"هدنة الطاقة" على طاولة المفاوضات الأوكرانية في جنيف    أحمد هيكل: مصر ستظل تستورد الغاز لسنوات.. وملف الطاقة هو الهاجس الأكبر عند الرئيس السيسي    أحمد هيكل: الدعم كارثة.. وكمية الثروات التي تكونت في مصر بسببه خرافية وبالقانون    عباس عراقجي يصل إلى جنيف لجولة ثانية من المفاوضات النووية    عراقجى يصل إلى جنيف لبدء الجولة الثانية من المفاوضات النووية    ويتكوف وكوشنر سيمثلان واشنطن في المحادثات مع إيران في جنيف    "تلغراف": وزير الدفاع البريطاني مرشح محتمل لخلافة ستارمر    إصابة 3 أشخاص نتيجة انقلاب سيارة في قرية الخربة بشمال سيناء    وزير التعليم العالي ومدير مكتبة الإسكندرية يسلمان «جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية»    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    اكتشاف إصابتين بجدري القردة في روسيا    لاعب كرة يتهم ناديًا بالبحيرة بتدمير مستقبله: إيدي اتكسرت في التمرين وفسخوا عقدي    شوبير: لعبنا مباراة رائعة ضد الجيش الملكي رغم التعادل    أبو مسلم: الأهلي مع توروب بلا شكل.. والفريق يفتقد للمهاجم الحاسم    المتحدث باسم «الكهرباء»: لا انقطاعات في صيف 2026.. والشبكة جاهزة للأحمال    الأرصاد: استمرار الارتفاع في درجات الحرارة اليوم الإثنين على أغلب الأنحاء    كشف ملابسات فيديو التعدي على مسن داخل محل بالشرقية.. وضبط المتهم    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 16 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    داليا عثمان تكتب: خلف الأبواب المغلقة: ماذا كشفت لنا قطة السيدة نفيسة؟    ب 40 مليار جنيه.. المالية تعلن تفاصيل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    إسرائيل والضفة الغربية.. لماذا الآن؟    مالين: جاسبريني لعب دورا كبيرا في اختياري للانضمام لروما    شي جين بينج يهنئ قمة الاتحاد الإفريقي ويعلن إعفاءً جمركيًا ل53 دولة    محمد طلعت ينفي توليه رئاسة قطاع الفنون التشكيلية خلفًا لقانوش    الصحة تكشف السبب وراء العطس المتكرر صباحا    جاريدو: حسام غالى لم يتدخل فى قراراتى الفنية وأزماته مع وائل جمعة بسبب قوة شخصيته    غارة إسرائيلية قرب الحدود السورية تخلّف 4 قتلى    بصفتها الشريك الرسمي لسلسلة التوريد في "مليون باوند منيو 2".. "كايرو ثرى إيه" ترسم ملامح جديدة لمستقبل قطاع الأغذية في مصر    المكتبة المتنقلة تشارك بفعاليات متنوعة لدعم ذوي الهمم بكفر الدوار    بشير التابعى: عدى الدباغ أقل من قيمة الزمالك    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة أجنة المنيا بضمان محل الإقامة وعلى ذمة التحقيقات    سقوط عصابة الأحداث المتورطين في ترهيب قائدي السيارات بالعطارين    الأمن يكشف ملابسات سرقة تروسيكل في الغربية عقب تداول فيديو    الجنح المستأنفة تعيد محاكمة متهم في قضية مسن السويس    أحمد هيكل: لا حل لأزمة الدين دون نمو بنسبة 8% ل 15 عاما على الأقل    وفاة والدة الفنانة ريم مصطفى.. وهذا هو موعد تشييع الجثمان    النيابة الإدارية تختتم فعاليات برنامج التحول الرقمي في مؤسسات الدولة    