35 جنيه هبوط في أسعار الفراخ اليوم.. والبانيه مفاجأة    أسعار الذهب اليوم السبت 28 مارس 2026    رويترز: قناة السويس طوق نجاة للأسواق العراقية لوصول اللحوم البرازيلية بسبب الحرب الإيرانية    حزب الله: استهدفنا قاعدة ميشار (مقر استخبارات المنطقة الشمالية) بمدينة صفد برشقة صاروخية    وزير الخارجية يطلع نظيره اليوناني على جهود مصر الساعية إلى التهدئة وخفض التصعيد بالمنطقة    الجيش الإسرائيلي: إصابة 3 ضباط 2 منهم بجراح خطرة و6 جنود في حدثين منفصلين جنوبي لبنان    طعن جديد أمام القضاء.. هدير عبدالرازق تطالب بالإفراج عنها بعد ثلثي العقوبة    رحيل صامت لكاتب كبير.. محمد عزيز يودّع الحياة بعد رحلة إبداع لم تكتمل    أيمن بدرة يكتب: مباريات المونديال 4 أشواط    حبس نجل أحمد حسام ميدو 4 أيام في قضية حيازة مخدرات بالقاهرة الجديدة    ياسر عبدالحافظ يكتب: دليل المواطن العربي في حروب الانتماء!    سبيل وكتّاب عبدالرحمن كتخدا.. لؤلؤة معمارية تزين شارع المعز    زكريا أبو حرام يكتب: القدوة والتأثير    العمى النفسي والذكاء الاصطناعي.. عندما تخدعنا الأجهزة الرقمية    إسلام الكتاتني يكتب: عيد الإخوان المشئوم «1»    بحضور والده، أول قرار ضد نجل أحمد حسام ميدو في اتهامه بحيازة مخدرات بالتجمع    أحمد الجمَّال يكتب: نبوءات الحرب    تفحم 10 مركبات في حريق هائل داخل جراج سيارات بالفيوم    أبو ريدة يشيد بأداء المنتخب بعد الفوز على السعودية ويتطلع لاختبار قوي أمام إسبانيا    التلفزيون السوري: سماع دوي انفجارات في دمشق ومحيطها وطبيعتها غير معروفة    غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت تُثير الرعب بين المدنيين    عالم مصري يبتكر تقنيات للكشف المبكر عن السرطان وأمراض القلب    ترامب: الحرب مع إيران لم تنته بعد والشرق الأوسط سيشهد تحولا    صلوات مسكونية من أجل الشرق الأوسط.. دعوات للوحدة والسلام وسط الأزمات    جهود مكثفة لكشف لغز العثور على جثة مجهولة ملقاة على مزلقان البستان بالدقهلية    ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي يحتفي برموز الفن في احتفالية اليوم العالمي للمسرح    المعلومات المضللة.. سلاح مؤثر في حرب إيران    طوارئ في دمنهور لتنفيذ خطة ترشيد الكهرباء.. ورئيس المدينة يتوعد المقصرين    العثور على جثة مسن داخل مسكنه بكفر الشيخ    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تهنئ محافظ القاهرة لاختيار العاصمة في المركز الرابع عالميا كأجمل 12 مدينة حول العالم    الدفاع الإماراتية: نتعامل حاليًّا مع اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران    اسكواش - رباعي مصري في نصف نهائي بطولة أوبتاسيا    الأسماك والمكسرات.. أطعمة ومشروبات تساعد طفلك على التفوق الدراسي    شعبة الدواجن: الأسعار انخفضت 30% بعد عيد الفطر.. والسعر الحالي عادل ومرض للجميع    ليلى عز العرب: "وصية جدو" يبرز دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع الممثلين المحترفين    نقيب الفلاحين: انخفاض أسعار الطماطم 50% خلال 20 يوما    يد الزمالك يهزم طلائع الجيش ويستهل الدور الثاني في الدوري بقوة    خبيرة اجتماعية: النزوة قد تصدم الزوجة.. لكنها لا تعني نهاية العلاقة    أصعب لحظة في «المداح».. فتحي عبد الوهاب يكشف كواليس الجزء الأخير    ليلى عز العرب تكشف تفاصيل مسلسل "وصية جدو"    أبو ريدة يشيد بأداء المنتخب بعد الفوز على السعودية ويتطلع لاختبار قوي أمام إسبانيا    تكريم 80 من حفظة القرآن الكريم والنماذج المتميزة في قرية البديني ببني سويف    إسبانيا تهزم صربيا بثلاثية وديا    تعليق أتوبيس أعلى دائري بشتيل دون إصابات بين الركاب    خبير صلب: رسوم البليت تخدم 3 شركات وتدمر 22 مصنعًا وطنيًا    منتخب ألمانيا يهزم سويسرا 4-3 وديا    الإسعاف الإسرائيلى: قتيل وجرحى بعد تناثر شظايا صاروخ إيرانى فى 10 مواقع    «الصحة»: إجراء 10 جراحات دقيقة في يوم واحد بمستشفى قنا العام    مساعد وزير الصحة يتفقد مستشفى العبور بالقليوبية لتسريع دخولها الخدمة ورفع كفاءة المنظومة    الوفد ينظم ندوة تعريفية لدور شركات القطاع العام فى نمو الإقتصاد المصرى    فرص عمل متاحة عبر بوابة الوظائف الحكومية.. طبية وإدارية وقيادية بالمحافظات | تفاصيل    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    بث مباشر الآن | متابعة مباراة المغرب والإكوادور الودية LIVE بجودة عالية    طلب إحاطة بشأن تأخر صدور اللائحة التنفيذية لقانون المسنين    من حق الرئيس ومن حق الشعب المصري    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حبنا لآل البيت من الإيمان 00!؟    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    برلماني: قضية الماجستير والدكتوراه أمن قومي وليست مجرد أزمة توظيف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل الجاسوسية عمل مقيت؟
نشر في الشروق الجديد يوم 19 - 12 - 2010

حدث مرة أن توجه السفير البريطانى فى فيينا إلى وزارة الخارجية محتجا بعد أن اكتشف أن البريد الدبلوماسى المرسل إليه من لندن قد انتهكت سريته. يومها أنكر المسئولون فى الخارجية النمساوية التهمة ونددوا بالسفير البريطانى بشدة لأنه اتهم الوزارة بعمل غير لائق.
فما كان من السفير إلا أن أخرج رسالة من الرسائل الدبلوماسية البريطانية التى تلقاها فى ذلك اليوم ووضعها فوق طاولة المسئول النمساوى وقال له بتهكم: انظر إلى ختم الشمع الأحمر. إنه ختم فرنسا وليس بريطانيا. فهل يعقل أن ترسل إلى وزارة الخارجية البريطانية رسالة سرية مختومة بالشعار الفرنسى؟
لم يجد المسئول النمساوى ما يرد به سوى الإقرار بالذنب مستخدما عبارة واحدة قال فيها: «آسف.. لقد كان ذلك غباء من الموظف المسئول»!
طبعا لم يكن الموظف الغبى بريطانيا. ولكنه كان نمساويا. إذ أعاد ختم الرسالة الدبلوماسية البريطانية بالختم الفرنسى المزور.. بدلا من الختم الإنكليزى المزور.
من هنا فالتجسس على البريد الدبلوماسى لم يكن ينتظر عصر الإنترنت ولا بروز ظاهرة ويكيليكس ليعلن عن نفسه. فالتجسس الدبلوماسى ظاهرة قديمة إلا أنه اتخذ بعدا جديدا لأسباب رئيسية ثلاثة، السبب الأول هو حجم المعلومات التى كشفها الموقع والتى تتناول 250 ألف برقية سرية أمريكية.
والسبب الثانى هو ان المستهدف هو الولايات المتحدة الأمريكية التى كان يعتقد انها محصنة داخل أسوار من السرية التى يستحيل اختراقها. فهى تعرف عن كل الدول صغيرة وكبيرة، ولكنها لا تمكّن دولة من أن تعرف عنها ما لا تريد هى أن يعرف.
أما السبب الثالث فهو أن الأسرار المكشوفة تتعلق بأحداث ووقائع لاتزال ساخنة. وتتناول دبلوماسيين أمريكيين لايزالون فى مناصبهم، وشخصيات مسئولة فى العديد من الدول لايزالون فى مواقعهم القيادية، سياسية كانت أو أمنية أو اقتصادية أو حتى دينية!!
لقد كشفت البرقيات السرية عن واقع النفاق الواسع النطاق فى العمل الدبلوماسى. ذلك أن الدبلوماسى الأمريكى كان ينقل إلى المسئول فى الدولة المعتمد لديها انطباعات وردية عنه، ثم يقدمه فى برقياته إلى وزارة الخارجية الأمريكية بعبارات مسيئة وأحيانا بذيئة، كما جرى للرئيس الإيطالى سيلفيو برلسكونى مثلا. كذلك كشفت هذه البرقيات ان أجهزة الإعلام الرسمية فى العديد من الدول تنقل عن المسئولين فيها مواقف تلقى ترحيبا من الرأى العام.. فى الوقت الذين تنقل البرقيات السرية للدبلوماسيين الأمريكيين عن هؤلاء المسئولين أنفسهم مواقف معاكسة تماما.
