رئيس جامعة بنها يستقبل الأنبا مكسيموس مطران بنها وقويسنا للتهنئة بعيد الفطر    بنك المغرب المركزي يقرر تثبيت سعر الفائدة عند 2.2% للمرة الرابعة    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: رفع درجة الاستعداد لاحتفالات عيد الفطر    هيئة الدواء: نسعى لتوفير أدوية مبتكرة في السوق المحلي    رئيس هيئة الدواء المصرية يبحث توطين الصناعات الدوائية المتطورة    الإحصاء:12.3 مليار دولار صادرات مصر لدول غرب أوربا خلال 11 شهر    ماكرون: مستعدون لمرافقة السفن بمضيق هرمز لكن ذلك مرهون بتوقف الضربات العسكرية    ماكرون: أي مهمة في مضيق هرمز بحاجة إلى التنسيق مع إيران    تطورات أزمة محمد عواد في الزمالك.. وقرار منتظر من إدارة الكرة    رغم الحرب الأمريكية وغموض المشاركة.. نيوزيلندا تستعد لمواجهة إيران في مونديال 2026    مصرع شخصين في حادث انقلاب سيارة بطنطا    المشدد 15 سنة لتشكيل عصابي تخصص في الاتجار بالآيس والاستروكس بالمرج    جنازة مهيبة لشاب ضحى بحياته دفاعا عن عامل توصيل فى بورسعيد.. صور    مسرحية «ابن الأصول» لميرنا وليد على خشبة مسرح ميامي بعيد الفطر المبارك    استنفار خليجى لمواجهة تهديدات إيران.. قادة مجلس التعاون فى تحرك عاجل لتأمين المنطقة    وكيل مجلس الشيوخ: مصر بقيادة الرئيس السيسى تبعث رسالة سلام للعالم    قائمة المهددين بالغياب عن ربع نهائي دوري أبطال أوروبا    لن يحتاج لحارس الرديف.. نوير وجوناس أوربيج يعودان لتدريبات بايرن ميونيخ    كشف ملابسات فيديو مزاعم تعدى الشرطة بكفر الشيخ    جراحة دقيقة لطفلة سقطت من ارتفاع بمستشفى رأس سدر المركزي    3 أسرار تخلصك من البطن السفلية بعد الأربعين    أسامة قابيل: إعطاء الزوجة عيدية ليس بدعة ويؤجر الزوج عليها    قرار جمهوي بالعفو عن باقى العقوبة لبعض المحكوم عليهم بمناسبة عيدي الفطر وتحرير سيناء    وزير الخارجية يوجه بتلبية احتياجات المصريين بالخارج ودعمهم    تموين القاهرة تضبط أسطوانات بوتاجاز وسلع متنوعة قبل تسريبهم للسوق السوداء    تعرف على طرق حجز تذاكر قطارات عيد الفطر 2026    نائبة وزيرة التضامن تشهد ختام أعمال مبادرة "أنا موهوب" بمحافظة القاهرة    5 أيام.. البورصة تحدد موعد إجازة عيد الفطر 2026    خالد فهمي: منهجي في «ولي النعم» يقوم على إلغاء التعلم وتفكيك الانطباعات المسبقة عن الشخصية التاريخية    برشلونة يخطط لتجديد عقد كريستنسن لموسمين إضافيين    الهلال يشكو حكم مباراته ضد نهضة بركان رسميا    في ذكرى رحيله.. «البابا شنودة» رمز روحي ساهم في ترسيخ الوحدة الوطنية    الصحة: توفير 3 آلاف سيارة إسعاف و40 ألف كيس دم خلال إجازة عيد الفطر    كفر الشيخ تحصد كأس بطولة الدورة الرمضانية للجامعات    السعودية تدعو لتحري هلال شوال غدًا    الهلال الأحمر يُطلق قافلة «زاد العزة» 158 لدعم الأشقاء الفلسطينيين    أبو حيان التوحيدى ونجيب محفوظ.. أبرز مؤلفات الدكتورة هالة فؤاد    غسل أموال ب15 مليونا.. سقوط بلوجر استثمرت أرباح فيديوهات الرذيلة فى العقارات    الضفة.. مستوطنون إسرائيليون يقتحمون قبر يوسف في نابلس    الأهلي يفوز على الاتحاد..والزمالك يهزم الجزيرة في دوري الطائرة    تداول 21 ألف طن و1040 شاحنة بضائع بموانئ البحر الأحمر    البيت الفني للمسرح يعيد عرض «ابن الأصول» على مسرح ميامي في عيد الفطر    مع عيد الفطر.. «الصحة» تحذر من مخاطر الأسماك المملحة وتوجه نصائح وقائية عاجلة    البابا تواضروس الثاني يهنئ رئيس مجلس النواب بعيد الفطر المبارك    ريهام عبد الغفور في حكاية نرجس: «أنا ليا حق عند الحكومة بس مسمحاها».. والجمهور يرد: «يا بجاحتك»    الرئيس الأوكراني: لا نخشى تهديدات إيران بضرب أراضينا    البابا تواضروس الثاني يهنئ الرئيس السيسي بعيد الفطر المبارك    وزير الصحة يلتقي نظيره الروسى فى موسكو لبحث ملفات التعاون المشترك    وزير الصحة يعلن خطة التأمين الطبي والإسعافي الشاملة لعيد الفطر    الاتحاد العربي للإعلام الرقمي: هناك محاولات متكررة لزرع الخلاف بين الشعوب العربية    أمين الفتوى بالإفتاء: إخفاء ليلة القدر كرامة للأمة.. والاعتكاف مستمر حتى إعلان موعد العيد    أسعار الأعلاف بأسواق أسوان اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    إيران.. انفجارات شرق طهران وقصف يستهدف منطقة نياوران    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.. صلاة التهجد من كوم أمبو    الأهلي يحتج على قرار «كاف».. ويتمسك بحقه في نظر استئناف عقوبة الجماهير قبل لقاء الترجي    إيمان أيوب: نور الشريف مدرسة حقيقية في التمثيل والثقافة الفنية    الحلقة 13«بابا وماما جيران»| نجاح محاولات الصلح بين أحمد داود وميرنا جميل    تفكيك خلية مرتبطة ب "حزب الله" في الكويت: إحباط مخطط لعمليات عدائية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القضاء المصرى.. ماذا يحمل للصراع السياسى فى عهد ما بعد مبارك
نشر في الشروق الجديد يوم 20 - 06 - 2012