بعد إحالتهم للمحاكمة.. النيابة توجه 7 اتهامات للمتورطين في واقعة إهانة الشاب إسلام ببنها    رئيس الوزراء: تنسيق مع القطاع الخاص لتطبيق زيادة الأجور فور تصديق الرئيس على حزمة المرتبات    محافظ الدقهلية يفتتح ملاعب ومنشآت جديدة بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    موعد مباريات اليوم الإثنين 16 فبراير 2026| إنفوجراف    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    نشأت الديهي عن حزم الحماية الصحية: المرض إحساس صعب والأولوية للعلاج    مدير مركز الإرشاد الزواجي بالإفتاء: الخرس الزوجي والانشغال بالأجهزة الحديثة يهددان استقرار الأسرة    أبرز محاور مداخلة نقيب الصحفيين في اجتماع لجنة إعلام مجلس الشيوخ    «القومي لذوي الإعاقة»: الإستراتيجية الوطنية تقود خمس سنوات نحو مجتمع بلا حواجز    وزير المجالس النيابية: الحكومة تؤمن بالمصارحة والالتزام بالحقيقة لتحقيق الصالح العام    أطفال يدفعون الثمن و«سن الحضانة» يقرر موعد الرحيل    الصحة: 3 مليارات جنيه لتعزيز الخدمات بالقطاع الطبي ضمن حزمة الحماية الاجتماعية    استقبالًا لشهر رمضان المبارك... الأوقاف تجدد الحملة الموسعة لنظافة المساجد الثلاثاء المقبل    محمود مسلم: الصحفي ليس على رأسه ريشة لكن القلم أو الكاميرا على رأسها ريشة وتكشف التجاوزات    ماسبيرو 2026.. "حكايات نعينع" على شاشة التليفزيون المصري في رمضان    استمرار التقديم لمسابقة «زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية»    قرار جديد ضد عاطل بتهمة قتل صديقه وتقطيعه في العياط    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    السيسي يشدد على ضرورة الجدارة والكفاءة فى الأداء الحكومى    معركة الصدارة تشتعل في القاهرة.. الأهلي يواجه الجيش الملكي في ليلة حسم مصير المجموعة بدوري أبطال إفريقيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أورهان باموق: كل ما قمعه المشروع الأتاتوركى يعود متخفيا فى رواياتى‬
منى أنيس ويوسف رخا يتحدثان إلى الكاتب التركى الأشهر أورهان باموق عن الهوية والاختلاف وعلاقة الإسلام بالعلمانية فى ما تنتجه إسطنبول من أدب
نشر في الشروق الجديد يوم 20 - 02 - 2015

‬‬أورهان باموق رجل وسيم، وهو يدرك ذلك ويستخدم وسامته كرأسمال مضاف لشهرته الأدبية وتربيته البرجوازية الناعمة. التقيته فى ندوة أدبية فى كوبنهاجن قبل ما يقرب من عشرين عاما، وأقمنا بضعة أيام فى الفندق نفسه. لم يكن قد حصل على جائزة نوبل وقتها، إلا أننى لاحظت كما لاحظ غيرى تحفظه فى التعاطى مع الآخرين، تحفظا تشوبه مسحة من التعالى وإن ظل تعاليا مهذبا. ‬
الأسبوع الماضى وبينما ننتظر باموق فى بهو فندق "الفورسيزونز" هنا فى القاهرة، تساءلتُ والصديق يوسف رخا عن صورة الكاتب الناجح إلى هذا الحد. وردا على قولى إن زهوه بنفسه لابد وأن يكون قد ازداد مع صعود نجمه قال يوسف: "هذا رجل حاز جائزة نوبل قبل أن يبلغ منتصف الخمسينيات، على عكس نجيب محفوظ وآخرين لم تصل إليهم الجائزة حتى مراحل متقدمة من العمر... والبادى أنه اعتنق الدور الذى هيأه له مثل هذا النجاح أيضا.. لم لا؟"‬.
