القومي لحقوق الإنسان يبدأ مناقشات حول إنشاء مفوضية لمناهضة التمييز    ورشة عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات أعضاء الجهاز المركزي للمحاسبات في الاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة    صعود المؤشر الرئيسى للبورصة متجاوزا مستوى 49 ألف نقطة بجلسة الأربعاء    «هيئة البريد» توفر حزمة خدمات مالية مع «معاهد الجزيرة العليا بالمقطم»    «الأوروبي لإعادة الإعمار» يضخ 1.3 مليار يورو في مصر خلال 2025    بعد إعلان اغتياله.. أبرز المعلومات عن سيف الإسلام القذافي    حمزة عبد الكريم يشارك في تدريبات برشلونة أتلتيك لأول مرة    خالد حنفي: مبادرة «بوابة صحار العالمية» رؤية تعيد رسم خريطة التجارة    تشكيل سموحة لمواجهة بيراميدز    اتحاد الكرة الطائرة يوقف ثلاثي الزمالك بسبب المديونية    الهلال يعلن رسميًا تجديد عقد نيفيز    ريكورد: رونالدو لم يغادر الرياض ويعود لتدريبات النصر    الخميس.. انتهاء إجازة نصف العام لطلاب المدارس بجميع المراحل التعليمية    برلمانية المؤتمر بال«الشيوخ»: حجب «روبلوكس» خطوة حاسمة لحماية الأطفال    الزراعة تقود حملات رقابية موسعة على سوق المستحضرات البيطرية    السجن والغرامة لفكهاني وكهربائي بتهمة الاتجار في الحشيش وحيازة سلاح في المرج    طرح البوستر الرسمي ل مسلسل «اتنين غيرنا».. رمضان 2026    أم كلثوم.. من منصة الغناء إلى استراتيجية القوة الناعمة    وفقا لجدول محدد.. القاهرة تتحول إلى متحف مفتوح خلال الفترة المقبلة    محافظ الشرقية يفتتح وحدتي طب أسرة بالملكيين البحرية والحجازية    اليوم العالمي للسرطان.. 6 لفتات إنسانية تصنع فارقًا في رحلة المحاربين    أحمد عبدالقادر يعلن رحيله عن الأهلي وينتقل رسميًا إلى الكرمة العراقي    شركات السكر تتوقف عن التوريد للأسواق.. والطن يرتفع 4 آلاف جنيه خلال يومين    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    محامون يتهمون وزير خارجية سويسرا بالتواطؤ في جرائم حرب غزة    وزيرا الدفاع اليوناني والأمريكي يناقشان أسس التعاون الدفاعي الاستراتيجي    الهلال الأحمر المصري يواصل دعم الفلسطينيين لليوم الثالث.. وقافلة زاد العزة 131 تنطلق إلى غزة    عاجل- الأمير أندرو يغادر منزله الملكي بعد الكشف ملفات جديدة ل "جيفري إبستين"    الأزهر الشريف يحتفل باليوم العالمي للأخوة الإنسانية في ذكرى توقيع «الوثيقة»    وزارة العمل تُعلن عن فرص عمل بالأردن في مجال المقاولات الإنشائية.. ورابط للتقديم    رفع أعمال الجلسة العامة لمجلس النواب    رئيس «هيئة الاستثمار»: منتدى الأعمال المصري-التركي فرصة لإطلاق شراكات اقتصادية جديدة    متابعات دورية لإلزام التجار بأسعار السلع المخفضة في معارض أهلا رمضان بالشرقية    خالد محمود يكتب : برلين السينمائي 2026: افتتاح أفغاني يكسر منطق «الأفلام الآمنة»    تشييع جنازة والد علا رشدى من مسجد الشرطة.. وأحمد السعدنى أبرز الحاضرين    البلوجر أم جاسر كلمة السر في وقف مسلسل روح OFF نهائيًا    البورصة تواصل الصعود بمنتصف تعاملات اليوم    تطورات مفاجئة فى أزمة إمام عاشور.. الأهلى يضع شروط العفو واللاعب يتحدى    جامعة قناة السويس تطلق قافلة تنموية شاملة لخدمة أهالي حي الجناين    طريقة عمل طاجن بامية باللحم في الفرن، وصفة تقليدية بطعم البيوت الدافئة    إعلان القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها ال19    محافظ أسيوط يكرم حفظة القرآن الكريم بمركز أبنوب فى مسابقة الفرقان    «برلماني» يطالب بتوجيه منحة الاتحاد الأوروبي للقطاع الصحي    إحالة أوراق متهمين بقتل شخص بسبب خصومة ثأرية فى سوهاج إلى فضيلة المفتى    "الداخلية" تضبط 116 ألف مخالفة وتسقط 59 سائقاً تحت تأثير المخدرات    الإدارة والجدارة    محافظ كفرالشيخ يهنئ رئيس الجامعة الجديد ويبحثان عدد من الملفات المشتركة    بشاير البرلمان الجديد    سبورت: تشيزني يتقبل واقعه في برشلونة دون افتعال الأزمات    ضبط 12 متهما في مشاجرة بالأسلحة النارية بقنا    إصابة 13 شخصًا في انقلاب ميكروباص بطريق الدواويس - الإسماعيلية    تشاهدون اليوم.. الزمالك يلتقي بكهرباء الإسماعيلية ومانشستر سيتي يصطدم بنيوكاسل    إيبارشية حلوان والمعصرة توضح ملابسات أحداث كنيسة 15 مايو: لا تنساقوا وراء الشائعات    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القارئ سامي الطاهر يكتب: معركة 56 – 67 حرب واحدة
نشر في الشروق الجديد يوم 19 - 06 - 2011


لماذا توقف غزو بورسعيد فجاه
ايزنهاور يدعى انه امر بوقف الحرب.. بعد توقفها فعلا.
بولجانين ينافق العالم الثالث فى 56 ثم يتخاذل تماما فى 67
لماذ انسحبت اسرائيل تحت جنح الظلام من قطاع غزه؟
امريكا تضع خطه الديك السمين امتدادا للحرب 56.
عبد الناصر يستجيب لمؤامره 67 ويغلق الممرات .
لم أتمكن من المشاركة في حرب 56 لوجودي خارج البلاد، اما في حرب 67 فقد تم استدعائي للمشاركة في الحرب وعايشت الأحداث من داخلها وشاهدت واستمعت وقرأت كثيراً فيما قبل الحرب وما بعدها. والآن، وبعد مروراكثرمن ثلاثين سنة علي حرب 67، مازالت تسيطر كثير من المفاهيم الخاطئه علي فكر المعاصرين من جيلي.
فالجميع في مصر والعالم العربي يعتقدون بان الولايات المتحده الامريكيه هي التي اوقفت حرب 56، كما يعتقد البعض أن الانذار الروسي هو الذي اوقف الحرب ولم يأخذوا الامرمأخذ النفاق السياسي من الجانبين.
كما لم يلحظ احد نجاح الحكومه المصريه في الإستفادة من هزيمه عرابي سنه 1882 للتجهيز لمعركه 1956، وفشل نفس الحكومه في قراءه التجهيزات الاوربيه والامريكيه والإسرائيلية لمعركه 67 فيما عرف بخطه الديك السمين.
درس من التاريخ
كنا شبابا نمتلئ حماساً ضد احتلال الجيش البريطاني لمصر، وكنا ندرس في مادة التاريخ أن هذا الوجود هو نتيجة لاستدعاء حاكم مصر، "الخديوى توفيق" للسفراء الاجانب لمساعدته ضد "عرابي" الذي قاد تمرداً ضد الخديوي سنة 1882.
لقد صدت استحكامات الجيش المصري في كفر الدوار الجيش الإنجليزي من التقدم والذي انسحب سريعاً الي مراكبه بميناء الإسكندرية واقلع بحراً في اتجاه الشرق إلي قناة السويس.. لقد أراد "عرابي" ردم القناة (وعقد مؤتمرا عسكريا في اواخر يونيه1882 للنظر في امر قناه السويس، فاجمع الرأي علي وجوب تعطيلها بحيث لايستطيع الجيش الإنجليزي اجتيازها) فلما علم بذلك "المسيو ديليسبس"، المهندس الفرنسي الذي حفر القناة، (أرسل الي "عرابي" مؤكدا في تلغراف له، ان الإنجليز يستحيل ان يدخلوا القناه، فإنخدع "عرابي" بهذا التلغراف رغم تحذير اخوانه له. كما ارسل له تلغرافا آخر (لا تعمل عملا لسد قناتي فاني هنا ولا تخش شيئا من هذه الناحيه اذ لا ينزل جندي انجليزي الا ويصحبه جندي فرنسي وانا المسئول عن ذلك).