القضاء وبالذات المحكمة الدستورية العليا كان البطل الأساسى فى المشهد السياسى المصرى خلال الأسابيع الماضية. فقد أسقطت المحكمة البرلمان أو كادت، وأبقت على الفريق أحمد شفيق فى السباق الرئاسى. ومن هنا فالأمر يقتضى طرح موضوع علاقة القضاء بالسياسة على مائدة النقاش العام من أجل ترشيد العلاقة بينهما فى المستقبل ومن أجل ألا ينحاز القضاة بالكامل إلى قوة سياسية بعينها. فمثلما تحتاج البلاد إلى ترشيد علاقة رجال الدين بالسياسة، فهى تحتاج أيضا إلى توافق بين القوى السياسية المختلفة على دور القضاء فى المنظومة السياسية الجديدة («السيستم») التى تتشكل الآن.

●●●

الدور السياسى الذى يلعبه القضاء الآن لا يمكن فهمه إلا بالعودة للوراء بضع سنوات، لأن المنظومة السياسية فى عهد ما بعد مبارك سوف تحمل بعض خصائص المنظومة التى سادت فى العقود الماضية. فى كل المجتمعات حتى التى قامت فيها ثورات يظل الماضى ملقيا بظلاله على الحاضر والمستقبل، لأن التقاليد والمؤسسات والثقافات التى تتغير بعد الثورات تتغير من نقطة انطلاق معينة لم تخترها تلك الثورات. بعبارة أخرى، نحن نريد التغيير فى مصر، والشعب التونسى الشقيق يريد هو أيضا التغيير، لكن نتيجة التغيير فى مصر ستكون مختلفة عن نتيجتها فى تونس لأن ما يهم المصريون بتغييره يختلف عما يشرع التوانسة فى تغييره. لذلك فعلى الحالمين بالقطيعة الكاملة مع الماضى من خلال الطريق الثورى، أن يقرأوا تاريخ الثورات لكى يكتشفوا بأنفسهم على سبيل المثال أن ليون تروتسكى الذى تولى مهمة بناء القوات المسلحة للدولة السوفييتية الوليدة (الجيش الأحمر) اضطر للاستعانة بجنرالات الجيش القيصرى القديم لأن العسكرية علم وفن لابد من طلبه من أهل الخبرة وهذا ما جعل الجيش السوفييتى يحمل فى أحشائه بعض جينات الجيش القيصرى القديم.

ماذا يقول لنا خبراء السياسة والقانون عن دور القضاء فى السياسة المصرية خلال عهد مبارك؟ السؤال الأساسى الذى حير الباحثين هو الآتى: فى النظم الديمقراطية يفصل القضاء فى الكثير من النزاعات السياسية، مثلما فصل فى النزاع على الرئاسة بين آل جور وجورج بوش سنة 2000. فكيف لنظام ديكتاتورى بوليسى مثل نظام مبارك أن يعطى للقضاء استقلالية ما؟ أسمع صيحات الاستنكار من بعض القراء الكرام. هل تقول أن القضاء فى عهد مبارك كان يحظى ببعض الاستقلالية؟ نعم والدليل على ذلك هو الكثير من الأحكام القضائية التى أبطلت قوانين وقرارات أصدرتها السلطتان التشريعية والتنفيذية. لقد حلت المحكمة الدستورية فى عهد مبارك مجلس الشعب مرتين فى الثمانينيات لنفس السبب الذى ساقته المحكمة الدستورية لحل مجلس الشعب فى عهد المجلس العسكرى وهو أنه لا يحترم مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المرشحين الحزبيين والمستقلين. وقد أبطلت المحكمة الدستورية العليا قانونا بفرض ضريبة على المصريين فى الخارج فى بداية التسيعينيات. وعندما عدلت الحكومة القانون لتلافى عواره وأخرجته من البرلمان مرة أخرى عادت المحكمة الدستورية لتُبطل القانون الجديد. هذه مجرد أمثلة لآلاف من الأحكام التى أصدرها القضاء ضد حكومات وبرلمانات مبارك. بالطبع كان تعامل مبارك وحكوماته مع هذه الأحكام انتقائيا. فقد احترم بعضها وداس بالأقدام على معظمها. لكن يظل أنه تحلى بقدر ما من احترام أحكام القضاء بما لا يتفق مع ما نعرفه عن النظام الديكتاتورية التى تتصف بالعصف الكامل باستقلالية القضاء. وبالتأكيد كانت استقلالية القضاء فى عهد مبارك أكبر من استقلاليته فى عهد عبد الناصر صاحب مذبحة القضاء الشهيرة.

إحدى الإجابات على هذه المفارقة جاءت من باحث متميز فى القضاء المصرى هو الدكتور تامر مصطفى أستاذ القانون بالولايات المتحدة وهو صاحب مقولة «قضينة السياسة المصرية». يقول مصطفى إن الدور الهام الذى لعبته المحكمة الدستورية العليا منذ تأسيسها عام 1979 يعود إلى احتياج نظامى السادات ومبارك إلى الاستثمارات الأجنبية. كيف؟ يرد الباحث بأن التحول الذى أجراه السادات ومن بعده مبارك فى السياسات العامة من «الاشتراكية» إلى «الرأسمالية» كانت تقتضى إعطاء ضمانات للمستثمرين الأجانب للحفاظ على حقوقهم فى الملكية من خلال المحكمة الدستورية العليا. ويسوق الباحث للدلالة على ذلك تصريحات شخصيات محورية فى نظام السادات عاصرت إنشاء المحكمة الدستورية (مثل مصطفى خليل رئيس الوزراء الأسبق) والذين أكدوا الدوافع الاقتصادية لنظام السادات فى إنشاء تلك المحكمة. والحقيقة أن وجهة النظر تلك تدعمها دلالات أخرى عن أهمية المحكمة الدستورية فى حماية التحولات الرأسمالية مثل الحكم بدستورية سياسات الخصخصة. فقد رفضت المحكمة الدستورية دعوى عدم دستورية الخصخصة بناء على أن المادة الأولى من دستور 1971 السارى فى عصر مبارك تقول فى أن مصر دولة اشتراكية ديمقراطية. وقد فسرت المحكمة حكمها بأن تطبيق الاشتراكية يتغير فى الزمان والمكان!

