شاركت بالأمس فى حلقة من برنامج «ساعة حساب» الذى تعده محطة بى بى سى الناطقة باللغة العربية ويأخذ شكل حوار مفتوح بين جمهور يجاوز 100 شخص وعدد محدود من الضيوف. حلقة الأمس كانت عن الثورة المصرية ومطالبها ومدى استجابة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لها والمخاطر التى تمر بها مصر فى المرحلة الانتقالية الراهنة . ومن بين الكثير من القضايا المهمة التى أثارها الجمهور، وأغلبيتهم كانت من الشباب، لفتت انتباهى قضيتان. الأولى ترتبط بشعور قطاع واسع من المصريين بأن هناك تباطؤا رسميا فى محاسبة المسئولين عن قتل ما يزيد على 300 مصرية ومصرى خلال أيام الثورة وأن مجرد محاسبة وزير الداخلية السابق حبيب العادلى لا تكفى. والحقيقة أننى لا أجد مبررا لعدم تشكيل لجنة مستقلة تقودها الهيئة القضائية بمشاركة المجتمع المدنى للتحقيق فى الأعمال الإجرامية التى ارتبكت بحق المواطنين وأودت بحياة شهداء الثورة الأطهار. كما اننى لا أجد مبررا لعدم إخبار أسر الشهداء والرأى العام المصرى بجدول زمنى محدد لتشكيل اللجنة وانتهائها من أعمالها. أشعر أيضا، وبجانب الشق القضائى للأمر، أن علينا فى مصر دولة ومجتمعا أن نعبر عن تقديرنا الجماعى للشهداء بإعلان الحداد الوطنى لمدة ثلاثة أيام وتنكيس الأعلام. ستنقل رمزية الحداد الوطنى أسر الشهداء من خانة متلقى التعازى الفردية إلى خانة التقدير والتعاطف العام معهم، وهو ما يساعدهم شريطة خروج الشق القضائى إلى النور على الإيمان بأن مصر لن تنسى ما قدمه أبناؤهم وبناتهم . القضية الثانية المهمة التى أثارها حضور برنامج ساعة حساب كانت الخوف من هيمنة جماعة الإخوان المسلمين على المشهد السياسى بعد الثورة. البعض رأى، وهم هنا عبروا أيضا عن مخاوف الكثيرين فى مصر، أن الإخوان هم القوة المنظمة الوحيدة على الأرض وأنهم سيخطفون الثورة لمصالحهم. وعلى الرغم من تفهمى لمثل هذه المخاوف، إلا أننى لا أخشى هيمنة الإخوان ولا أعتقد أنهم راغبون بها . نعم للإخوان قوة تنظيمية، إلا أن جمهور الثورة المصرية كان فى قطاعه الأكبر من غير المنظمين حزبيا أو حركيا ويمكن للأحزاب القائمة ولأحزاب جديدة ستتكون حتما أن تتنافس على اجتذابهم لها. نعم يخيفنا البعض داخل الإخوان من الراغبين فى أسلمة المجتمع والسياسة، إلا أن الكثيرين داخل الجماعة يدركون محورية مدنية السياسة والدولة ويفهمون أن المجتمع المصرى حين خرج للثورة خرج بمطالب ديمقراطية ومدنية جمعت مسلميه وأقباطه ولم ترفع يافطات أيديولوجية . الفيصل إذن هو فى أن تترك للإخوان حرية العمل السياسى طالما التزموا بمدنية الدولة والسياسة، وألا تكتفى القوى والتيارات الأخرى بالخوف منهم وتبدأ فى صناعة كياناتها الحزبية والحركية للمنافسة على أغلبية المصريين التى دوما ما عزفت عن السياسة والانتخابات، ثم خرجت لإنجاز الثورة ويجب أن تنتقل الآن من التظاهر والاعتصام إلى المشاركة السياسية.