يلفت الانتباه كثيرًا اليوم أنّ الحرب الإسرائيليّة على لبنان، وما أدّت إليه من موجة نزوح داخليّة كبيرة، لم تدفع نسبةً ملحوظةً من اللاجئين السوريين فى لبنان، وهم ما زالوا يشكّلون ثلث عدد السكّان تقريبًا، إلى الذهاب إلى سوريا والاحتماء بها، رغم أنّ الحرب لم تطلها. واللافت أكثر أنّ آلافًا من هؤلاء اللاجئين السوريين ما زالوا صامدين، مع إخوانهم اللبنانيين والفلسطينيين، جنوب نهر الليطانى، الذى تريد إسرائيل اليوم جعله «منطقةً عازلة» أو ضمّه، كما صرّح به بعض مسئوليها. فى حين لا يوجد تركيز إعلامى، خاصّةً فى سوريا، على أنّ السوريين يشكّلون جزءًا من ضحايا العدوان على لبنان. لقد رصدت الأممالمتحدة أنّ أكثر من مليونى نازح ولاجئ «عادوا» منذ ديسمبر 2024، من أصل أكثر من 13 مليونًا كانوا قد رحلوا عن مساكنهم. إلا أنّها رصدت أيضًا أنّه ليس قلّةً من الذين «عادوا» قد عادوا أدراجهم إلى مناطق نزوحهم أو إلى بلدان لجوئهم، عندما يكون ذلك ممكنًا. أضف إلى ذلك أنّ الأممالمتحدة أشارت إلى أنّ اضطرابات سنة 2025 الداخليّة فى سوريا قد أحدثت، من جهتها، موجةً جديدةً من النزوح والهجرة طالت حوالى مليون إنسان سورى. ويدور اليوم كثيرٌ من النقاش حول ما إذا كانت «عودة» السوريين نتيجة «الجذب»، أى الرغبة الطوعيّة فى العودة إلى مكان الإقامة الأصلى واستعادة النشاط الاقتصادى، أم أنّ العودة نتيجة عوامل «طاردة»، سواء من جرّاء الأحوال المعيشيّة فى مناطق النزوح واللجوء أو نتيجة السياسات الحكوميّة المتّبعة. وهذا النقاش له أبعاد كثيرة، من بينها أنّ هناك فروقًا كبيرة فى هذا الأمر بين الطبقات الاجتماعيّة وبين المناطق والانتماءات، فى حين تبرز بعض الظواهر التى أنتجتها سنين الصراع الطويلة فى سوريا. هنا تبرز ظاهرة أنّ الصراع قد فاقم من هجرة الريف إلى المدينة، وأنّ الذين نزحوا من قراهم لا يريدون العودة إليها ذاتها، بل إلى مدن، خاصّةً الشباب منهم. وهذا بالطبع نتيجة تدهور القطاع الزراعى فى سنين الصراع، ولكن أيضًا لعدم تركيز سلطات ما بعد ديسمبر 2024 على هذا القطاع. لكنّه أيضًا ظاهرة «طبيعيّة»، ناتجة عن تسارع هجرة الريف إلى المدينة، التى كانت أصلًا تتسارع سابقًا وشكّلت جزءًا من أسباب «ربيع» 2011 السورى، ثم ساهمت سنوات الصراع فى تسريعها أكثر. كلّ هذا عدا أنّ الأمن فى القرى يبدو اليوم أكثر هشاشةً منه فى المدن. • • • فى الواقع، لقد أصبحت بعض المنشآت التى أُقيمت للنازحين فى شمال غرب سوريا مدنًا، تمّ تشييد البنى التحتيّة لها بفضل مساعدات خارجيّة ضخمة، وتأسّست ضمنها شبكات اجتماعيّة جديدة. وقليلٌ من النازحين ما زالوا يقيمون اليوم حقًا... فى مخيّمات، ما يطرح التساؤل عمّا إذا كان هؤلاء النازحون يريدون فعلًا... «العودة». خاصّةً إذا كانت مناطقهم الأصليّة مدمّرة أو فقدت إمكانيّة خلق فرص عمل ومعيشة مناسبة لهم، وخاصّةً أنّه ليس هناك سياسات حكوميّة واضحة حتى الآن، لا لإعادة الإعمار ولا للتعافى الاقتصادى، فى حين يرزح أغلب من لم ينزح أو يهاجر تحت ضغوط التضخّم وكبح السيولة وقلّة الموارد. مع ملاحظة أنّ السلطات القائمة رفضت أن يُخصّص جزء من المنح التى تحاول المؤسسات الدوليّة تقديمها لسوريا ل«الحماية الاجتماعيّة»، أى لدرء مفاعيل زيادات الأسعار، فى الكهرباء مثلًا، علمًا أنّ دولًا مثل مصر ولبنان وغيرها استفادت من هكذا برامج حماية اجتماعيّة لدرء آثار «تحرير» أسعار الخدمات بما لا يمكن تحمّله شعبيًا. وعلى الصعيد التخطيطى، يمكن أيضًا طرح التساؤل عمّا إذا كان يجب أن يتمّ هدم البلدات التى نشأت من النزوح أم تنميتها من النقطة التى وصلت إليها ضمن منظومة تخطيط إقليمى جديدة تشمل البلاد؟ ترتبط الظاهرة الأخرى بعودة كثير من الفعاليّات الاقتصاديّة وأبناء الطبقات الوسطى، بما فيها من دول الخليج وأوروبا أو الولاياتالمتحدة. بالطبع «الحنين إلى الوطن» دافع أساسى بالنسبة لهؤلاء، ولكن أيضًا أنّ سوريا «فرصة استثماريّة» بعد سنوات العقوبات والصراع، رغم أنّ سوقها الاقتصادى سيبقى ضعيفًا على المدى المنظور مقارنةً مع البلدان التى يعيشون فيها. والواقع أنّ سوريا تحتاج إلى استثمارات حقيقيّة للنهوض بها، خاصّةً لوقف الاستنزاف القائم اليوم عبر الاستيراد لمورد «تحويلات المغتربين» الأساسى، ولإيجاد فرص عمل. على كلّ الأحوال، تبقى نسبة هؤلاء العائدين قليلة مقارنةً مع النازحين واللاجئين الأقلّ ثراءً. • • • قد بيّنت استبيانات أُجريت حديثًا أنّ الكابح الأهم لعودة النازحين واللاجئين هو مشكلة السكن، بنفس أهميّة سبل المعيشة. فكيف يتمّ إصلاح المساكن التى تأثّرت أو تدمّرت خلال الصراع، فى ظل ارتفاع كبير سنة 2025 فى أسعار مواد البناء وأجور العمّال المهرة، ومشاكل حقوق الملكيّة وانتهاكاتها السابقة والحديثة، وإشكاليات المناطق «العشوائيّة» المنتشرة بشكل كبير فى المدن، وندرة المساكن المعروضة للإيجار بأسعار تناسب الدخل؟ ذلك رغم وجود عشرات آلاف المساكن الفارغة. هناك أيضًا أنماط «عودة» ذات طبيعة مختلفة: عودة «كوادر» مغتربة تريد أن تلعب دورًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا فى «سوريا الجديدة». كما أنّ هناك «عودة» هى فى الحقيقة «نزوحات جديدة» من مناطق معيّنة فى سوريا نحو العاصمة دمشق أو نحو المدن الكبرى. حتما سوريا بلد جميع مواطنيها، ويحق لأى منهم أن يسكن حيث يشاء فيها، وأن يكون له الدور الذى يطمح إليه. ولكن بعض هذه الأنماط من «العودة» تتضمّن نوعًا من خلفيّة الاستئثار، أنّ سوريا ودولتها أصبحت لهؤلاء «العائدين» الجدد لأنّهم هم يمثّلون «انتصار الثورة». ويصل منطق الاستئثار أحيانًا إلى اعتبار كلّ من عاش فى سوريا وفى مدنها الكبرى أو خدم الدولة والمواطنين خلال سنين تحمّل فيها ظلم وقمع سلطة الأسد الإجراميّة والعقوبات على البلاد... أنّهم «فلول»…! يحتوى منطق الاستئثار هذا على مخاطر، خاصّةً لناحية عودة الصراع الداخلى من جديد إلى سوريا، بالتحديد أنّ الإشكاليّات الأساسيّة لعودة الأعداد الكبرى من النازحين واللاجئين لم تجد لها حتى الآن حتى بداية سياسات حقيقيّة، وكذلك لأنّ مخاطر إقليميّة ودوليّة كبيرة ماثلة فى المستقبل القريب نتيجة الحرب القائمة. • • • هكذا تعتمد دول كثيرة رحّبت سابقًا باللاجئين السوريين سياسات وممارسات جديدة «طاردة» لهم، انطلاقًا من دول الجوار إلى أوروبا، خاصّةً أنّ هذه الدول بدأت تعانى من تداعيات الحرب الأمريكيّة-الإسرائيليّة القائمة، والتى ستستمر حتى بعد أن تتوقّف. من ناحية أخرى، تستنزف آثار هذه الحرب موارد الدول والشركات التى قامت بوعود الاستثمار والمساعدة على نهوض سوريا. بالتالى من المتوقّع ألّا تتمكّن من تنفيذ تلك «الوعود» أو تأجيلها، فى الوقت الذى ما زال النمو ضعيفًا جدًا فى سوريا، والفقر يضرب أغلب المواطنين، رغم التصريحات الرسميّة. موجة «عودة» النازحين واللاجئين الأولى كانت هى الأسهل، ترافقت مع الارتياح العام فى الشهور الأولى لرحيل سلطة الأسد وللانتهاء الموعود للعقوبات. لكنّ استمرار هذه «العودة» بكرامة للملايين الباقية يتطلّب سياسات عامّة تهتمّ بقضايا السكن والمعيشة، وخاصّةً بقضايا السلم الأهلى والمصالحة الاجتماعيّة، أكثر من البحث عن الشرعيّة الخارجيّة وعن الاستثمارات الفارهة. التحديات القادمة جديّة، وإن لم تُعالج ستعود سوريا، هى أيضًا، ... «طاردة» للسوريين.
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب