يصوت البرلمان الإسباني اليوم على تشكيل حكومة جديدة بقيادة رئيس الوزراء المنتهية ولايته ماريانو راخوي في محاولة لإنهاء الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ إجراء الانتخابات التشريعية في ديسمبر الماضي. ورغم عدم حصول راخوي على الدعم الكافي من الأحزاب الأخرى للفوز بثقة البرلمان، إلا أنه نجح مؤخرا في التوصل إلى اتفاق مع حزب ثيودادانوس الليبرالي حول برنامج الحكومة المقبلة وذلك بعد أسبوع من المفاوضات. ومقابل وعود بتنفيذ إجراءات إصلاحية، التزم الحزب الليبرالي بمنح الثقة لراخوي وحكومته الأقلية في البرلمان دون المشاركة في الحكومة. ويحتاج راخوي إلى دعم أغلبية عظمى بواقع 176 مقعدا في جلسة التنصيب الأولى، أو أغلبية بسيطة (أصوات تأييد أكثر من الرفض) في الجلسة الثانية التي تقام بعد 48 ساعة من الجلسة الأولى. ويبدو هذا الأمر صعب المنال في ظل رفض الحزب الاشتراكي- ثاني قوة سياسية في البلاد- استمرار راخوي رئيسا للحكومة الجديدة وتصميم النواب الاشتراكيين على التصويت ب "لا" في جلستي التصويت. ويأمل راخوي في الحصول على 170 صوتا هي أصوات المحافظين والليبراليين في حزب ثيودادانوس إضافة إلى أصوات الحزب المحلي في جزر الكناري. ومع ذلك، يظل في حاجة إلى ستة أصوات لتأمين الغالبية المطلقة. وهو ما يعني أنه لن يستمر في السلطة إلا إذا امتنع النواب الاشتراكيون عن التصويت في الجلسة الثانية التي يحتاج فيها فقط إلى الأغلبية البسيطة. وتسود حالة من الخوف على الساحة الإسبانية من إخفاق راخوي في الحصول على ثقة البرلمان وعدم تشكيل حكومة جديدة حيث أن هذا الأمر سيؤدي حتما إلى اللجوء لعقد انتخابات تشريعية جديدة في 25 ديسمبر القادم لتكون الثالثة من نوعها في أقل من عام، وهو الاختيار الذي يسعى الجميع لتجنبه. ودخلت البلاد في حالة من الفراغ السياسي منذ الانتخابات التشريعية التي عقدت في 20 ديسمبر الماضي والتي فاز فيها الحزب الشعبي المحافظ، بقيادة راخوي، بأغلبية الأصوات ولكنه لم يحظ بالأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيل حكومة محافظة، كما أنه لم ينجح في تشكيل حكومة ائتلافية مع أي من الأحزاب الأخرى مما استدعى إجراء انتخابات تشريعية مرة ثانية في 26 يونيو الماضي تكرر فيها السيناريو نفسه حيث تقدم الحزب الشعبي نتائج الانتخابات دون تحقيق الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة. وبعد مضي أكثر من شهرين على الانتخابات التشريعية الثانية، يبدو المشهد الإسباني ملبدا بالغيوم حيث تسود حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي في البلاد في ظل غياب حكومة رسمية واستمرار الخلافات بين الأحزاب وتضاؤل فرص تشكيل حكومة ائتلافية تتولى زمام الأمور خلال الأربع سنوات المقبلة، وهى الحالة التى لم تشهد البلاد مثيلا لها منذ عودة الديموقراطية عام 1977. علاوة على ذلك، يشعر غالبية المواطنين بإحباط شديد وسط تصاعد التوقعات باتجاه إجراء انتخابات ثالثة حيث أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها إحدى الصحف الإسبانية الأسبوع الماضي أن 83% من الشعب الإسباني يرون أن الوضع السياسي في البلاد أصبح سيئا. وأظهر استطلاع آخر أن 40% من الناخبين الإسبان لن يدلوا بأصواتهم في حالة إجراء انتخابات تشريعية ثالثة. ويرى المراقبون أن التطورات السياسية التي شهدتها الساحة الإسبانية منذ إجراء الانتخابات التشريعية في ديسمبر الماضي لعبت دورا رئيسيا في تغيير المشهد السياسي في البلاد، حيث كشفت تلك الانتخابات عن تغيير واضح في موازين القوى السياسية ووضعت حدا للثنائية الحزبية التي اتسمت بها الحياة السياسية في البلاد بين الحزبين الشعبي والاشتراكي اللذين كانا يتناوبان علي استلام زمام الحكم في مدريد على مدار الأربعين عامًا الماضية، وسمحت ببروز قوى سياسية جديدة مثل حزبي "بوديموس" اليساري و"ثيوددانوس" الليبرالي فرضت على الأحزاب التقليدية فتح قنوات التفاوض معها وإشراكها في إدارة شئون البلاد خلال المرحلة المقبلة. في ضوء ما سبق يتوقع المراقبون أن تُحكم إسبانيا مستقبلا من قبل حكومة لا تتمتع بالأغلبية البرلمانية، وهو ما قد يعقّد مهام الإدارة المقبلة في المصادقة على بعض القوانين وإجراء إصلاحات هيكلية تحتاج إلى إجماع برلماني واسع. لذلك يجمع المحللون على أن الأحزاب السياسية الإسبانية مدعوة أكثر من أي وقت مضى، لمراجعة برامجها وتوجهاتها وآليات عملها، وإعادة النظر في الأسس الدستورية التي يقوم عليها النظام السياسي الحالي الموروث عن مرحلة الانتقال الديموقراطي في محاولة للوصول إلى حلول توافقية تقرب وجهات النظر المختلفة.