كما كشف في الجول.. سيراميكا كليوباترا يتعاقد مع الزامبي ديفيد سيموكوندا    نابولي يعود لتحقيق الانتصارات على حساب فيورنتينا    توروب: أعلم مدى وحجم شعبية الأهلي في كل مكان.. وكل المباريات مهمة    رئيس خارجية الشيوخ: الغموض يسيطر على نوايا واشنطن العسكرية تجاه إيران والضربة قد تتجاوز النووي    خطوة مصرية فى قلب أوروبا |جامعة «نيو إيجيبت»    ننشر صورة ضحية انهيار منزل بدشنا في قنا    هدى الإتربي: سعيدة بوجودي بمسلسلين في دراما رمضان 2026 | صور    مسؤول أمريكي: الحل الدبلوماسي مع إيران لا يزال بعيدا    محافظ الإسماعيلية يتفقد شوارع منطقة المحطة الجديدة (فيديو وصور)    الأمن يسقط أكبر شبكة دولية لتجارة وترويج مخدر"الكابتجون" بالدقهلية    قيادي في فتح عن خروقات إسرائيل: تأكيد على رفض الاحتلال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة    نتائج حاسمة في «دولة التلاوة»، تعادل في القمة وخروج محمود السيد    أعمال تُقرأ وتُعاش |سفير كندا: «محفوظ» عرفنى بالأدب العربى    بزشكيان: الحرب ليست فى صالح إيران أو أمريكا ولم نسع إليها قط    استجابة للمواطنين| محافظ قنا يوجه بصيانة إنارة بطريق في نجع حمادي    انتهاء المرحلة الثانية من المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج    فتح باب التقدم للدورة العاشرة لجوائز مؤسسة هيكل للصحافة العربية عن عام 2025    خبير استراتيجي: توقعات بضربات تستهدف مؤسسات سيادية داخل إيران واغتيالات    محافظ القاهرة: تحويل منطقة السيدة عائشة إلى منطقة سياحية بعد إزالة الكوبرى    الأمن السوري يعتقل أبناء شقيق رستم الغزالي ضمن عملية أمنية واسعة    نجوم منتخب مصر يزينون التشكيل المثالي لبطولة أفريقيا لليد    رئيس وزراء سلوفاكيا يقبل استقالة مسؤول مذكور في ملف إيبستين    جامعة أسيوط تبحث شراكة استراتيجية مع شركة القناة للسكر    من «حلايب وشلاتين» إلى «التفوق».. محطات في مسيرة مسعود شومان    هل يتغير نصاب زكاة الذهب بعد ارتفاع أسعاره؟.. أمين الفتوى يوضح    طبيب تغذية يُحذر من الإفراط في تناول مكملات الحديد: يؤدي إلى جلطات    "الجبهة الوطنية" يهنئ السيد البدوي بفوزه برئاسة حزب الوفد    موعد منتصف شعبان وفضله.. وأفضل الأعمال    عاجل- مدبولي يفتتح أول فندق بجامعة المنيا لدعم السياحة وزيادة الطاقة الفندقية بالمحافظة    الإسكندرية تجهز وسائل النقل البديلة استعدادًا لتطوير ترام الرمل    جامعة المنيا تنشئ 3 فنادق بطاقة 900 سريرًا    النواب يعود للانعقاد الثلاثاء والأربعاء، وتعديل قانون نقابة المهن الرياضية بجدول الأعمال    خبراء يناقشون دور الشمول المالي في تحقيق العدالة والمساواة بمعرض القاهرة للكتاب    نتيجة الشهادة الإعدادية فى مطروح برقم الجلوس.. استعلم عنها الآن    رئيس الوزراء يتفقد المستشفى الثلاثي الجامعي بالمنيا بعد بدء تشغيله تجريبيًا    قوات الاحتلال تغلق منطقة باب الزاوية بالخليل لتأمين اقتحام المستوطنين.. تفاصيل    بمناسبة شهر رمضان.. شيخ الأزهر يوجه بصرف 500 جنيه من بيت الزكاة لمستحقي الإعانة    "سيرة النور والصمت".. صرخة حضارية في معرض الكتاب لترميم "الذاكرة المصرية"    برلمانيون: خطاب الرئيس كشف عن معركة صمود للدولة أمام العواصف الاقتصادية العالمية    الصحة: إنهاء قوائم الانتظار بإجراء 3.77 مليون عملية جراحية ضمن المبادرة الرئاسية    مشاهدة مباراة الأهلي ويانج أفريكانز بث مباشر اليوم في دوري أبطال إفريقيا    ندوة في معرض الكتاب تبرز جهود مبادرة «طريق مضيء لطفلي» لرعاية المكفوفين    قائد الجيش الإيراني يحذر الولايات المتحدة وإسرائيل من شن هجوم ويؤكد جاهزية قواته    الكاثوليكية تشارك في يوم الشباب ضمن أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس    طريقة عمل شوربة البطاطا الحلوة بالزنجبيل، وصفة دافئة وصحية    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الأنجولي سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين    مدرب ليفربول: نعرف ما ينتظرنا أمام نيوكاسل يونايتد    السياحة والآثار ووزارة الحج والعمرة السعودية تطلقان حملة توعوية مشتركة للمعتمرين المصريين    محافظ قنا يوجه بسرعة إصلاح كسر ماسورة مياه فى المنشية البحرية    افتتاح النسخة التاسعة من مسابقة بورسعيد الدولية للقرآن الكريم    أنفيلد يشتعل.. بث مباشر مباراة ليفربول ضد نيوكاسل يونايتد بالدوري الإنجليزي الممتاز    ضبط مصنع عصائر غير مرخص بمنفلوط فى أسيوط    صافرة البداية تقترب.. بث مباشر مباراة تشيلسي ووست هام في الدوري الإنجليزي    أستاذ علم نفس تربوي: تقمّص الطفل للسلوكيات مؤشر صحي لدعم نموه النفسي والمعرفي    طب قصر العيني تواصل حضورها العلمي الدولي عبر إصدار مرجعي عالمي.. تفاصيل    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    مصرع طفل سقطت عليه عارضة مرمى داخل نادى في طنطا    مصرع شاب وإصابة 3 آخرين في تصادم دراجتين ناريتين أثناء سباق بالقليوبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الذكرى ال73 لرحيل القائد العام للثورة الفلسطينية عبد الرحيم الحاج البرقاوي
(الشخصية المركزية في ثورة فلسطين 1936 1939)
نشر في الشروق الجديد يوم 28 - 03 - 2012

