علي مدي أشهر كان الخطاب علي الساحة المصرية بشأن قضية حوض النيل يقوم في أغلبه علي منطق انفعالي، ما بين التلويح باستخدام القوي العسكرية لإفشال مخططات دول حوض النيل في إقامة سدود ومشروعات تنموية إلي الصراخ وتبادل الاتهامات حول مسئولية ما حدث.. قليل من الأصوات تبنت منطق البحث عن حل ينقذ شريان الحياة في مصر. يقول الخبراء إن مياه النيل المتدفقة تبلغ 1600 مليار متر مكعب.. لا يتم الاستفادة سوي ب7% فقط منها، وبالتالي فتوجيه الأنظار إلي مشروعات إصلاحية، مثل مشروع قناة جونجلي في جنوب السودان الذي يوفر وحده خمسة مليارات متر مكعب أو غيره في أحراش أفريقيا يضمن استكمال متطلبات دول حوض النيل جميعا.. بل وزيادة..إذن الجانب الاقتصادي التعاوني كفيل بإنهاء الأزمة وتهدئة الأوضاع، وضمان الاستقرار، لكن هناك من لا يريدها أن تحل. الأزمة إذن من صنع الساسة.. سواء داخل حدود تلك الدول (المنبع) أو خارجها..بفعل تدخلات أطراف إقليمية لها مطامع في المياه أو للضغط علي مصر الدولة (إسرائيل) مثلا. وإذا كان سبب الأزمة سياسيا فإن الحلول أيضا لابد أن تكون كذلك.. لن نتكلم كثيرا عن غياب دور مصر الإفريقي، وهو دور كان لامعا في العهد الناصري، بداية بتأسيس معهد البحوث الإفريقية ك"ثينك تانك" مبكراً لرسم سياساتنا في القارة السوداء أو مساندة حركات التحرر، أو حتي استغلال ورقتي الكنيسة والجامعات. لن نعود ونقول إن مصر تقوقعت ودخلت النفق المظلم.. وأننا ندفع ثمن تصرفات خاطئة لنظام طائش، يتعامل وزير خارجيته مع الأفارقة بتعال سياسي.. ذلك كله من قبيل جلد الذات ولا طائل من تكراره.. الكلام أيضا عن تدعيم مالي لمشروعات مشتركة مع دول المنبع غير مجد.. فقد تجاهلت تلك الدول وعودا مصرية بتدعيم سابق مع تبني النظام المصري ما عرف بمبادرة حوض النيل، منذ عام 1999، كما أن اعتمادها علي مياه النيل كمورد مائي _بحسب ملاحظة سابقة لفهمي هويدي_ ضئيل للغاية، (فإذا كانت مصر تعتمد علي 95% من مصادرها المائية علي النيل، فإثيوبيا تعتمد علي النيل بنسبة 1% وكينيا، 2% وتنزانيا 3% والكونغو 1% وبوروندي 5% والسودان 15%). الأوراق السياسية التي تتيح لمصر الضغط لضمان حقوقها التاريخية عديدة، أغلب تلك الدول تتسم بجسد مجتمعي وسياسي رخو وقابل للاختراق، فإثيوبيا التي تمد مصر ب 85% من مائها العذب، وتتولي زعامة الانقلاب علي الحق المصري.. من الممكن اللعب بأوراق سياسية تقلق نظامها وتضغط عليه، ومنها ورقة إريتريا.. الإقليم المنشق عليها والخارج من جسدها منذ بداية التسعينيات عقب حرب استمرت ثلاثين عاما.. وهي دولة يهوي نظامها الحرب ومتمرس عليها وفي حالة عداء دائم مع إثيوبيا.. دعم نظام سياسي أفورقي ورقة هامة للضغط علي النظام الإثيوبي.. وبالمثل استغلال ورقة إقليم أوجادين العربي المسلم، المحتل من قبل النظام الإثيوبي منذ عام 1954 ويعيش فيه أقلية صومالية الأصل، من السهل تبني قضية أوجادين دوليا بدعم عربي.. بل ودعم الانفصاليين فيه سياسيا وعسكريا وممارسة الضغط علي النظام الإثيوبي بتلك الورقة، يمتد الأمر إلي إمكانية الاستفادة من ورقة الأصوليين من تنظيم شباب المجاهدين للضغط علي الداخل الإثيوبي..ولنتذكر كيف تلعب سوريا بورقة شبيهة في العراق، وكيف تلعب أنظمة عديدة بأوراق مماثلة في إيران مثلما يتم مع جماعة جند الله. بل وكيف تلعب إيران بورقة الشيعة بشكل أتاح لها أن تصبح جزءا من كل حل ممكن في العراق وفي لبنان... إثيوبيا كذلك داخلها أقلية مسلمة تمثل 30% من السكان، وهي أقلية مضطهدة، إضافة إلي أن الجسد الإثيوبي غير متجانس ومن السهل الضلوع فيه ولعب دور ضاغط واللغة العربية هي اللغة الرسمية في خمس ولايات من إجمالي 13 ولاية فيها. بنوع من التأني سنلاحظ أوراقاً للضغط يمكن استخدامها في دول المنبع الأخري.. ولنتذكر مثلا أن كينيا مجتمع متعدد الديانات، ومن ثم إمكانية تعدد النفوذ داخله، ففيه 4% من السكان بروتستانت، 33% كاثوليك، 10% مسلمون، كما أن أوغندا يشكل المسلمون فيها ما يقرب من 50% ويعانون من تمييز واضح.. وظروف معيشية سيئة. هذه بعض من الأوراق السياسية المتاحة، والجاهزة لاستغلالها.. في ظل تعقد الخيارات الأخري وذبولها، ونظرة البعض للدولة المصرية باعتبارها أسدا عجوزا لا يملك إلا الوعيد والتهديد الأجوف.