أدهشنا باموق فور وصوله بإصراره على ذكر ما لا يود أن يتطرق له من موضوعات، وإيضاح ما يود أن يقوله إذا ما تطرق لها، إلا أننا فهمنا قلقه حين أدركنا أن تحفظاته تتعلق بأمور سياسية راهنة. يقول: أنا أحب الأدب عشرة أضعاف السياسة، وبما أننا جميعا نحب الأدب أكثر من أى شىء آخر، فدعونا نتحدث من خلال ما نحب. ‬
فيمزح يوسف مشيرا إلى: "لست متأكدا إذا ما كانت هى تحب الأدب أكثر من السياسة." ونضحك جميعنا قبل أن أوضح لباموق أن جيلى تربى وسط الأحداث السياسية الساخنة فلم يكن ممكنا تجنب السياسة. إلا أن باموق نفسه وهو من ذات الجيل استطاع أن ينحى السياسة جانبا فى القسم الأكبر من أعماله. أسأله كيف.‬
يقول باموق: لنبدأ من هنا. فعلى الرغم من أننى لا أعد نفسى من رجال السياسة إلا أن تركيا مرت بأحداث سياسية كثيرة ساخنة، ولذا أحيانا ما أجد نفسى مضطرا للتعليق فى وسائل الإعلام على الأحداث السياسية فى بلادى، نظرا لأنهم لا يجدون غيرى للتعليق ولأنى أحب أن أكون صريحا.‬
"إذن لنبدأ من التجربة التركية كما تنعكس فى أعمالك" هكذا أجيبه خاصة رواية "الثلج" (2002)، والتى قلت إنها عملك السياسى الوحيد. أنت تتناول فيها التيارات السياسية المختلفة وقضايا العلمانية والاسلام السياسى.."‬.
يقول باموق: مصر بلد محورى فى فهم العلاقة بين الإسلام والسياسة والعلمانية، وكذلك تركيا. وقد كتبت رواية "الثلج" كمحاولة لتناول هذه القضايا أدبيا. لقد قلت لنفسى وأنا أشرع فى كتابة هذه الرواية: لقد اخترت الإطلال على روح الأمة فى رواياتك السابقة، مرة من نافذة الفن كما فى رواية "اسمى أحمر"، ومرة من خلال مدينة اسطنبول كما فى رواية "الكتاب الأسود". والآن جاء وقت الإطلال على الأمة من خلال نافذة السياسة. يعرف الناس فى مصر وفى العالم الإسلامى بل وفى أنحاء أخرى من العالم غير الغربى حالة التوتر بين الدين وبين الحريات الفردية والحداثة بشكل عام. ‬
وفى رواية "الثلج" قمت بعمل معالجة درامية لهذا التوتر. إن جزءا كبيرا من شعبية هذه الرواية فى عالمنا له علاقة بتناولها لموضوع التقاليد فى مواجهة النزعة الفردية، وله علاقة أيضا بتناولى لموضوع مكانة الجيش فى المجتمع. أما فى الولايات المتحدة وأوروبا فإن شعبية هذه الرواية لم تتأت بسبب طرحها لتلك القضايا بل فى الأساس بسبب تناولها لموضوع الإسلام السياسى وهو ما كان الغرب يخشاه ولا يعرفه. وهكذا بدا وكأن كتابى يفتح لهم عالما مجهولا، بينما فى عالمنا نحن استطاع القراء تفهم ما أتحدث عنه من صراع بين الفردية وبين الانتماء للأمة وتحدى القوى المهيمنة سياسيا، تناولى لمكانة الجيوش الأبدية فى مجتماعاتنا إدانتى لتعامل البوليس الهمجى مع الشعب.. وكلها ظواهر معروفة لشعوب منطقتنا.‬
يقول يوسف: "يبدو لى من أعمالك ومما قرأت من سيرتك أنك نشأت بمعزل عن تيارات الإسلام السياسى"‬.