في الذكرى ال73 لرحيل القائد العام للثورة الفلسطينية- عبد الرحيم الحاج محمد البرقاوي، يصف كبار السن والرواة في فلسطين، أن عبد الرحيم محمد البرقاوي، كان موصوفًا بحكمته واعتداله، وسعة صدره وعدم تسرعه في الحكم، وابتعد عن التدخل في المسائل الشخصية التافهة، وحصر جهوده في الإخلاص للوطن وعدم الطمع في منصب أو جاه سياسي، ويشير العارفون وكبار السن في حينه أن عبد الرحيم كان أكثر إخلاصًا من غيره من الثوار، وكان حريصًا على الابتعاد عن قضايا الاغتيال السياسي أو اللصوصية التي شًوه بها بعض الثوار وجه الثورة، حتى وصفها الأعداء والمعارضون بالتمرد والشغب واللصوصية والسلب والنهب.

ويُعد القائد المجاهد- عبد الرحيم الحاج محمد آل سيف البرقاوي، وكنيته أبو كمال، أحد أبرز وجوه الثورة الفلسطينية في عام 1936 _ 1939، لمدة تزيد عن السنة، والذي استشهد في 29 مارس من العام 1939، كان قائداً عاماً للثورة الفلسطينية، جند في الجيش العثماني وأرسل إلى لبنان حيث تلقى تدريبه العسكري في المدرسة الحربية في بيروت، تابع عبد الرحيم الحاج محمد قتاله في ظل القيادة العامة الجديدة التي ترأسها فوزي القاوقجي وانتصر في هذه الفترة أيضاً في جميع المعارك التي خاضها، ومن أهمها معركة نابلس في 24 سبتمبر 1939، ومعركة "بلعا" ومعركة "نور شمس" التي حدثت بين المسلحين بقيادة (عبد الرحيم الحاج محمد) والجنود البريطانيين، ومعارك "جبع" و"دير شرف".

