طبعا، لا نقصد الرصاص الحي ولا الخرطوش ولا المطاطي، وليست لدينا خبرة ولا معرفة بأنواع المطاوي والسيوف والبنادق والمسدسات، فكاتب السطور معفي نهائيا من الخدمة العسكرية، ولا يعرف الفرق بين القتل ذبحا والقتل «بإيد الهون»!. غير أننا نعرف رصاصا آخر يقتل الطغاة دون إراقة نقطة دم، إنه قوة الناس حين يجتمعون، وحين يسيل غضبهم في الشوارع، وحين تتحد الأيادي في قبضة روح تسقط عروش الظلم، وحين تخرج الأرض أثقالها، ويودع الناس عصور الخوف، وحين يؤمنون بأن الفعل هو النظرية، وهو كلمة الخلق، وسورة الفاتحة وأم الكتاب. إنه رصاص الثورات السلمية المستعدة لتقديم التضحيات علي مذبح الحرية، وقد ثارت مصر، ولا تزال تثور طوال خمسة عشر شهرا مضت، نزعت عنها أكفان أهل الكهف، وخرج شبابها وشاباتها إلي كتاب الحياة، وأطاحوا بالرأس العفن لنظام أكثر عفونة، ويواصلون المعركة الدامية مع نظام الانحطاط والاستبداد والفساد والنهب والتبعية للأمريكان، يعرفون أن ثورتهم العظيمة ولدت بلا رأس مطابق، لكنهم لا يجهلون غاياتها الكبري، فثورتهم تعرف طريقها، ولا تنهزم بالخداع ولا بالتمويه، ولا بلعبة الثلاث ورقات، تبحث عن رأسها، ولا تقبل التزوير بتركيب رءوس صناعية للثورة الفريدة، وكلما ألبسوا الثورة رأسا مزوراً أنكرتها، أنكرت رأس المجلس العسكري، وكشفته علي حقيقته كامتداد بالمبني والمعني لجماعة مبارك الأصلية، وأنكرت رأس مكتب الارشاد الإخواني، والذي كان دائما ضد الثورة، وضد طلائعها ومبادراتها، وضد مئات الآلاف من شباب وشابات وكوادر الإخوان الذين ذابوا في المجري الأوسع لثورة المصريين، ويكتشفون كل يوم خديعة قياداتهم في مكتب الارشاد، والذين تواطأوا مع المجلس العسكري، ثم يختلفون معه الآن، أو يتظاهرون بخلاف عنوانه إقالة حكومة الجنزوري، وهم الذين كانوا عونا للمجلس العسكري وحكومته ضد رفض وعصيان القوي الثورية، ووصفوا الثوريين بالبلطجة، واستحلوا دمهم الذي سال غزيراً في مذابح ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء واستاد بورسعيد، وسعوا بالمناكب إلي حصد الغنائم علي حساب دم الذين دفعوا المغارم، ولا يختلفون مع المجلس العسكري وحكومة الجنزوري إلا من باب اقتسام الكعكة، وترك الثورة وأهلها لميادين المذابح علي غرار ما جري لشباب المعتصمين الثائرين علي أبواب وزارة الدفاع ومقر المجلس العسكري. ولا نريد لأحد أن يضللنا بشأن حقيقة ما جري ويجري في العباسية، وعلي مقربة أمتار من وزارة الدفاع، حيث تحتشد قوات من الجيش والشرطة المدنية، وتحاصر المعتصمين من الإسلاميين والكفائيين وشباب جماعة 6 أبريل، والذين بدأوا زحفهم إلي المواجهة الشعبية الأخيرة مع المجلس العسكري قبل أسبوع تقريبا، ولم يبادروا أحدا بعدوان ولا بتحرش عنيف، بل كان سلاحهم الوحيد هو جرأتهم الاقتحامية، وما ملكت الأيدي من حجارة الشارع، وأصوات حناجرهم، والتي شقت عنان السماء بمطالب ثورية عاجلة، من بينها بطبائع الأمور إنهاء حكم المجلس العسكري مركز قيادة الثورة المضادة، وإلغاء المادة 28 من الإعلان الدستوري، والتي تفتح الباب واسعا للتلاعب وتزوير الانتخابات الرئاسية الوشيكة، وكانت ثمرة «تواطؤ خفي» بين المجلس العسكري ومكتب ارشاد جماعة الإخوان، وحذر الأخيرون من لا يوافق عليها في استفتاء 19 مارس 2011 بعذاب النار في الدنيا والآخرة، ثم صمم برلمان الإخوان علي تحصينها، ورفض مطالب النواب الثوريين بإلغائها أو تعديلها، ثم تتظاهر قيادة الإخوان بأنها تعارضها الآن، بينما يصمم رفاقهم في المجلس العسكري علي بقائها، وبدعوي تحصين عمل لجنة الانتخابات الرئاسية من الطعن أو التقاضي علي قراراتها، وتحصين منصب الرئيس المنتخب حتي لو جاء بالتزوير، وربما لا نكون بحاجة الآن لاستطراد في شروح، فغاية القصد أن نشرح للناس عدالة مطالب المعتصمين في محيط مقر المجلس العسكري، وأن نؤكد علي الشرعية الثورية الخالصة لمطالبهم، فليست القصة في حازم صلاح أبوإسماعيل ولا في غيره، وقد انتهت قصته الملتبسة بأكاذيبه، وذاب الاحتجاج علي ما جري له في غضب ثوري أوسع نطاقا، وذاب أنصاره - الذين خذلهم - في جمهور الثورة الأوسع بتنوع ألوان الطيف، وتأملوا قوائم الشهداء الذين سقطوا في مذابح العباسية المرعبة، وأغلبهم الساحق من غير أنصار أبوإسماعيل، وبما يرسم بلون الدم خرائط الغضب الحقيقية الدائمة لا الموسمية. ولا تسألوا عن هوية الذين ارتكبوا ويرتكبون المذابح، ولا تصدقوا الروايات الساذجة عن أهالي العباسية، والذين تزعم وسائل إعلام النظام أنهم دبروا المذابح ضيقا بالمعتصمين، فليس القتلة من أهالي العباسية، ولا حتي من البلطجية مجهولي الهوية، ولا من عينة «الطرف الثالث» و«اللهو الخفي» الذي اخترعته دعاية المجلس العسكري، بل القتلة من «كتائب منظمة» أعدها وأخرجها جنرالات المجلس العسكري في اللحظة المخططة بعناية، وعن سابق اصرار وتصميم وترصد، فقد جري افتعال حادثة الضابط بالزي المدني، وجري الدفع به وسط المعتصمين، وهو يحمل بطاقته التعريفية وسلاحه الناري الميري، وفي عمل مدروس ومعروف النتيجة مسبقا، فقد احتجزه المعتصمون كما كان مخططا، واندفعت عناصر من الجيش لإنقاذه، وتخليصه من بين أيدي المعتصمين الذين ابتلعوا الطعم، ثم كانت الخطوة اللاحقة، حيث هدد مصدر مجهول بحسب جريدة الأهرام الرسمية برد فعل حاسم علي ما جري، وأضاف قبيل المذبحة أن المعتصمين فهموا التزام القوات المسلحة بضبط النفس خطأ»، واعتبر ما جري «تجرؤا علي الاحتكاك بأفراد القوات المسلحة في الطريق العام» بحسب خبر علي الصفحة الأولي ل«الأهرام» صباح المذبحة، وقبلها كانت الرسالة قد وصلت بطريقة مباشرة جدا، وعلي لسان أحد جنرالات المجلس العسكري، والذي قال للمعتصمين نصا «هنوريكم يا كلاب»، بعدها توالت وقائع المذبحة المخططة، والتي قتل فيها العشرات من خيرة شباب مصر، وأصيب المئات بإصابات بالغة، وكان القتل محترفا ودالا علي احتراف القتلة، وعلي كونهم من المدربين علي احتلال أسطح العمارات، وعلي دقة التصويب، فقد مات أغلب الشهداء بطلقات مباشرة في الرأس، ومات آخرون بطلقات في الصدر، وتوفي آخرون بالذبح من الرقبة، وجري رمي جثث بعضهم عند أقدام المتظاهرين المعتصمين، وبهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الفزع، وهو ما يذكرك بحوادث سبقت في مذبحتي محمد محمود الأولي والثانية، وحين جري رمي جثث شهداء في صناديق الزبالة، والهدف ظاهر، فهم يريدون كسر إرادة الطلائع الثورية، ودفعهم إلي مغادرة ميادين التظاهر