يرد باموق: نعم، أنا أنتمى طبقيا للشرائح العليا من الطبقة الوسطى، وهى الشرائح البرجوازية المؤمنة بالمبادئ الجمهورية والعلمانية. وفى الزمن الذى نشأت فيه أستطيع إن أقول أن ثمانين فى المئة من تكوين الطبقة العليا فى تركيا كان علمانيا. أما الآن فإن تركيب الطبقات العليا قد اختلف كثيرا.‬
فيعود يوسف يؤكد: "اعتدنا فى مجتماعاتنا أن نرى الدين كعنصر أساسى فى تنمية الحس بالانتماء للجماعة، هل تعتقد أن العلمانية تستطيع أن تخلق بين معتنقيها هذا الحس الجمعى نفسه؟"‬.
يجيب باموق: بكل تأكيد. فهناك فى تركيا جماعة علمانية قوية وأنا أنتمى لهذه الجماعة. أنا أؤمن بشدة بالعلمانية التى تربيت عليها فى عائلتى وتعلمتها من خلال قراءاتى ومعتقداتى الإنسانية. ولكنى عشت هذه القيم ومارستها من خلال العائلة قبل أن أتوصل للاقتناع بأهميتها من خلال القراءة. ولم أتعلم العلمانية وحدها من عائلتى بل تعلمت أيضا احترام الكثير من القيم المرتبطة لدى بالغرب: قيم الاحترام لقدرة الفرد على العمل الخلاق، وتقدير الغرابة والتفرد والاختلاف. لقد تعلمت هذه الأشياء من عائلتى أولا.‬
نسأل: "هل نفهم من كلامك إذن أن العلمانية لم تمثل أى عقبة تاريخية فى تركيا أمام الانتماء للمجموع؟ وهل العلمانية والكمالية صنوان؟"‬.
فيؤكد: لا أرى أى مشكلة تاريخية مع العلمانية. المشكلة تنشأ من إساءة استخدام شعارات العلمانية فى إضفاء الشرعية على الانقلابات العسكرية وعدم احترام أصوات الناخبين. وللأسف فإن الجيش التركى اعتاد فى الماضى ولعقود طويلة إساءة توظيف العلمانية ولكن هذا الأمر أصبح من الماضى الآن فالجيش لم يعد يتدخل فى السياسة. أما بالنسبة للكمالية فأنا أحب كمال أتاتورك. لقد ظهر بعد الحرب العالمية الأولى فى عصر مختلف عن عصرنا ولا يجوز الحكم على ما قام به بمقاييس عصرنا الحالى.‬
"لكن طالما أن العلمانية والقيم الغربية هى نقطة انطلاقك وطالما أنك لا تجد مشكلة فى الانتماء لها قلبا وقالبا" هكذا يقول يوسف، مصمما على الخوض فى القضية "من أين يأتى الإحساس بالاختلاف عن الغرب وحس الاغتراب الذى نستشعره فى أعمالك؟"‬.
يتمهل باموق لوهلة قبل أن يجيب: نعم، أنا مختلف. أنا مختلف لأن ثقافتى مختلفة نظرا لأن تركيا بلدى تختلف عن البلدان الأخرى. ولكن هذا لا يعنى عدم اعتناق العلمانية. أنا أؤكد فى أعمالى على اختلاف ثقافتى ولكنى أؤكد أيضا على القيم الغربية التى أحبها كاحترام حقوق المرأة وحرية التعبير والصحافة واحترام حقوق الأقليات واحترام أصوات الناخبين. أنا أؤمن بالديمقراطية البرلمانية. لست بالشخص الحالم الذى يريد تغيير العالم من خلال المشاريع السياسية الكبيرة.. ولكن ها قد عدنا إلى السياسة. (وهنا يرتفع صوت باموق بما يشبه الضجر)، ألم نقل إننا سنبتعد عنها؟‬
أقول: "فلنبتعد عن السياسة إذن ونتحدث عن علاقتك بالتاريخ العثمانى الذى تناولته فى عملين من أعمالك هما، القلعة البيضاء واسمى أحمر".‬