وهذا لم يحدث، إذ دخل الأسطول الإنجليزي قناة السويس حتى منتصفها في بحيرة التمساح، حيث أنزل جنوده علي ضفاف قناة السويس. ولم يتمكن "عرابي" من نقل استحكاماته من غرب الدلتا إلى شرقها بنفس السرعة مما أدى إلى الهزيمة واحتلال مصر.
ما قبل معركة 1956
بعد انتهاء الحرب العالمية سنة 1945، خرجت أوروبا ممزقة مرهقة من الحرب العالمية، وانشغلت بإعادة تعمير مدنها المدمرة وبنيتها الأساسية ومصانعها. وتزايدت حاجتها إلي البترول من منابعه في السعودية والكويت ماراًُ بقناة السويس.
في سنة 1956 وعلي ضفتي قناة السويس استرخي الجنود الإنجليز مطمئنين إلي رتم الحياة اليومي. كما لم يخطر ببال أحد في اوروبا وأمريكا، ولو لوهله، إلي أي مخاطر محتملة تمس البترول سواء من منابعه في الخليج او في طريقة عبر قناة السويس الي اوروبا. فالأصدقاء العرب سعيدون ببحر الخير الذي تفجر من تحت أقدامهم، وقناة السويس في أيد فرنسية أمينة تدير العمل في قناة السويس بكفاءة وتسيطر عليها تماما.
كان مطلب التحرر والاستقلال من المستعمر الأوروبي، مطلبا لشعوب جميع المستعمرات في أفريقيا واسيا – والغريب انه كان مطلبا لشعوب اوروبا التحرر من قبضة طبقة اللوردات ورجال المال والصناعة، وهكذا ظهرت في العالم قيم أخلاقية واقتصادية جديدة.
وعند قيام "عبد الناصر" بثورته سنة 1952 وطرده للملك "فاروق" وإعلان الجمهورية، كان يمكن "لعبد الناصر" ان يقود مصر للعمل والبناء بهدوء ضمن المنظومة العالمية، لكن وجود الكيان الصهيوني بالمنطقة قلب الأوضاع تماماً – فهذا الكيان يخشي قيام مصر القوية الجديدة، كما خاف العالم العربي والإسلامي من الهيمنة اليهودية علي اقتصاده.
لذا، كان الصراع حتميا بين العرب واليهود، مما أدي الي وقوف العالم الغربي بأكمله لمساندة الدولة الإسرائيلية ضد المشاعر الوطنية للعالم العربي والإسلامي. هذا يفسر كيف كانت المفاوضات صعبة للغاية بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية في موضوع جلاء الجيش البريطاني عن قناة السويس: لقد كان "ونستون تشرشل"، داهية وعبقرية السياسة الإنجليزية، المحرك الرئيسي في توجيه فتاه المقرب "ايدن" في المفاوضات – عينا علي إسرائيل وعينا علي القناة – والمدهش ان كل ما توقعه "تشرشل" قد تحقق واستولت مصر علي قناة السويس.
تداعيات المعركة
كانت مفاجأة إعلان تأميم قناة السويس في يوليو سنة 1956 صدمة للعالم أشعلت نار الغضب في كل مكان. وران الدب الروسي بعينه مبتسما شماتة في العالم الغربي.
لما يمضي بضعة اشهر علي انسحاب أخر جندي بريطاني عن بر مصر حتى وجدت بريطانيا نفسها مضطرة للرجوع إلى مصر.. ودقت طبول الحرب وتكدست الدبابات وناقلات الجنود في جزيرة قبرص استعدادا للغزو.
وعقد مؤتمر لندن العالمي وكان ابرز حضوره وزير خارجية أمريكا "دالاس". إن النمر الأمريكي يزمجر، ولا تجدي محاولات "كريشنامينون" وزير خارجية الهند في الدفاع عن مصر. فتم إرسال رئيس وزراء استراليا إلى مصر منذرا متوعدا بالحرب ، ولكنه فشل في تخويف "عبد الناصر"، وخرجت بعض الصحف القاهرية تصفه بالبغل الأسترالي.. إنها الحرب لا محالة.
كان درس "عرابي" وخديعة "ديليسبس" له كامنة في الضمير المصري، وبرزت تفاعلات هذا الدرس في نشاط محموم لأستاذ تاريخ مصري هو "الدكتور حفناوى" الذى ألف كتاباعن قناة السويس. ونتيجة لذلك، كدست الحكومة المصرية بعض السفن والصنادل والكراكات القديمة في بحيرة التمساح في منتصف القناة بنية إغلاق القناة بإغراق هذه الخردة موزعة بطول القناة.