وهذه الازدواجية مارستها حتى الصحف العالمية الكبرى التى تولت نشر وثائق ويكيليكس، وهى نيويورك تايمز الأمريكية ودير شبيجل الألمانية والجارديان البريطانية، والبايس الإسبانية ولوموند الفرنسية. فقد اتفقت هذه الصحف على حذف أسماء معينة من الشخصيات السياسية والعسكرية الواردة فى البرقيات الدبلوماسية السرية بحجة المحافظة على سلامتها. ولكن ماذا عن سلامة الآخرين الذين نشرت أسماؤهم.. وماذا عن حق الرأى العام «المقدس» فى أن يعرف، وهو الشعار الذى ترفعه هذه الصحف الكبرى مع غيرها من الصحف العالمية الأخرى؟
هل يعنى ذلك أن من واجب أجهزة الإعلام إذا وجدت أن معلومة ما تشكل خطرا على حياة شخصية معينة أن تحجبها عن الرأى العام؟. وهل سلامة هذه الشخصية تتقدم على حق المعرفة التى تشكل أحد الحقوق الرئيسية للإنسان؟ ثم من يملك حق اتخاذ القرار فى هذا الشأن؟
لقد سقط عدد كبير من الإعلاميين ضحايا اعتداءات أودت بحياتهم لأنهم نشروا معلومات عن هيئات أو منظمات أو أشخاص ما كانوا يريدون نشرها. حدث ذلك مرارا فى روسيا. وحدث فى العديد من دول أمريكا الجنوبية. كما حدث فى دول عربية أيضا. ولذلك ليس غريبا أن تكون حياة مؤسس ويكيليكس فى خطر. ولعل توقيفه ومحاكمته (بتهمة الاغتصاب) يبعده عن القوى التى تريد تصفيته. ولكن هل المشكلة فى نشر الوثائق السرية الأمريكية أو فى مضمونها؟
خلال عهد الرئيس الأميركى السابق جورج بوش، قام الرئيس نفسه مع مسئولين فى إدارته بتزويد الصحفى الأميركى بوب وودورد بالتسجيلات السرية لوقائع الاجتماعات التى عقدت فى البيت الأبيض والتى تتعلق بقرار الحرب على العراق. ولقد نشر وودورد هذه الوثائق والتى تتناول دور أجهزة المخابرات ووزارة الدفاع الأمريكية فى كتابه الشهير «حرب بوش».
هنا أيضا جرى تسريب لوثائق سرية. ولكن التسريب كان بموافقة الرئيس الأمريكى نفسه ولذلك فهو يعتبر تسريبا مقبولا ولا غبار عليه. أما التسريب الذى قامت به ويكيليكس فقد اعتُبر قرصنة تعرّض أمن ومصالح الولايات المتحد للخطر وذلك بحجة أن ما نشرته لم يكن انتقائيا يتوافق مع حاجات الدبلوماسية الأمريكية، ولكنه كان عشوائيا يشكل إحراجا للدبلوماسيين الأمريكيين أمام مسئولى الدول المعتمدين لديها.
وفى ضوء قصة السفير البريطانى المعتمد فى فيينا فى القرن الثامن عشر.. تستطيع الدبلوماسية الأمريكية أن تتبنى العبارة التى استخدمها الدبلوماسى النمساوى عندما كشف له السفير أمر انتهاك الرسائل الدبلوماسية الموجهة اليه: لقد كان ذلك غباء من الموظف المسئول؟!
أثناء الحرب الأمريكية فى فيتنام ضاق ضمير مسئول أميركى كان يعمل فى وزارة الدفاع ذرعا بالحرب التى قضت على حياة الآلاف من الشباب الأمريكيين.
كان ذلك المسئول يدعى دانيال ايلسبرج. وقد لاحظ إيلسبرج أن وقائع الحرب المدمرة تتناقض مع المعلومات الرسمية المتفائلة التى يذيعها البنتاجون، فعمد إلى تسريب مجموعة كبيرة من الوئاق السرية الخاصة بوزارة الدفاع إلى صحيفة نيويورك تايمز.
نشرت الصحيفة الوثائق.. الواحدة تلو الأخرى من دون أن تشير إلى مصدرها.. يومها اهتزت أركان وزارة الدفاع والبيت الأبيض معا.. ولم يجد الرئيس ريتشارد نيكسون من مخرج سوى التفاوض مع الفيتكونج لوقف الحرب.. ولوقف الكذب على الرأى العام الأمريكى.
لم يكن عمل دانيال إيلسبرج أخلاقيا. إذ إنه بتسريبه الوثائق إلى الصحيفة انتهك أخلاقية العمل فى وزارة الدفاع وحنث بالقَسَم الذى أوصله إلى موقعه المرموق فى الوزارة الا انه قدم لبلاده خدمة جليلة إذ أخرجها غصبا عن إرادة القادة السياسيين والعسكريين من أتون حرب مدمرة.
واليوم يواجه جوليان آسانج مؤسس ويكيليكس التهديدات الأمريكية ليس من وزارة الخارجية الأمريكية فحسب، إنما من البيت الأبيض أيضا حيث وصف الرئيس باراك أوباما عمله بالمقيت.. ولكن إيلسبرج ارتكب فى الستينيات من القرن الماضى عملا مقيتا أيضا جعل منه بطلا للسلام !!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.