يستطرد: أعمالى هى فى جزء منها رد فعل على كتابات الأجيال التى سبقتنى من الكتاب الأتراك، والذين تبنوا الواقعية المباشرة مثلهم مثل أغلب الكتاب فى هذا الجزء من العالم. لقد آمنوا بالخطاب الغربى عن النمو والتقدم بشكل ساذج فاعتقدوا أن التدين الشعبى سيختفى حينما تتحسن أمورنا المادية. ولم ينتبهوا لأهمية الدين فى فهم حياة البشر. وكان من أثر هذا كله تبنى الواقعية المباشرة فى الكتابة الأدبية، سواء أكانت واقعية اشتراكية أو واقعية نقدية. أذكر أننى عندما بدأت الكتابة الأدبية كانت النماذج المطروحة للأدب تتمثل فى كتابات شتاينبك ومكسيم جوركى وربما هيمنجواى إلى حد ما. لم تكن هذه الذائقة تتسع حتى لأعمال ويليام فوكنر الذى كانت تعتبر أعقد مما ينبغى. ‬
لقد تم تجاهل الجوانب المعقدة والسوداء فى النفس البشرية والحنايا غير العقلانية وغير المفهومة فى العقل البشرى. أنا أردت حين شرعت فى الكتابة أن أتناول هذه القضايا التى تم تجاهلها طويلا. وإذا أردت أن أصيغ هذه القضية بشكل أبسط لعلنى أقول: مثلما أحب الواقعيين الأتراك جوركى وشتاينبك، أحببت أنا نابوكوف وبروست وبورخيس. ولم يعجبنى فى الموروث التركى اليسارى تجاهل الجوانب التى تتناولها أعمال من أحببت من الكتاب.‬
أسأل: "هل تعنى بميراث الكتابة اليسارية فى تركيا أدباء كعزيز نسين مثلا؟" لكن قبل أن أورد الأسماء الكبيرة الأخرى فى الأدب التركى التى أريد أن أسأله عنها ناظم حكمت، على سبيل المثال يبدو الضيق الشديد على وجه باموق، وبصوت حاد يقاطعنى: لا تدفعى بالأسماء فى وجهى.‬
يواصل: هذا الجيل أيضا لم يكن مهتما بالموروث الثقافى العثمانى. وقد أردت لهذا الموروث أن يظهر بوضوح فى رواية "اسمى أحمر". لقد ساد فى الأدب التركى الحديث اتجاه عام لتجاهل المواضيع المتعلقة بالأسلام. فإذا ما تحدثنا مثلا عن جلال الدين الرومى أو فريد الدين العطار فإن هذا يغضبهم، بينما أعتقد أنه من الممكن الجمع بين العلمانية وبين الاهتمام بالتراث. إننا اذا ما تمعنا فى هذا التراث الثقافى الثرى والجميل يمككنا أن نخرج بكتابة معاصرة وعلمانية جديدة. فواجبنا ككتاب هو اكتشاف أشكال جديدة من الكتابة الحديثة عوضا عن تقليد بورخيس وادجار الان بو.‬
تتناول رواية "اسمى أحمر" حرفة الرسم التى أحبها بالرغم من فشلى فيها، ولكنها تتناول أيضا النصوص الكلاسيكية، ذلك أن نشأة حرفة الرسم الإسلامى ارتبطت بالرسوم الإيضاحية لهذه النصوص الادبية. ولهذا أردت إحياء ذلك التراث الأدبى لأقول للقارئ التركى: هاكم أعمال تقابل أعمال شكسبير فى بريطانيا مثلا. فالسادة الأتراك فى القرن السابع عشر كانوا يتعاملون مع هذه النصوص مثلما يتعامل الإنجليز مع شكسبير الآن. وبينما كنت أقرأ هذه الأعمال من موقعى الطبقى كأحد أبناء الطبقات العليا الذين يقطنون الأحياء الراقية، كنت أكتشف أشياء جديدة بالنسبة لى. فقد تم تهميش الثقافة التقليدية والنظر إليها باعتبارها ثقافة الطبقات الدنيا حيث إن التغريب فى تركيا كان فى جانب من جوانبه ظاهرة طبقية.‬
وهنا يسأل يوسف: "عندما بدأت فى تناول الموروث العثمانى هل أحسست بأنه أجنبى أو غريب عنك، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تمكنت من استعادة القرب إليه؟"‬.
