المكسيك تتحرك دبلوماسيا بعد تهديدات ترامب بشن هجمات برية    هاكان فيدان: أمريكا عرضت على مادورو مغادرة فنزويلا إلى أي مكان في العالم    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار بمشاركة تريزيجيه    نشرة الرياضة ½ الليل| تأهل السنغال.. صعود المغرب.. مران الأهلي.. هاتريك بنزيما.. وبرونزية مصرية    مصرع طفلين شقيقين غرقاً فى نهر النيل بسوهاج    استئناف الملاحة النيلية والجوية بأسوان بعد استقرار الطقس    الثقافة: تكريم المبدعين يعكس التفوق الثقافي ويضمن استمرارية الإبداع الفني في مصر    المشاط تعلن أبرز الجهود المبذولة لتطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    الهيئة الوطنية للانتخابات تعلن نتائج جولة الإعادة للمرحلة الأولى غدًا السبت    إنفوجراف جديد من السكك الحديد يبرز تطوير وتأهيل الجرارات القديمة وتحسين الخدمات    ترامب: أتطلع إلى لقاء رئيس كولومبيا جوستافو بيترو في البيت الأبيض    إصابة شخص في حادث انقلاب سيارة ملاكي بقنا    حسن عصفور: واشنطن سعت لتنظيم موازٍ لمنظمة التحرير في التسعينات.. وحماس طالبت ب40% من مقاعدها    رغم مرضه، ظهور مميز للطفل عمر علي في حلقة "دولة التلاوة" (فيديو)    الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي| دولة التلاوة يحتفي بعمدة التلاوة في مصر    قنوات المتحدة تروج لدراما رمضان مستخدمة ال Ai    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    تداول صور مسربة من جلسة محاكمة فضل شاكر    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    البرلمان.. ومسئولية التشريع    يايا توريه يعلق على ارتداء سيمينيو قميصه مع مانشستر سيتي    حسن عصفور يروي كيف غيّر عدوان 1967 وسفرية خاطئة غيرت حياته    عبدالسلام العوامي: استقرار الصومال صمام أمان للأمن القومي المصري والعربي    دعاء لتسهيل الامتحانات.. كلمات تطمئن القلب وتفتح أبواب التوفيق    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    نسرين ظواهرة تدافع عن رامي عياش بعد تصريحاته المثيرة حول شيرين عبد الوهاب    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    محمد إمام يعود إلى ستوديو مصر لتصوير "الكينج"    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    حالة وفاة و13 مصابا.. نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث انقلاب ميكروباص بمستشفى الصدر    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    شريف عبد الفضيل: مستوى إبراهيم عادل مع المنتخب «متذبذب»    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    حافظوا على وحدتكم    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا يكرهوننا؟ وضرورة تغيير السؤال
نشر في الشروق الجديد يوم 01 - 10 - 2010

تابعت خلال الأسبوعين الماضيين عددا كبيرا من المقالات والتعليقات التى أثارتها دعوة قس أمريكى مهووس لحرق المصحف الكريم بمناسبة الذكرى التاسعة لأحداث 11 سبتمبر 2001 الشهيرة. وتابعت قبلها فى الصحافة المصرية والعربية تعليقات كثيرة أيضا على الجدل الدائر فى الولايات المتحدة الأمريكية حول التصريح ببناء مجمع قرطبة الثقافى الكبير، والذى اختصره المناوئون فى صورة مسجد، فى موقع قريب من «أرض الصفر» أو Ground Zero، وهو التعبير الذى أطلق على الموقع الذى كان يقوم عليه برجا مركز التجارة العالمى اللذان انهارا فى 11 سبتمبر المشهود. ولا يخفى على العارف بمضمرات اللغة أن هذا التعبير يرد الأذهان للتعبيرات العسكرية من «ساعة الصفر» و«نقطة الصفر» التى تؤذن ببداية المعركة. وهى المعركة التى لا تزال رحاها دائرة حتى الآن منذ اندلاعها من «أرض الصفر» تلك عام 2001. وما نتج عنها من حروب مباشرة فى أفغانستان والعراق، وغير مباشرة فى السودان واليمن والصومال، واحتلال بلدين إسلاميين، إن ممكنا التذرع بأنه كان لأولهما علاقة بما جرى فى 11 سبتمبر، فإن مبررات احتلال العراق لا علاقة لها من قريب أو بعيد بتلك الأحداث، كما يعرف القاصى والدانى. لكن تجذير مفهوم «أرض الصفر» فى «العقل» الأمريكى، وأضع كلمة «عقل» بين قوسين عمدا، هو الذى ساهم فى تجييش عواطفه، ويسر قبوله لشن الحرب على العراق. بدعاوى وذرائع ثبت كذبها. كما أن تجذير هذا المصطلح فى العقل الغربى سرعان ما أشعل جمرات «الإسلاموفوبيا» التى كانت خامدة مؤقتا فى الغرب عامة.