في حياته وسيرته النضالية:
ولد الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد، في قرية ذنابة، المجاورة لمدينة طولكرم عام 1892، وهو من عائلة آل سيف ذات النضال العريق والذين جاءوا من قرية برقة، فأحد أجداده ناضل مع صلاح الدين، وآخر تصدى مع مجموعة منظمة من منطقته لقوات نابليون القادمة لاحتلال مدينة عكا، حيث قبض عليه وتم إعدامه شنقًا، كما وينحدر مجاهدنا من أصول عائلة ماجدة ومالكة ذات أصول طبقية امتلكت المساحات الواسعة من الأرض وامتدت أراضيها من قرية ذنابة شرقًا حتى البحر المتوسط غربًا، ووقفت أكثر من مرة في وجه غزاة فلسطين.

تعلم عبد الرحيم في كُتاب القرية، ثم أنهى صفوف المدرسة الحكومية في طولكرم، وفي شبابه انخرط في سلك الجندية الإجباري، وعاد إلى بلده بعد نهاية الحرب.. عمل عبد الرحيم الحاج محمد في تجارة الحبوب في العشرينات من القرن العشرين، بعد أن خدم في الجيش التركي في بيروت وطرابلس الشام، وكان ذلك في الحرب العالمية الأولى.

عُرف الثائر الشهيد كتاجر للحبوب، وكان محبوبًا عند جمهرة الفلاحين في قضاء طولكرم، حيث صادقهم وتساهل معهم واستدانوا منه الكثير من المال، ولم تقتصر العلاقة على الفلاحين، بل أن صداقاته الواسعة امتدت لتطال العديد من المدن الفلسطينية القريبة من قريته.

أمسى عبد الرحيم الحاج محمد بعد فترة من العمل التجاري يعاني عجزًا ماليًا، حيث فقد رصيده المالي وأرهقته الضرائب الباهظة، ووضعت السلطات البريطانية يدها على ماله فأعلن عجزه وإفلاسه المالي وباع متجره وكان ذلك قبل انطلاق الثورة بسنوات، وتحول نحو الزراعة، فزرع أرضه في "دبة القراية" على بعد ثلاثة كيلو مترًا غربي طولكرم، وفي هذا المكان زرع البطيخ والترمس وحفر عيون الماء، بالتعاون مع أقربائه وزرع الخضروات بصنوفها المختلفة.

لمحات من مشواره النضالي:
بينما كان يقوم شيخ المجاهدين عز الدين القسام في جامع الاستقلال بمدينة حيفا على توعية الناس ونشر فكرة النضال المسلح للوقوف في وجه الخطر الصهيوني في فلسطين، كان البطل عبد الرحيم الحاج محمد يقوم بدعوى مماثلة في منطقة طولكرم، وقد لقيت دعوته نجاحًا بين صفوف الفلاحين، وكذلك سكان المدن الذين أحبوه، وأخذ يجمع التبرعات لشراء الأسلحة ويقوم بتدريبات سرية لبعض أصدقائه في المناطق الشرقية من ذنابة، مستغلاً خبرته العسكرية السابقة إبان خدمته في الجيش التركي.

ويذكر داود الحسيني في مذكراته، أن عبد الرحيم التقى به في مقهى المغربي بيافا حيث يجلس داود وإخوانه وهو يتباحث مع إخوانه فيما وصلت إليه أحوال فلسطين، ووصفه بأنه طويل القامة يلبس الكوفية والعقال والقنباز، "وقد جلس معنا وأظهر لنا استعداده للعمل الجدي في الجبال، وذلك عن طريق تأليف فرق من الشباب النشيط لمهاجمة البريطانيين بالسلاح، وقد استمر النقاش ساعة بعد أن انسحب اثنين من الحاضرين أظهرا عدم رغبتهم في حمل السلاح"، وتمخض الاجتماع على ما يلي:

"يعود عبد الرحيم إلى منطقته لتأليف الشباب في فرق وإشعال نار الثورة فيها.. ويقوم داود الحسيني بجمع المال والإعانات لمساعدة الثوار الفلسطينيين، وشراء السلاح والعتاد وإرساله للمجاهد عبد الرحيم وإخوانه، وقد نجح داود وصديقه في جمع 250 جنيهًا، وأرسل له حوالي عشرين بندقية مع عتاد وعدد من المسدسات وصندوق أصابع ديناميت، وهكذا انطلق بأعماله الثورية، وتلا ذلك اتصال داود وصديقه بعارف عبد الرزاق"، ويؤكد الأستاذ سميح حمودة، على أن الثورة بدأت في هذه المنطقة وليس صحيحًا ما ذهب إليه إميل الغوري في أن الثورة بدأها رجال الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني، وأن عبد الرحيم الحاج محمد وعارف عبد الرزاق كانا عضوين في هذا التنظيم".