لم يكن هذا التراث أجنبيا. لم أكن أعرف الكثير عنه لكن هذا لا ينفى أنه كان مألوفا جدا، لأن كل هذه الحواديت التى تنتمى للقرون الوسطى تسللت بشكل خفى إلى الثقافة الشعبية التركية المتمثلة فى الأفلام وطرق السلوك اليومى والطقوس الحياتية. وأحيانا ما أقول مازحا إن كل ما تم قمعه (بالمفهوم الفرويدى) بسبب المشروع الحداثى الأتاتوركى يعود متخفيا فى رواياتى. فرواياتى تمثل عودة التراث العثمانى التقليدى المقموع متخفيا فى ثوب ما بعد حداثى. وهذ أحد أسباب شعبية أعمالى. ‬
يضيف يوسف: "فهل يجوز إذن وصفك فيما بعد بالإسلامى؟" فيضحك باموق نافيا بشدة، رافضا التصنيفات وقائلا إنه ليس حتى مابعد حداثيا، الأمر الذى يستدعى سؤاله عن التجارب الشكلية فى أعماله ومحاولاته التوصل إلى أسلوب خاص فى الكتابة أو ومتى تم ذلك وضعا فى الحسبان أنه جرب أشكالا مختلفة للتناول الروائى بدءا من أسلوب الواقعية النقدية فى عمله الأول "جودت بك وابناؤه" (1982) ومرورا بالكتابة البوليسية التى تتناول جماعات سرية منغلقة على نفسها فى "الكتاب الأسود" (1990) بل وعالم القوى السحرية السفلى فى "الحياة الجديدة" (1994).‬
أقول: "الآن وقد تجاوزت الستين هل يمكن القول إنك توصلت لأسلوب محدد تعرف عندما تجلس للكتابة أنك ستكتب من خلاله؟"‬.
يجيب: أعتقد أننى توصلت لما تصفين بأسلوبى الخاص بعد أن فرغت من كتابة "القلعة البيضاء" وأثناء كتابة "الكتاب الأسود". وقتها أحسست بأننى قد عثرت على الصوت المناسب لى. وعندما يشعر الكاتب بأنه عثر على صوته فإنه يبدأ فى تقليد نفسه. فمثلا "اسمى أحمر" تحمل الكثير من سمات "القلعة البيضاء" و"الكتاب الأسود". أنا الآن أكثر من أى وقت مضى أمتلك حسا قويا بأسلوبى الخاص. دعينى أحاول أن أبسط سمات أسلوبى الخاص هذا كما أراها أو كما يتلقاها القارئ. فى حالتى الخاصة أجدنى موزعا بين نوعين من القراء: القراء الذين يهمهم الأدب فى المقام الأول يقولون إن "الكتاب الأسود" أهم أعمالى وإننى لن أكتب عملا آخر يفوقه، بل أحيانا ما يقول لى أحد هؤلاء عندما أصدر كتابا جديدا: لقد خنت "الكتاب الأسود" مرة أخرى. أما النوع الأخر من القراء فهو النوع الذى أعجب بالقصة الواقعية لأربعين سنة من التاريخ الاجتماعى التركى فى رواية "جودت بك"، وهؤلاء عادة ما يقولون: لقد بدأت بداية قوية ثم أتيت بأفعال غريبة بعد ذلك جريا وراء ما بعد الحداثة. وكلما بدا لى أننى أرضيت أحد الطرفين، فإننى أجد الطرف الآخر قد غضب. ويبدو أننى سأقضى بقية عمرى موزعا بينهما. ‬
يسأل يوسف: "وهل ينطبق نفس هذا الأمر على القراء خارج تركيا؟".‬