أقول تابعت هذا كله، ووجدت أن القاسم المشترك الأعظم بين جل التعليقات هو الانطلاق من سؤال معلن فى أغلب المقالات، ومضمر فى بعضها الآخر مؤداه: لماذا يكرهوننا؟ وهذه الصيغة فى طرح السؤال، والتى تضع السائل فى موضع المفعول به، تضمر الرغبة فى اتخاذ موقف الضحية من ناحية، والتنصل من أى مسئولية عما دار أو يدور من ناحية أخرى. لأن الصيغة اللغوية للسؤال ذاتها، ومن منظور المفعول به، تنطوى على تحميل الفاعل المسئولية الكاملة عما جرى أو يجرى. وتنطوى على رغبة فى استدرار العطف، وخاصة إذا ما كان فعل الجملة فعلا كريها ومقيتا كالكراهية. وهذا الأمر ليس بجديد، وليس مقصورا علينا بأى حال من الأحوال. فقد كانت الصيغة نفسها هى ما لجأ إليه الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش الصغير عقب أحداث 11 سبتمبر حينما جأر: لماذا يكرهوننا؟ قالها جورج بوش الصغير وهو يستدر عواطف الأمريكيين أولا، وعواطف حلفائه الأوروبيين ثانيا. قالها وهو يرتدى ثياب الحمل الوديع الذى اعتدى عليه ذئب كاسر، سماه الإرهاب الإسلامى، وأردفها كما يذكر الكثيرون، بأن من ليس معنا فنحن أصحاب حق أبرياء فهو ضدنا. وكانت هذه الصيغة الحديثة والبسيطة بساطة مخلة: لماذا يكرهوننا؟ هى التى حددت روح الحملة العاطفية الزاعقة فى الإعلام الأمريكى، والتى تلقفها المحافظون الجدد بأجندتهم الخبيثة، وطرزوها بوشيهم المسموم، ونشروها عبر أمبراطورية «فوكس» الإعلامية الصهيونية، حتى أصبحت على لسان كل أمريكى. وكثيرا ما شاهدت صورا عديدة على شاشات التليفزيونات الأمريكية والأوروبية، وحتى العربية، لشبان وشابات يصرخون بعاطفية زاعقة لماذا يكرهوننا؟ إنهم يكرهون ديمقراطيتنا؟ إنهم يغارون من نسائنا ويريدون أن يلبسنهن النقاب؟ وغير ذلك من الهراء. لكنه كان هراء ممنهج، ووراءه رؤية وتخطيط تحشد بفاعلية ونجاج التأييد للحرب على أفغانستان، ومن بعدها على العراق.
وأذكر أنه حينما خصصت (مجلة لندن للكتب London Review of Books) وهى مجلة جادة أسست على غرارها مجلة (الكتب: وجهات نظر) هنا، عددا خاصا استطلع آراء الكتاب والمثقفين فى أحداث 11 سبتمبر، كان اتجاه الكتاب العام هو الوقوع فى فخ بوش والبحث عن أسباب تلك الكراهية، وعندما كتب ثلاثة مثقفين فقط بطريقة مغايرة تلقى باللائمة على سياسة أمريكا الخارجية فى العالم الثالث عامة، والعالم العربى والإسلامى خاصة، قامت قيامة المحافظين الجدد عليهم وتوعدوهم بالثبور وعظائم الأمور. واتهموهم بالنشاط المعادى لأمريكا، واستخرجوا مفردات القاموس المكارثى الشهير لإرهابهم. فقد حرص اليمين الأمريكى على ألا يفتح ملف ممارسات أمريكا السياسية الخاطئة مع العالم الخارجى، ناهيك عن «صندوق باندورا» الخاص بتماهى سياساتها الخارجية فى العالم العربى مع سياسات دولة الاستيطان الصهيونى فى فلسطين.
وأذكر أيامها أن الراحل الكبير إدوارد سعيد أخبرنى وقد ملأه الحزن أن تلك الموجة الكاسحة وخطابها الخبيث قد نجحت فى إخراس أصوات العقل فى أمريكا أو تهميشها، وأنها تقود أمريكا نحو الجنون أو الكارثة. لكنه أخبرنى أيضا أن من الضرورى الكشف عن المضمر فى هذا الخطاب الخبيث، وهو تسهيل العصف بالعالم العربى، وبالقضية الفلسطينية معا. وهو ما جرى بشكل منهجى ومنظم منذ ذلك التاريخ. فقد كانت غاية هذا الخطاب هى تهميش أى خطاب مغاير أو القضاء عليه كلية، والتعمية على مسئولية السياسات الأمريكية ودعمها المستمر للمشروع الصهيونى عما جرى، حتى يحقق ذلك الخطاب التبسيطى «إنهم يكرهوننا» غاياته الخبيثة التى تخدم فى المحل الأول المشروع الصهيونى، قبل المشروع الأمريكى فى المنطقة.