التقى بالمفتي وطلب تقديم السلاح من أجل القيام بالأعمال الثورية في جبال نابلس.

ولقد أعد عبد الرحيم هذه المجموعة للقيام بأعمال اغتيال ضد جنود العدو وضباطه، وضرب المستعمرات اليهودية القريبة من طولكرم وجنين، كما نشط في إتلاف محاصيلهم الزراعية وبياراتهم وقد أطلق على منطقة نابلس وجنين وطولكرم "مثلث الرعب" وذلك لشدة الهلع والذعر الذي أصاب الجنود البريطانيين واليهود في تلك المنطقة.

ومع استشهاد القائد عز الدين القسام في العشرين من شهر نوفمبر عام 1935، بات عرب فلسطين مقتنعين بضرورة رفع راية الكفاح الشعبي المسلح، وكان أحد أبرز هؤلاء عبد الرحيم الحاج محمد وقد تعزز ذلك إبان الإضراب الكبير، وما تلاه من خروج للثوار لأعالي الجبال.

بعد أن نجحت الجماهير الفلسطينية في تحقيق الإضراب الشامل خاصة في المدن، أخذت تتحول نحو شكل آخر من النضال يتمثل في الكفاح المسلح وركوب أعالي الجبال، وفي هذه الفترة الممتدة بين 15 أبريل 1936 والأول من سبتمبر 1936 حيث حضر إلى فلسطين البطل المجاهد القومي فوزي القاوقجي، جاءت الترتيبات للعمل على انخراط أبناء الريف في هذه المنطقة مع الثورة وقادتها، وليشكلوا رديفًا لها ومنها قرية بلعا، وكفر اللبد وارتاح وكفر صور وبيت إمرين ودير الغصون.

وعن هذه الترتيبات التي تمت بين الفلسطينيين والمتطوعين العرب، وكان ملخصها حسبما يذكر سميح حمودة ما يلي:

"تقسيم شباب القرى إلى قسمين أحدهما للجهاد والثاني للاحتياط، وتبادل الأدوار مع مراعاة أن تفرض الأسلحة على القرية بنسبة عدد رجالها، ويعمل الاحتياط في حراسة الثوار عندما يمرون في قراهم، كما أن القرى تجمع مالاً لذوي الشهداء، ويقوم داود الحسيني بجمع العتاد والسلاح والمعلومات عن حركات الجيش البريطاني والبوليس".

قام بطلنا عبد الرحيم الحاج محمد ومعه الثوار المغاوير أمثال: عبد الرحمن زيدان، وسعيد بيت إيبا، وعبد الحميد مرداوي، بأكثر من هجوم على القوافل والسيارات اليهودية والقوات البريطانية بعد أن توفرت لديهم كميات من البنادق الألمانية والفرنسية والتركية، والذخائر المختلفة التي كانوا يشترونها من سوريا ولبنان مقابل أسعار خيالية.

كانت قرية "ذنابة" مسرحًا لأول عملية ثورية قادها البطل عبد الرحيم الحاج محمد، فقد انطلقت أول طلقة من "جبل السيد" في ذنابة مع أوائل صيف عام 1936، ويطل هذا الجبل على الطريق الواصل بين طولكرم ونابلس والذي تعبره القوافل البريطانية واليهودية، نهارًا وليلاً، كما نشط الثوار بغاراتهم المتكررة على سجن نور شمس حيث وضعت قوات الاحتلال الإنجليزي المناضلون والمواطنون العرب رهن الاعتقال، وقد ساعد عبد الرحيم الحاج محمد في القيادة والتنفيذ كل من الأبطال كامل الحطاب والبطل سليمان أبو خليفة، والبطل إبراهيم العموري، عبد اللطيف أبو جاموس وغيرهم.