فيقول باموق: الوضع يختلف خارج الدائرة التركية فعادة ما يصبح الأديب معروفا فى الغرب، نظرا لإعجاب القراء بعمل معين. طبعا هناك من يقرأ أكثر من عمل للكاتب نفسه، ولكننى مثلا معروف فى الولايات المتحدة بسبب رواية "الثلج"، بينما لا يهتم القارئ الصينى بهذه الرواية ويحب رواية "اسمى أحمر"، لأنها تتناول طرق رؤية الأشياء والصينيون كما نعلم يمتلكون تراثا عظيما فى التصوير، كما أن هذا العمل بالذات يتناول موضوع فن التصوير التقليدى فى مواجهة الحداثة والقلق الوجودى بخصوص هشاشة الهوية فى العالم الحديث، وكل هذه القضايا تعنى القارئ الصينى أو الكورى مثلا.‬
القارئ الغربى لا يهتم بإشكالية تحقق الفردية فى مجتمعاتنا. وهنا ينبغى التمييز بين نوعين من القراء: القارئ الأمريكى والقارئ الأوروبى. القارئ الأمريكى يقرأ ليتعرف على شىء جديد مثل الإسلام السياسى فى "الثلج" أو فن المنمنمات فى "اسمى أحمر"، أما القارئ الإسبانى مثلا فيفضل كتاب سيرتى الذاتية وسيرة مدينة أسطنبول. وأنا سعيد بأننى لا أرتبط فى ذهن جميع القراء بكتاب واحد كما يحدث لأغلب الكتاب. أنا أحب فكرة تنوع القراء وارتباط كل نوع منهم بعمل مختلف.‬
أسأل اورهان باموق عن روايته الأخيرة "متحف البراءة" وعن مغزى كتابة رواية عن الذكريات التى أقام لها باموق متحفا فى الكتاب وفى الواقع، وأطلب منه أن يتحدث عن مشروعه هذا بتحويل الزمن الضائع إلى متحف وهل يعكس ذلك رغبة فى الترويح عن نفسه وعن قرائه، خاصة وأنه يعيد الاعتبار لما هو ساذج وسينتمنتالى من الأعمال كما يتبين من عنوان محاضراته التى ألقاها فى جامعة هارفارد عام 2011.‬
وباموق يتفق معى فى أهمية الترويح والتسلية، قائلا عن روايته الأخيرة "متحف البراءة": هى قصة حب تتناول الكثير من التفاصيل السينتمنتالية وهى الآن فى تركيا أكثر رواياتى مبيعا، ليس فقط بسبب اهتمام أهل الأدب بها ولكن لأن الكثير من العشاق يقرأون هذا العمل لفهم هذا العشق الحارق الذى يستولى على كيان المرء ويحجب أى شىء ما عداه. وربما يرجع جزء من شعبية هذه الرواية إلى ارتباطها بالمتحف الذى تم افتتاحه فى أسطنبول منذ ثلاث سنوات. أنا فخور جدا بأننى لم أضطر إلى طلب المال من أى جهة لتمويل المتحف، فعائد التذاكر يكفى للإنفاق على هذا المشروع الذى يتسم بالاكتفاء الذاتى. وقد بدأت فى التفكير فى مشروع المتحف أثناء كتاباتى للرواية. ومن ثم فالمشروعان مرتبطان. وكما تعلمين من الرواية فإن المتحف يحتوى على أشياء كثيرة صغيرة مأخوذة من مفردات الحياة اليومية فى مدينة اسطنبول ما بين الخمسينيات والتسعينيات من القرن الماضى. أفلام، كروت بوستال، وصور لأشخاص ينتمون للطبقة نفسها التى تحكى الرواية عنها. ومن ثم فإن القصص التى تتناولها الرواية تصبغ على المتحف الكثير من السحر. كما أن طريقة ترتيب الأشياء المعروضة فى الفاترينات والصناديق فنية. كل شىء فى المتحف بدءا من المبنى نفسه حتى أصغر الأشياء يرتبط برغبتى الشديدة فى الحفاظ على الذكريات. وكنت أواجه بعدم التصديق كلما تكلمت عن هذا الموضوع، تماما كما لم يصدقنى الكثيرون عندما قلت فى بداية شبابى إننى أود أن أكتب روايات. ‬