لأنهم حينما يفعلون ذلك ويضعون أنفسهم فى موقف الضحية، فلكى يبرروا ما ينوون اقترافه من شر وعدوان. فما هى غايات تبنى نفس الصيغة الاستفهامية عندنا، والتساؤل من موقع الضحية أيضا عن سر كراهية الغرب عامة، وأمريكا خاصة لنا وللإسلام؟ من البداية لابد من التسليم بأنه على الرغم من الاتفاق الضمنى بين كل من كتب فى الموضوع على أنهم يكرهوننا، وأن هناك مشكلة حقيقية وكبيرة فى العلاقة بين الغرب والإسلام، فإننا لا نستطيع استقراء مجموعة من الغايات المضمرة التى تشير إلى خطة عمل ناجعة كما كان الحال مع استخدام نفس السؤال فى أمريكا عقب 11 سبتمبر. فليس ثمة شىء غير الشكوى وراء الاتفاق على أنهم يكرهوننا. تتصاعد نبرتها إلى حد الصراخ أحيانا، فى الخطاب الدينى الذى يكرر أننا نؤمن برسلهم ونحترم أديانهم، وأن القرآن ملىء بالثناء على عيسى ومريم العذراء وغير ذلك مما يسمى بالانجليزية «وعظ المؤمنين» الذى لا يجدى نفعا مع غيرهم. حيث يتناسى هذا الخطاب عمدا، أنه برغم اعتراف الإسلام باليهودية والمسيحية، فإنهما لا يعترفان به. وأن اعترافهم بالإسلام كديانة واستخدامهم لمفردة «الإسلام» حديث للغاية، فلم تدخل كلمة الإسلام إلى الانجليزية وغيرها من اللغات الأوروبية قبل القرن الثامن عشر. وكان التعبير السائد فى جل تلك اللغات هو «المحمديون»، أى الذين يعبدون محمد أو يتبعونه. وكان الخطاب الغربى عامة ملىء بالزراية بهؤلاء «المحمديين» الذين يعبدون من دون الله إنسانا، لا يستحق عندهم إلا أن يوضع فى الدرك الأسفل للجحيم، كما فعل به دانتى فى (الكوميديا الإلهية)، أهم نص أدبى فى اللغة الإيطالية.
أما الخطاب العقلى فقد اعترف بأن صورة بعض المسلمين وممارساتهم تثير النفور، ولكنه امتلأ فى الوقت نفسه بالشكوى بأنهم يحكمون على الإسلام حكما خاطئا وظالما. وهو خطاب يتناسى أن كل خطاب سياسى هو خطاب انتقائى، وأنه إذا كان هناك بالفعل من يرتكبون الإرهاب باسم الإسلام، فكيف تطالب الآخرين باسم تسامح الإسلام بالتغاضى عن ذلك الجانب ونسيانه وهم أول ضحاياه. كما كان هناك من يتحدثون عن الذكاء الشرير، وعن الخضوع للابتزاز الصهيونى، والوجه القبيح للحداثة الغربية التى أصبحت مثقلة بأمراضها. أو عن مشكلة خطيرة تكرر أجواء العداء للسامية التى خيمت على ألمانيا، وراح ضحيتها بضعة ملايين من اليهود. دون التطرق للسؤال الواضح هل يمكن أن تتكرر تلك المشكلة الآن، وقد تعلم اليهود الدرس، وأخذوا بأسباب القوة بعد ضعف؟ هل يمكن فى ألمانيا أو غيرها أن يمر أى خطاب معاد للسامية فى أى بلد من بلدان العالم، اللهم إلا فى عالمنا العربى، الذى لم يعد يعبأ به أحد؟ خاصة بعد أن أصبح مع بداية القرن الحادى والعشرين رجل العالم المريض، كما كانت الدولة العثمانية رجل أوروبا المريض فى مطالع القرن العشرين. لكننا لا نستطيع أن نقرأ فى هذا الخطاب برغم عقلانيته النسبية أى خطة منهجية لدرء عوادى هذه الكراهية. بل نجد أن ما يجمعه مع الخطاب الدينى أكثر مما يفصله عنه. فكلا الخطابين يصدر عن منطلق التباكى والشكوى، لا اتخاذ موقف الضحية كى يبرر ما ينطوى عليه الرد المزمع من إجراءات. والفارق بين المنطلقين كبير. كما أن المسكوت عنه فى تلك الصيغة السلبية للسؤال والتى لا بد أن تتغير كثيرا. وهذا ما سنلقى بعض «الإضاءات» عليه فى الأسبوع المقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.