قبل كتابة هذه السطور بساعات وجه جيش الاحتلال الإسرائيلي إنذارات متتالية لأشقائنا اللبنانيين في قرى جنوبلبنان لإخلائها، والنزوح إلى شمال نهر الليطاني، بدعوى تنفيذ عملية عسكرية وأمنية كبرى لإزالة ما تبقى من قدرات عسكرية لحزب الله بحجة مشاركته في الحرب المستعرة حاليًا منذ بدء العدوان الصهيوأمريكي على إيران. الخريطة التي حملها أحد إنذارات جيش الاحتلال كانت فجة إلى درجة الوقاحة، فهي تتعامل مع الأراضي اللبنانية باستسهال واضح. استخدمت ألوانًا وخطوطًا توحي بفصل جنوب الليطاني عن وطن الأَرز، ما يعكس قدر الاستباحة التي يصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على تكريسها سواء في لبنان وسوريا وإيران بالطبع ارتباطًا بالعدوان الجاري، بما يضمن قدرة جيشه على السيطرة المطلقة لسنوات طويلة قادمة، وإلى أجل غير مسمى، خاصة في ظل الصمت الإقليمي والدولي المطبق على ما تمثله التجاوزات الصهيوأمريكية من جرائم حرب وضد الإنسانية فضلًا وخروقات بلا حدود للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية التي لم تعد تمثل أكثر من حبر على ورق بالنسبة لدونالد ترامب وفريقه. وتكشف الأحداث الراهنة ضعف تأثير الهجمات التي قيل إن حزب الله شنها على الأراضي الفلسطينيةالمحتلة، فالقوة العسكرية والعملياتية للحزب لا يمكن أن تقارن بما كان الأمر عليه قبل الخسائر الهائلة التي لحقت به منذ يوليو 2024 وحتى ديسمبر الماضي وبلغت ذروتها في عملية البيجر واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، ما أدى إلى تراجع إسهاماته لأدنى مستوياتها منذ تسعينيات القرن الماضي. لكن نتنياهو يرى الأمر بصورة مختلفة. فأيًّا كانت النتائج المباشرة التي خطط لبلوغها في إيران، فهو يبدو مُصرًا على ترسيم جديد للمنطقة الشمالية، يكون امتدادًا لوضعية السيطرة المطلقة على الجولان السورية التي يعتبرها الإسرائيليون اليوم مُكتسبًا نهائيًا غير قابل للمساس. ولا يظهر على الساحة حتى الآن ما يمكنه ردع نتنياهو عن فصل جنوب الليطاني عن لبنان، إلا إذا ظهرت صعوبات ميدانية قد تحول دون الاحتلال الكامل للمنطقة ووضعها تحت القيادة والرقابة الإسرائيلية، من دون أي اعتداد بتحذيرات الأممالمتحدة السابقة وقرارات الشرعية الدولية، لاسيما في ظل تردّي مواقف الأوروبيين إزاء التطورات الأخيرة. أما الدول العربية المنشغلة بأزمات متلاحقة تهدد وجودها ذاته، فعلى ما يبدو لا تدرك المكر السيئ الذي يحيق بلبنان وشعبه، وقد يقدّر البعض أن تحركات نتنياهو شمالًا ستكون مؤقتة، لكن الأرجح أنه سيتمسك إلى النهاية بفرصة لم تتح لأسلافه سافكي دماء اللبنانيين مناحم بيجن وشيمون بيريز وآرييل شارون، وسيسعى إلى تغيير استراتيجي كبير ومستدام لنهر الليطاني وجنوبه سواء بحكم إسرائيل المباشر للمنطقة أو إنشاء نظام على شاكلة "جيش لبنانالجنوبي". والطموحات الصهيونية في الليطاني وجنوبه ليست حديثة، ولا من نتاج الغزو الشهير عام 1982، بل عُمرها من عُمر القضية الفلسطينية، فبعد وعد بلفور بعامين طالب حاييم وايزمان بأن يكون الليطاني هو الحد الشمالي للوطن القومي لليهود واعتبره في خرائطه من مصادر المياه الرئيسية "المطلوبة وفق تقديرات علمية" لكن الاتفاقات البريطانية الفرنسية أبقت النهر بعيدًا. لم يفقد الصهاينة الأمل، فكان الليطاني محورا لمشاريع عدة قُدمت أثناء فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى بعد إنشاء دولة إسرائيل ونكبة العرب 1948 لمد النهر جنوبًا، على خلفية إدراكهم المبكر لأهمية المياه وأنها ستمثل دافعًا مستقبليًا لتجدد الصراعات الچيوسياسية. ومع أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي ظل يتعامل مع هدف السيطرة على الليطاني وجنوبه باعتبارها "منطقة عازلة" لتوظيفها أمنيًا ضد أي خطر محتمل من الشمال، بقي الاستغلال الاقتصادي للنهر حلمًا يراود المنظرين الصهاينة العلمانيين والدينيين معًا، ومنهم نتنياهو نفسه، الذي أشار إلى هذا الأمر بوضوح في كتابه المهم "مكان بين الأمم" الصادر قبل فوزه في انتخابات 1996 بفترة وجيزة، حيث أعرب عن إيمانه بأن الليطاني كان من الحقوق المفترضة التي تنازل عنها مؤسسو الكيان ومن الواجب في وقت معين العمل على استعادتها! والسيطرة على الليطاني بطبيعة الحال أمل يداعب خيال المهووسين ب"إسرائيل الكبرى" شأنها شأن ضفتي نهر الأردن، والمناخ السائد في دوائر الحكم بين واشنطن وتل أبيب يوفر الدعم المطلق لمداعبة تلك الآمال من جديد بثقة وثبات، وتحويلها إلى أمر واقع. إن التحرك العربي المشترك في جميع المحافل الدولية واجبٌ لا يقل أهمية عن المسألة الإيرانية، على أمل وأد المخطط قبل أن تقع كارثة يتعذر تدارك آثارها، فخسارة الليطاني ستفتح شهية نتنياهو لمزيد من التمدد تحت راية الأوهام المقدسة.