والحمدلله أننى تمكنت من تحقيق الأمنيتين. فطالما أحسست بأن داخلى فنان تشكيلى محبط ينتظر البعث وكم أسعدنى نجاح هذا المتحف والاحترام الذى حظى به من جانب المتخصصين فى فن المتاحف. لقد اشتركت فى تنسيق المتحف مع المتخصصين وحظيت بصداقات عديدة فى الوسط الفنى. أعطانى المتحف حياة جديدة. فقبل هذا المشروع كان جل أصدقائى من الكتاب، أما الآن فقد أصبحت صديقا للعديد من الفنانين وأتلقى الدعوات للكثير من المعارض الفنية بل وألقى محاضرات عن الفن. إن هذا يسعدنى كثيرا.‬
يشغلنى سؤال عما يسمى "أسلوب آخر العمر"، وكيف يلجأ العديد من كبار الكتاب للكتابة عن الجنس مع الصغيرات الحسناوات. ومحاولة أن أصيغ السؤال بطريقة مهذبة أسأل عن مغزى تناوله هذه المرحلة من النضج الفنى والعمرى لقصة حب ملتهبة مع فتاة صغيرة. إننى أتذكر أنه أبدى إعجابا بكاتب "لوليتا"، فأقرر أن أبتعد عن "لوليتا" وأتحدث عن كتاب الكاتب اليابانى ياسونارى كواباتا الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1968، والذى كان فى الستينيات من العمر عندما كتب روايته الصغيرة الشهيرة "منزل الجميلات النائمات" (1961). وهى الرواية التى ألهمت كاتبا عظيما آخر هو جبريل جارثيا ماركيز كتابة آخر أعماله الروائية "ذكريات عاهراتى الحزينات" وهو فى نهاية السبعينيات من العمر. إذاك يبدو على باموق شىء من الحرج أحسه أنا الأخرى. ‬
ويقول له يوسف رخا ممازحا: "هى تقول لك بلا لف ودوران إنك تقدمت فى العمر." ويضحك ثلاثتنا وأقرر أن أتنازل عن السؤال. لكن قبل أن ننتهى يسارع يوسف بسؤال باموق عما إذا كان يود أن يقول شيئا عن زيارته لمصر.‬
يقول باموق: أنا سعيد جدا بزيارة مصر فى هذه الأوقات العصيبة والتى تشهد انتهاكات لحقوق الإنسان، حيث يتعرض الكثير من الناس لمتاعب متعددة ويسود إحساس بأن هناك الكثير من المظالم. وقد جئت لمشاهدة ذلك وللحديث مع أناس ذوى آراء متنوعة. فمصر هى البلد الأهم فى العالم الإسلامى، ومن ثم فإن صدى ما يحدث فى مصر يتردد فى جميع أنحاء العالم وليس فقط العالم الإسلامى. وبجانب هذا فأنا سعيد بالطبع للالتقاء بقرائى من المصريين.‬
••أعمال أورهان باموق وفقا لتاريخ النشر فى تركيا‬:
• جودت بك وأبناؤه (1982) ‬
• منزل الصمت (1983)‬
• القلعة البيضاء (1985)‬
• الكتاب الأسود (1990)‬
• الحياة الجديدة (1994)‬
• اسمى أحمر (1998)‬
• الثلج (2002)‬
اسطنبول (2003)‬
• حقيبة أبى (2006)‬
• ألوان أخرى (2007)‬
• متحف البراءة (2008)‬
•شظايا من منظر أرضى (2010)‬
• الروائى الساذج والعاطفى (2011)‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.