العالم الغربي كان يعرف بما تعزم عليه حكومة مصر من إغراق سفن في القناة. وخرجت الصحف الفرنسية بكاريكاتير يصور عبد الناصر غارقاً في القناة وانفه الضخم فقط يتنفس فوق الماء. وقدرت أوربا أن هذه الحرب مجرد نزهة ستنتهى فى بضعة ايام ويتم رفع الخردة وفتح القناة فورا، وكان هذا هو الخطأ القاتل بالنسبة لاوربا.
معركة 1956
وقامت المعركة بالغزو الثلاثي لمصر .. ولكنها ما أن بدأت حتى توقفت في بضعة أيام . وانسحب الجميع مهرولين. إسرائيل تركت سيناء بالكامل، وجلا الإنجليز والفرنسيون عن بور سعيد.. أي حرب هذه؟! وأي حلم هذا؟!
هكذا بدون مفاوضات أوشروط – خرج عبد الناصر منتصراً دون أن يطلق رصاصة واحدة – وانفجر العالم الثالث المظلوم مهللا فرحاً في جميع أنحاء العالم.
لقد كانت تداعيات الحرب ونتائجها كآلاتي :
1. علي الجانب المصري صاح "عبد الناصر" من علي منبر الجامع الأزهر صيحته الشهيرة بصوت مملوء بالانفعال (ح نحارب ) ووقفت عربات الجيش المصري محملة بصناديق البنادق الجديدة يوزعها الجنود علي أفراد الشعب.. ورفض "عبد الناصر" مقابلة مجموعة من قدامي السياسيين وبعض من زملائه الذين وقعوا علي وثيقة تطالبه بالتنحي.
لقد توقعت اوروبا وأمريكا انهيار النظام المصري والاستسلام الكامل لقوى التحالف الغازية لقناة السويس – ولكن لم يحدث انهيار النظام في مصر.
2. أما علي الجانب الأوروبي فكانت النكسة – لقد بدأت المعركة في أكتوبر وبوادر الشتاء تلفح شوارع لندن وباريس وبرلين – لم تكن محطات الكهرباء النووية قد اخترعت. ولم يكن هناك مخزون استراتيجي من البترول. وأصبحت محطات توليد الكهرباء والمصانع في كل اوروبا مهددة بشدة. وتوقفت السيارات والشاحنات طوابير أمام محطات البنزين – وتكشفت المأساة.. لقد اغلق "عبد الناصر" قناة السويس، شريان الحياة إلى اوروبا. وتحولت ناقلات البترول لتلتف حول جنوب أفريقيا – واي ناقلات هذه: صغيرة ضئيلة ذات حمولات متوسطة 20 آلف طن، واضطرت أمريكا الي تشغيل ناقلاتها في خدمة اوروبا عبر المحيط الاطلنطى.
وهكذا فعندما دخل "جي موليه " و"ايدن".. كل ليواجه شعبه في مجلسه النيابي قوبلا بالصفير والاستهزاء.
لم يكن أمام الرجلين إلا هدفاً واحداً لا بديل عنه وهو تطهير قناة السويس فوراً وفتح الممر المائي لاستمرار تدفق البترول.
وكان أمامهما أحد اختيارين:-
• أولهما استكمال الحرب التي بدآها، ولتكن ساحقة ماحقة. ويتم التطهير تحت حراسة حربية مشددة.
• وثانيهما أن تتوقف الحرب فوراً. ويتم التطهير في ظروف هادئة تسمح بإنجازه في اقرب وقت.
وقد اختارا توقف الحرب لأنها الطريق المضمون لسرعة تطهير القناة بدلا من الاستمرار في مغامرة ابتدأت بسوء التقدير أو قل بسوء النحس.. لم يكن أمامهما وقت لاعادة الحسابات.. فموقف امداد البترول حرج جدا جدا.
3. وعلي الجانب الروسي فقد قدرت موسكو الورطة التي وقعت فيها اوروبا. وان الحرب ستتوقف لا محالة. فخرج علينا "بولجانين" بإنذاره الشهير باستعمال الصواريخ النووية ضد الغرب إذا لم يوقف تعديه – موقف نفاق هو لا ينويه ولا يقدر عليه. ولكنه يريد أن يكسب موقفاً سياسياً في العالم الثالث.
وإنطلت اللعبة علي الجماهير المذعورة وهللوا إعجابا بالاتحاد السوفيتي.