كما شاركت بعض فصائل عبد الرحيم في معركة "جبع" التي خطط لها فوزي القاوقجي، وكذلك معركة بيت إمرين ومعركة كفر صور.. ولقد عبرت الجماهير الشعبية عن حماستها للثورة ودور أبطال هذه المعركة، وأنشدت أبياتاً غنائيةً التي أصبحت جزءًا من تراثنا الشعبي ومنها البيت التالي:

بين بلعا والمنطار صار إشي عمره ما صار .. وبين بلعا والليلة والبارود يدوي دية

عودة القائد عبد الرحيم إلى فلسطين:
توجه عبد الرحيم الحاج محمد يوم 23 نوفمبر 1936 إلى دمشق خشية الوقوع في أيدي القوات البريطانية، التي أعلنت عن تقديم مكافأة كبيرة لمن يقبض عليه وعلى مجموعة من قادة الفصائل الفلسطينية، ولم يكن عبد الرحيم على ثقة بصدق نوايا بريطانيا وجهودها، ولهذا أقام صلات مع الحركة الوطنية السورية واللبنانية، واتخذ من قرية قرنايل اللبنانية ومن صديقه نايف هلال وشبابًا آخرين منطلقًا لإرسال السلاح بانتظار ساعة العودة، وشرع في التحضير لجمع السلاح والمعونات المالية حيث عاد إلى فلسطين في الفترة الواقعة بين أبريل ومايو 1937 حسبما يذكر نمر سرحان وزميله مصطفى كبها، في حين جاء في منشور في ذكرى وفاة القائد والمجاهد الكبير أن قضى عامًا في سوريا، وقد أوكل للقادة إبراهيم العموري، وإبراهيم نصار وسليمان أبو خليفة، أمور نصب الكمائن وزرع الألغام على الطريق الرئيسية وسكك الحديد لعرقلة حركات الجيش البريطاني وتقييدها، كما أن الثورة تفجرت من جديد بعد فشل جهود لجنة بيل وانحيازها الكامل للبريطانيين واليهود.

وأنشأ عبد الرحيم المحاكم الثورية للشعب بدل المحاكم الإنجليزية، وعين لها قضاة كان أشهرهم بشير إبراهيم من قرية زيتا، طولكرم. وكان عبد الرحيم يرى أن الاغتيالات السياسية شيء يبعث الفساد في البلاد، ويسيء إلى أهداف الثورة المقدسة، وجدنا عبد الرحيم يشن حربه الشعواء على الذين جمعوا المال، وبأختام مزورة، وباسم الثورة، ويشهد عدد من الكتاب اليهود والأجانب على نظافة يده وتواضعه، وأنه أفضل نموذج من بين قادة فصائل الثورة حتى كانوا منحازين للفكر الصهيوني لم يجدوا شيء يشوهون به الثائر غير القول أنه أفلس في تجارته وصار مطلوبًا للحكومة البريطانية، ولم يجد غير اللجوء للثورة للتخلص من إفلاسه وسجنه، مع أنها كانت واحدة من الأكاذيب والدعايات الملفقة.

ومع أن عبد الرحيم بقي يعاني من ديونه بالأموال طيلة سنوات الثورة، وحتى مماته بسبب خسارته في تجارته، إلا أنه رفض رفضًا قاطعًا أن يتقاضى مليمًا واحدًا لإعالة أولاده على حساب الثورة، أو سداد دينه على نفقة الثورة، بل باع أرضه لسداد ديونه وكانت تعيل أسرته من قبل أخوته وشقيقاته، لا على حساب الثورة وظل أبو كمال أرملاً إلى ساعة استشهاده.

أثر استشهاده في نفوس أبناء فلسطين:
قصته في (صانور) أنه وبعدما ضاق الجيش الإنجليزي وقادته ذرعًا بالثوار وعرضوا الجوائز لمن يشي بالقائد عبد الرحيم والثوار -وكان القائد المطلوب رقم واحد للإنجليز والإسرائيليين- قرروا نصب كمين له، وتبدأ القصة أن كبار القرية قد علموا أن الثوار وتحت قيادته قد اتجهوا إلى القرية وما أن وصلوا إلى القرية ومضوا ليلتهم حتى علم الانتداب الإنجليزي وتحركوا إلى القرية، وعلم أهل القرية فاقترح حسن الغلبان وكان أهلاً للثقة في القرية وكان يملك بيت في القرية وداخل البيت يوجد مغارة، فقام بتخبئتهم في تلك المغارة وكانت كبيره فاختبأ كل الثوار ماعدا القائد.

وهنا جاءت مقولته المشهورة في صانور (أأكون قائداً وجباناً) وحاول حسن الغلبان أن يقنعه دون نتيجة وبقي معه بدفن مدخل المغارة بالتراب، وجعل الماشية والأطفال الصغار يتغوطون على المدخل المغطى بالتراب، فكان المنظر وكأنه مكان للماشية وكان حسن الغلبان يرتعد خوفًا على مصير الثوار ولم يأبه لنفسه أو عائلته، لأن العرف في ذلك الوقت أن الإنجليز يهدمون البيوت ويعدموا من يأوي ثواراً، وجاء الجيش الإنجليزي فخاف القائد عبد الرحيم على القرية لأنه يعلم مدى الدمار الذي يحدثه الإنجليز عندما يبحثون عن الثوار، فنزل إلى مرج صانور الشهير، ولكن رغمًا من ذلك بحث الإنجليز في معظم بيوت القرية وجاؤوا لبيت حسن ونبشوا الأرض في البيت وخارجه وكان حسن يرتجف من خوفه على الثوار.

ومن ثم بدأ القائد عبد الرحيم ومن مسافة 100 إلى 200 متر تقريبًا من مرج صانور أسفل القرية الموجودة على تله، بدأ بلفت أنظار الجيش الإنجليزي ليبتعدوا عن القرية فتوجه إليه الجيش وبدؤوا إطلاق النار عليه من القرية، وهناك في طرف المرج أسفل القرية كان لها شرف قتل القائد عبد الرحيم، فقام حسن الغلبان بدفنه في حاكورة بيته حتى لا يعلم أحد بمكان دفنه، وبعد فترة وجيزة يقال أنها تقريبًا شهر وقيل أنهم عندما أخرجوه من القبر كان ما زال الجسد على حاله ودون تغير، أخذه بعض من رفاقه وأهل قريته ذنابة، وهناك مدرسة باسمه حاليًا في مدينة طولكرم في قرية ذنابة (مسقط رأسه) على وجه الخصوص، ولا زالت بعض أغراضه الشخصية موجودة في القرية، وكان لقتله الأثر الكبير في الثورة والفلسطينيين.

ترك الثائر الشهيد وراءه أربعة أبناء وهم: كمال وجواد وعبد الكريم وجودت، وكان أرملاً منذ عام 1934، ولم يتزوج بعد وفاة زوجته.

كان نبأ استشهاده علامة حزن كبرى في فلسطين.. أضربت البلاد وأغلقت الحوانيت، وتوقفت حركة السير وصدرت الصحف مجللة بالسواد، مما دفع السلطات لإعلان تحذيري في يوم 29 مارس 1939، وتحدى الناس وأعلنت حالة الطوارئ في يافا.

أشادت الصحف الفلسطينية بمناقب الشهيد، وأعلنت مختلف الجاليات والطائفة الأرثوذكسية حدادها، وبدت غزة حزينة، وشاركت الجاليات الأجنبية الألمانية واليونانية وأعلنت حدادها، واهتزت طولكرم للنبأ العظيم وأضربت إضرابًا شاملاً، وظهر الوجوم على محياهم.

ويذكر أن السلطة لقبت الشهيد بالزعيم المعروف، وأن قائدًا في الجيش البريطاني وقف أمام جثمانه الطاهر مع قسم من جنوده وأدوا التحية العسكرية له.

ومما كتب على قبره:
يا زائرًا لأبي كمال في الثرى عبد الرحيم ضحية الأوطان

أدع الإله له بقلب مخلص واقرأ له ما شئت من قرآن

مات عبد الرحيم وبقيت ذكراه راسخة في التاريخ الفلسطيني، كرمز كفاحي مقاوم وشريف، جمع بين الدين والوطنية والقومية وكان درسًا في الأخلاق وعنوانًا للوطنية الصادقة، التي لا تشوبها شوائب.. رحم الله الشهيد وأسكنه فسيح جنانه وإنا لله وإنا إليه راجعون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.