لكنى اعتقد أن الدور المحورى الذى لعبه القضاء وبالذات المحكمة الدستورية فى عصر مبارك يعود إلى أكثر من مقتضيات طمأنة المستثمرين. وهذه كانت أحد الأفكار التى حاولت أن أثبتها فى كتابى «النظام القوى والدولة الضعيفة». أظن أن الدور المهم الذى أعطاه مبارك للقضاء يرتبط باستراتيجياته فى خنق السياسة المصرية عن طريق الدفع بها إلى ساحات القضاء بدلا من الشارع ومقرات الأحزاب كما يرتبط بحاجة نظام مبارك إلى صمام أمن يسمح له بالتخفيف من التوتر السياسى من خلال إعطاء المعارضة أدوات لمقاومة السلطة فى ساحات المحاكم. هنا استقلال القضاء كان يلعب دورا مشابها لدور دعم رغيف العيش اللازم للاستقرار السياسى. وقد نجح مبارك إلى حد كبير فى توجيه السياسة إلى ساحات المحاكم إلى الدرجة التى بات فيها القضاء مطالب بالفصل فى معظم الخلافات الفكرية والسياسية مثل الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين. بل ووصل العبث إلى درجة أن أصبح القضاء المصرى مطالبا بمعاقبة شارون رئيس الوزراء الإسرائيلى وذلك حين رفع أحد المحامين دعوة ضد هذا المسئول الإسرائيلى لمعاقبته على جرائمه ضد الشعب الفلسطينى!

●●●

البروز الكبير للدور السياسى للقضاء فى الأسابيع الأخيرة يعيد طرح نفس السؤال: ما حاجة المنظومة السياسية فى عهد المجلس العسكرى لهذا الدور المحورى للقضاء. أظن أن حكم بطلان مجلس الشعب يشير إلى أن المحكمة الدستورية هنا قد تكون آلية من خلالها يصحح المجلس العسكرى أخطاءه أو يطور من استراتيجياته تجاه القوى السياسية المختلفة. لقد حدث التلاقى بين المجلس العسكرى والإخوان المسلمين بعد قيام الثورة على ضرورة الخلاص من عائلة مبارك. وقام بين الطرفين تفاهم حول تصميم المرحلة الانتقالية، ذلك التفاهم الذى تجلى فى التعديلات الدستورية التى أشرف عليها المستشار طارق البشرى. لكن يبدو أن المجلس العسكرى لم يتوقع أن يفوز الإخوان بهذه الأغلبية الكاسحة، ولم يتوقع أن صفوف الفلول كانت مفككة ومنهارة إلى هذه الدرجة. ومن هنا فإن عدم دستورية مجلس الشعب تأتى الآن لكى تصحح تغول الإخوان المسلمين الذى أزعج المجلس العسكرى وباقى القوى السياسية. الوقت مبكر والمعلومات ليست كافية للجزم فى مثل هذه الأمور. لكن من المحتمل أن يكون المجلس العسكرى قد أصدر قانون انتخاب مجلس الشعب وهو يعلم عواره الدستورى من وجهة نظر المحكمة الدستورية العليا التى سبق وأن حلت مجلس الشعب مرتين بناء على نفس السبب وهو التمييز بين مرشحى الأحزاب والمرشحين المستقلين. هل من المعقول أن يكون مستشارو المجلس العسكرى من القانونيين قد أخفوا عنه حقيقة أن هذا القانون لن يصمد أبدا أمام المحكمة الدستورية المصرية والتى لها رأى قاطع فى هذا الشأن؟ لا أظن.

التضخم الحادث اليوم فى مصر لدور القضاء فى السياسة ليس آية من آيات دولة القانون وإنما هو أحد أعراض ضعف المجال السياسى الذى لا يزال غير قادر على إدارة الصراع السياسى وحسمه أو تخفيفه من خلال حلول وسط. وعلى هذا فمن المتوقع أن يستمر تسييس القضاء واستفحال دوره السياسى حتى نهاية المرحلة الانتقالية واستقرار ملامح نظام سياسى جديد. من المؤكد أن قضاءنا فى محنة أتمنى أن يخرج منها بأقل الخسائر الممكنة. فالأطراف السياسية الأساسية تشده ناحيتها. ومما يزيد الطين بلة أن القضاة هم جماعة اجتماعية لها مصالح مادية ومعنوية ستتجه كل القوى المنظمة فى البلاد إلى مغازلتها لضمان انحيازها لها. هناك حاجة ملحة لميلاد تيار استقلال جديد من داخل القضاة. فبدون قضاء يحظى بحد أدنى من المصداقية والاستقلال لن تقوم قائمة لنظام ديمقراطى فى مصر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.