(وان كان الحال فد تغير تماما فيما بعد مما هو معروف من مسانده الاتحاد السوفييتي لمصرفي بناء السد العالي وحرب الاستنزاف وغيره الكثير)
4. أما علي الجانب الأمريكي فقد كان في جعبة الحاوي الكثير ليلعب به. وهو دائما جاهز (لملء الفراغ). فإذا كان ولابد من الانسحاب، فقد عملت أمريكا وكأنها البطل المنقذ حامل لواء العدل والشهامة والمحبة للأمم الفقيرة؟! وهكذا وحتي يستر الانسحاب المهين لشركائه في اوروبا، فقد خرج علينا الرئيس "ايزنهاور" مندداً بالعدوان آمرا بوقف الحرب – نفس موقف النفاق السياسي الروسي– وكان لأجهزه الدعايه والمخابرات الأمريكية القدرة علي إقناع العالم بأن تدخلها المباشر هو الذي أوقف الحرب وأدي لانسحاب الجيوش الأوربية والإسرائيلية.. وكان لهم في مصر كتاب كبار روجوا بأن المصالح الأمريكية عملت باستمرار علي تنحيه النفوذ الإنجليزي الاستعماري والحلول مكانه. وتصوير الامر كأنه مؤامرة أمريكية ضد الإنجليز!
5. أما عن نتائج المعركة فقد وصل "هويلر" منسق التطهير ومعه الأوناش والمعدات اللازمة واشترك معه طاقم غطاسين من مصر. ومع انسحاب الحلفاء من بورسعيد، وانسحاب إسرائيل من كل سيناء، فقد تأخرت إسرائيل في الانسحاب من قطاع غزة، والذي كان تحت الحكم المصري، وهذا أدى إلى تأخير إخراج آخر سفينة بعلل فنية أبداها الغطاسون المصريون. – ويحكي سكان غزة بأنهم استيقظوا ذات صباح ليجدوا القطاع وقد خلي تماماً من الإسرائيليين – فتم رفع السفينة وفتحت القناة للعبور.
وفي حساب المكسب والخسارة، فقد كسبت مصر القناة، ولكنها اضطرت مجاملة لأمريكا، أو تحت الضغط العصبي لظروف الحرب، كذلك الإجماع الدولي علي فتح الممرات للملاحة الدولية – اضطرت مصر للسماح بعبور السفن الإسرائيلية في مضيق تيران متجهة إلى ميناء ايلات علي قمة خليج العقبة. وقد كلف ذلك "عبد الناصر" الكثير من استهزاء واستخفاف الدول العربية في معركة النفوذ التي ظهرت بوادرها لاصطياد "الديك السمين" فيما عرف فيما بعد بحرب سنة 1967.
حرب 67 ( حرب الأيام الستة )
انقلبت الموازين تماماً في المنطقة واصبح "عبد الناصر" يمثل خطراً حقيقياً على المصالح الأوروبية والأمريكية – فوضعت خطة "الديك السمين" فوراً علي محورين:
المحور الأول أن تفقد قناة السويس قيمتها كممر مائي للبترول إلى اوروبا.
• فبدأ العمل فوراً في استخراج البترول غرب قناة السويس.فكان ضخ البترول من ليبيا سنة59 ومن الجزائرسنة60 ومن نيجيريا سنة 61 ومن بحرالمانش سنة62.
• وارتفعت حمولات ناقلات البترول إلى 50 ألف طن وتزايدت حتي 500 ألف طن للناقلة حتي يمكنها الالتفاف حول أفريقيا بتكلفة اقتصادية.
• كما مدت أنابيب البترول عبر الصحراء لتصب في البحر المتوسط مباشرة.
• وفي اوروبا جري التخزين الاستراتيجي للبترول ليس فقط في خزانات ضخمة ولكن أيضا في المناجم القديمة .
• كما تم التوسع في بناء محطات الكهرباء النووية ..
وهكذا فعندما تم إغلاق القناة مرة أخرى سنة 67 كانت قد فقدت قيمتها تماماً .
واعتمد المحور الثاني علي إرهاق "عبد الناصر" معنوياً وحصاره اقتصادياً –
• وهكذا فقد تم تنصيب شخصية عربية متميزة ومرموقة مقابل شخصية "عبد الناصر" لتخاطب جماهير الأمة العربية بشعارات موازية ، منها شعار المؤتمر الإسلامي مقابل شعار القومية العربية – وليس مصادفة أن نري في الصحف يوم 4 يونيو سنة 67 صورة "الملك فيصل" وبجواره ملكة بريطانيا يخترقان شوراع لندن في العربة الملكية الحمراء تجرها وتحيط بها خيول الحرس الملكي البريطاني بكل فخامتها – الملك العربي والملكة البريطانية يرفعان يدهما بالتحية لجموع الشعب البريطاني علي جانبي الطريق .
