيد على من شككوا، والسجال بلا معنى. فها هو الخصم يعلنها بوضوح.. مصر هى من أغلقت الأبواب، ومصر هى من أسقطت مشروعا كاملا، ومصر هى من أفشلت مخططا كان سيغير موازين المنطقة لعقود طويلة. ليست هذه مجرد واقعة سياسية، بل فصلا جديدا فى تاريخ طويل من الصلابة المصرية. فمنذ 1948 وحتى اليوم، لم تتغير عقيدة القاهرة؛ حماية الأراضى العربية جزء من حماية الأمن القومى المصرى، وليس مجرد تضامن عاطفى أو موقف موسمي. ولذلك، لم تتعامل مصر مع خطة التهجير كتهديد خارجى فحسب، بل كاعتداء مباشر على جغرافيتها وكرامتها ودورها التاريخي. سيناء ليست أرضا تنقل إليها أزمات الآخرين، ولا مساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط الاحتلال. والدرس الأهم فى هذه اللحظة أن السيادة لا تحمى بالشعارات، بل بالثبات. وأن الدول الكبرى ليست تلك التى ترفع صوتها، بل التى تحافظ على ثوابتها مهما تبدلت الظروف. لقد حافظت مصر على موقفها فى أسوأ لحظات الحرب، حين كان العالم يغض الطرف عن جرائم الاحتلال، وحين كانت غزة تقصف بلا توقف، وحين كان الضغط الدولى يلمح أن «التهجير المؤقت» حل عملى يمكن التفكير فيه. ومع ذلك، لم تتردد القيادة المصرية فى أن تقول «لا» فى وجه العالم كله. ولولا هذا الرفض، لكانت غزة اليوم بلا شعب، ولأصبحت سيناء محطة انتظار جماعية لشعب جرى اقتلاعه من جذوره. تماما كما أرادت الخطة. لكن مصر أفشلت كل ذلك قبل أن يتحول إلى أمر واقع. إن أخطر ما كشفه كوهين ليس تفاصيل الخطة، بل اعترافه الضمنى بأن القاهرة كانت العقبة الوحيدة التى لا يمكن القفز فوقها. وهذا وحده يكفى ليفهم حجم ما كانت تواجهه الدولة المصرية طوال هذه الفترة، ويكفى ليؤكد أن ما تم هو انتصار سياسى كامل الأركان، تحقق بلا ضجيج، وبلا شعارات، وبلا صفقات. لا نحتفى اليوم باعتراف العدو من باب التفاخر، بل من باب توثيق الحقائق.. أن السيادة لم تمس، وأن سيناء ليست ساحة بديلة، وأن الفلسطينيين باقون فى أرضهم، وأن القاهرة كانت وستظل صمام أمان المنطقة. وفى زمن تتبدل فيه المواقف، يبقى الثبات فى حد ذاته نوعا من البطولة. إن المعركة لم تنته، والقضية الفلسطينية لم تغلق ملفاتها، لكن ما حدث خلال العامين الماضيين يثبت أن هناك خطا أحمر اسمه مصر، لا يسمح بتمرير خطط تكتب فى الغرف المغلقة على حساب شعب، أو على حساب أرض، أو على حساب تاريخ. نعم.. الانتصار الحقيقى يأتى دائما باعتراف العدو. وقد اعترف.