وخيام الاعتصام، وهكذا هي سيرة القوة الغبية في كل النظم والحالات، تفضح نفسها كلما أرادت التخفي والانكار، وتنتهي بسلوكها الدموي إلي اشعال نار الغضب من حيث تريد تحويلها إلي رماد، وقد أنكر الفريق سامي عنان مسئولية المجلس العسكري عن التخطيط للمذبحة، ووعد برحيل العسكر قبل نهاية مايو الجاري، وبدت لهجته عصبية جداً في اجتماع المجلس العسكري الطارئ مع أطراف سياسية وبرلمانية، والذي عقد بالتوازي مع مذبحة العباسية، وغابت عنه قيادة حزب الإخوان فرارا من المواجهة، بينما صب ممثلو حزب الكرامة والحزب الديمقراطي الاجتماعي جام غضبهم علي المجلس العسكري، وحملوه المسئولية الكاملة المباشرة عن تخطيط وتنفيذ المذبحة، وسخروا من حكاية «الطرف الثالث» و«اللهو الخفي»، التي أضاف إليها المجلس العسكري هذه المرة حكاية «أهالي العباسية» في محاولة لتلويث شرفهم وأيديهم وتلطيخها بالدم، بينما لا ذنب لأحد من الناس العاديين، حتي ولو ضاقوا باعتصامات تقطع الطرق وتعطل المصالح الجارية، فأهالي العباسية جزء من الشعب المصري عظيم التحضر حتي في سلوكه الغاضب، وحتي لو وجد بينهم بلطجية، فلا يتحرك هؤلاء أبدا في حوادث السياسة، ولا يظهرون ويغضبون ويدمرون بغير تخطيط مسبق مع الجهات الأمنية الراعية، والتي أضيف إليها هذه المرة تخطيط مباشر جري علي الأغلب بمعرفة جنرالات من المجلس العسكري، وقد يكونون قد ورطوا في التنفيذ عناصر نظامية محترفة اختصارا لطريق الدم. إنهم يريدون الانتقام من الشعب والثورة، وبعد أن دفعوا بالبلد المنهك إلي المتاهة والنفق المظلم، وقد أدخلوا البلد في متاهة سياسية، وحولوا الفترة الانتقالية إلي فترة انتقامية، وتحالفوا مع قوي انتهازية حملت معهم أوزار الخطيئة، وتظاهروا معا بالرغبة في التعجيل بإقامة مؤسسات ديمقراطية مدنية، وأجروا انتخابات لمجلسي الشعب والشوري ثم تبين أن قانون الانتخاب غير دستوري بالمرة، وأن مجلسي «الشعب والشوري» في خانة البطلان، وهو ما قلناه قبل أن تجري الانتخابات، لكنهم تركوا الخلل بالغباوة المتعمدة، ولأن ما بني علي باطل فهو الباطل، فقد انتقلنا من أزمة بطلان البرلمان إلي أزمة بطلان الجمعية التأسيسية للدستور، وهي أزمة أخري صنعت بالعمد، وبصياغة المادة (60) من الإعلان الدستوري علي النحو حمال الأوجه، ويقصد تسعير الخلاف بين القوي السياسية المتصارعة,وهو ماعبر عنه بوضوح الفريق سامي عنان في الاجتماع الاخير مع سياسيين وبرلمانيين,فقد قال لهم ما معناه" روحوا اتفقوا " وهو يعرف بالطبع يعرف حلفاءه السابقين من قيادات الاخوان لن يمكنوا احدا من اتفاق ,فليس من مصلحتهم وضع الدستور الان,ويفضلون الانتظار الي ما بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسيه الوشيكه,فأذا جاء الرئيس من غيرهم وضعوا دستور لدولة برلمانية,وبصلاحيات محددة للرئيس المنتخب تجعله "طرطورا" او رئيس بركه. والخلاصة ان اطراف المؤامرة علي الثورة تكشف نفسها بنفسها,وما من فرق جوهري بين المجلس العسكري وحكومة الجنزوري وقيادة الاخوان,فهم ينتقلون بالبلد من متاهه الي متاهه,ومن مذبحة الي مذبحة,وما من حل سوي بثورة ثانية وفاء لدم الشهداء واطلاق رصاص الغضب علي المتأمرين. نشر بالعدد رقم 595 بتاريخ 5/5/2012