• وعملت جميع أجهزة البث الإذاعي باللغة العربية في العالم كله علي تشويه كل عمل يتم في مصر . فهاجمت القوانين الاشتراكية والسد العالي وقوانين الأزهر وغيره .
• وبادلتهم الإذاعة المصرية وخاصة صوت العرب السباب كما هيجت عليهم شعوبهم .
• وكانت الضربات موجعة بين كل الأطراف . فقد قامت ثورة العراق . وقتلت العائلة المالكة .كما قتل رئيس وزراء الأردن الذي كان في زيارة لبغداد. وقامت ثورة اليمن وثورة ليبيا والثورة في الجزائر وتونس ضد فرنسا.
• وفي المقابل فقد أرهقوا الجيش المصري في اليمن بحرب العصابات وتمكنوا من فض الوحدة بين مصر وسوريا ..
• وكان اكثرما يغيظ "عبد الناصر" هو معايرته بفتح مضائق تيران للملاحة الإسرائيلية . ومعايرته بقفل حدوده عن التعامل مع العدو الصهيوني . مما أدى إلى تصرفاته التي اعتمدت عليها إسرائيل لشن حرب 67 .
ولا يفوتني ان اذكر انه في سنة 1960 تحديداً تم تسريب خبر عن حشود إسرائيلية على الحدود السورية وكان رد الفعل المصري الطبيعي تحت ظروف الوحده بين مصر وسورياهو نقل وحدات من الجيش المصري إلى سيناء. وكان هذا الاختبار كافيا لإطلاق نفس الخبر سنة 1967 لينتقل الجيش المصري الي سيناء.
لقد تم بقيادة أمريكيه وفعاليه إسرائيليه وضع الخطوط العامة لمعركة القضاء علي "الديك السمين"، بعد معركة 56 مباشرة . فالحرب لم تنته بعد وهي مستمرة، ولكن التجهيزات استوجبت 10 سنوات .
عبد الناصر مسئول شخصيا ومنفردا :
كان "عبد الناصر" قد أرهق بما فيه الكفاية وتصور أن بمقدوره أن يوجه ضربة موجعة للعالم الغربى يستعيد بها مكانته، ويقضى بضربة معلم على خصومة العرب فى كل مكان اراد عبد الناصر تكرار ضربته الرائعه بتأميم القناه التى رفعته الى عنان السماء. أنه لم يكن يريدها حربا، ولكن استعراض قوة، بنقل الجيش المصري إلى سيناء.. بتفاصيل واضحة على صور الجرائد المصرية وبروبوجاندا تظهر الطيران والبحرية اكبر قوة ضاربة.
وكان خطأ مصر ان أجهزة المخابرات والدراسات الاستراتيجية المصرية (وكانت حديثه التكوين) لم تقرأ بتاتاً أوراق المعركه المقبله.. فلم تلحظ المغزي من نقل البترول غرب القناة، ومن مد خطوط البترول عبر الصحراء، ومن نبأ الناقلات الضخمة، ومن السحب المبالغ فيه لكميات البترول. وبالجملة لم تفسر السبب في انخفاض عدد ناقلات البترول العابرة للقناة. كما لم يلحظ أحد العلاقة بين خبر الحشد الإسرائيلي على الحدود السورية سنة 60 ونفس الخبر سنة 67.
تمادى عبد الناصر فى تصوراته بأن الغرب لن يجرؤ على مهاجمته، والغى من جانب واحد اتفاقيات عبور الممرات وتواجد قوات الامم المتحده فى سيناء. فامر بدون مبرر بإغلاق مضايق تيران نكاية في زعماء عرب تبادلوا معه السباب والمغايظة طويلا.لم يكن عبد الناصر يدرى انهم يسحبوه الى الحرب.ان تصريحه الشهير " أن تشربوا من البحر الأبيض إذا لم يعجبكم البحر الأحمر " هو دلالة ثقة مبالغ فيها لاتعتمد علي احتمالات حرب . ولكن تقديره أن العالم الغربي لا يجسر علي مهاجمته مرة أخرى بعد درس إغلاق القناة سنة 1956.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.