على مدى أكثر من عقد من الزمان، كان اقتصاد فنزويلا أحد أسوأ اقتصادات العالم أداء. فقد أدت السياسات الخاطئة التي انتهجها الرئيس نيكولاس مادورو، وسلفه هوجو تشافيز، إلى خنق النمو والإنتاجية، بينما تضرر الاقتصاد بشدة من العقوبات الأمريكية الصارمة، من خلال قطع روابطه بالتجارة العالمية والأسواق المالية. لذلك، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من 70% بين عامي 2012 و2020، وهو أكبر انكماش اقتصادي موثق على الإطلاق في دولة لا تخوض حربا. الآن، وبعد رحيل مادورو الذي ألقت القوات الأمريكية، قبل شهور، القبض عليه في كاراكاس في عملية عسكرية مثيرة للجدل ومشكوك في شرعيتها، ثم تخفيف العقوبات، باتت فنزويلا أمام فرصة للتعافي، بحسب المحلل الاقتصادي الفنزويلي فرانسيسكو رودريجيز الباحث الزميل في مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية بكلية جوزيف كوربل للشؤون العالمية والعامة في جامعة دنفر الأمريكية. وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال رودريجز إن اعتماد الاقتصاد الفنزويلي الكبير على عائدات النفط، يتيح حدوث انتعاشة سريعة نسبيا بمجرد رفع العقوبات وزيادة صادرات الخام، عقب سماح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببيعه في الأسواق العالمية. ومع ازدياد عائدات التصدير، من المتوقع ارتفاع مستويات المعيشة، وانخفاض معدلات الفقر. إذا عادت فنزويلا إلى مستويات إنتاجها النفطي قبل الأزمة، فقد يتضاعف دخل الفرد ثلاث مرات خلال العقد المقبل. وفي حال توافر الظروف المناسبة، قد تصبح البلاد أسرع الاقتصادات نموا في المنطقة. لكنّ انتعاش الاقتصاد بشكل آليّ شيء، وبناء أسس نمو مستدام وعادل شيء آخر تمامًا. فلكي تأتي الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل التي تحتاجها فنزويلا لإعادة بناء اقتصادها، يجب على حكومة كاراكاس الالتزام الجاد بمجموعة مستقرة من القواعد المنظمة للاستثمار الخاص. في الوقت نفسه فإن السلطات المؤقتة التي تدير البلاد حاليا ليست في وضعٍ يسمح لها بذلك. فمادورو هو الذي عين هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيسة بالوكالة، ديلسي رودريجيز، ولا يحظون بشعبية كبيرة. ويعلم المستثمرون أن هذه السلطات قد تفقد السلطة إذا أُجريت انتخابات في فنزويلا، وأنه يمكن التراجع عن أي التزامات قطعتها هذه السلطة بسهولة. وقد يقول البعض إن هذا يعني ضرورة السعي لإجراء انتخابات سريعة، والسماح لحكومة ذات مصداقية بقيادة المعارضة بتولي السلطة في أسرع وقت ممكن. إلا أن هذا يفترض أن يكون انتقال السلطة هذا سلسا، وهو أمر غير مؤكد على الإطلاق. فإذا شكّكت الحكومة الجديدة، على سبيل المثال، في شرعية عقود الإدارة السابقة، فقد يصاب المستثمرون بالقلق. قد تتجه السلطات الجديدة أيضا إلى تطهير المؤسسات الحكومية والجيش من أنصار مادورو وتشافيز، مما يُنذر بفترة أخرى من عدم الاستقرار، خاصة وأن هؤلاء المسؤولين يتمتعون بتأييد شعبي ونفوذ مادي كافيين لخلق تحديات خطيرة محتملة أمام السلطة الجديدة. ويرى فرانسيسكو رودريجيز مؤلف كتاب "انهيار فنزويلا: سياسات الأرض المحروقة والتدهور الاقتصادي" أنه لا يوجد سوى سبيل واحد واضح أمام الفنزويليين لتقديم ضمانة موثوقة للمستثمرين بشأن الاستقرار: وهو التوصل إلى اتفاق سياسي بين الحكومة والمعارضة حول الاستراتيجية الاقتصادية للبلاد. ويتطلب هذا الاتفاق من الفصائل السياسية تنحية خلافاتها الأوسع نطاقا جانبا والاتفاق على الإصلاحات اللازمة لتحسين الظروف المعيشية للفنزويليين بشكل مستدام. كما يتعين على الفرقاء السياسيين العمل معا على إعادة بناء المؤسسات، وإعادة ترسيخ سيادة القانون، واستئناف الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية، وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الضعيفة، وضمان حقوق الملكية، واستعادة الثقة في العملة الوطنية. والحقيقة أن الخلافات بين تشافيز ومادورو وحلفاء رودريجز والمعارضة الفنزويلية مستمرة منذ عقود، لذا هناك ما يدعو للتشكيك في إمكانية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق. ومع ذلك، فقد غيرت الإطاحة بمادورو التوازن السياسي، وقد شرعت رودريجيز بالفعل في تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي طالما طالبت بها المعارضة. كما أن الولاياتالمتحدة تتمتع بنفوذ لدى كلا الجانبين، وقد ألمح ترامب إلى رغبته في أن تلعب زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو دورا في مستقبل البلاد.، وهو ما يعني أن هناك مسارا حقيقيا وحتميا نحو التوافق، وإلا، سيبقى تعافي فنزويلا ضعيفا وهشا. وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه تحديد وتيرة تعافي فنزويلا بدقة، يتوقع المحللون أن ينمو الاقتصاد بنسبة تتجاوز 10% هذا العام. إذا صدقت توقعاتهم، فسيكون هذا أقوى أداء نمو تشهده البلاد منذ أكثر من عقدين. لكن ثمة العديد من المشاكل في المسار الحالي. أولها، وأكثرها وضوحا، هو افتقار الحكومة الحالية للشرعية الانتخابية. فالسيدة رودريجيز لم تصل إلى حكم فنزويلا عبر انتخابات ديمقراطية، بل بفضل التدخل العسكري الأمريكي. كما أنها لم تكن في موقع يسمح لها بتولي السلطة إلا بعد تعيينها نائبة للرئيس من قبل مادورو، الذي لم يستمر في السلطة إلا عبر انتخابات مطعون في شرعيتها ونزاهتها في عام 2024. ورغم أن حركة "تشافيستا" اليسارية (نسبةً إلى تشافيز) التي تنتمي إليها رودريجيز لا تزال تحظى بدعم شريحة كبيرة من الشعب، تؤكد استطلاعات الرأي أن معظم الفنزويليين يفضلون خروجها من السلطة. هذه الشعبية المتدنية تعني أن حكم رودريجز غير مستقر، مما يقلص قدرتها على تنفيذ إصلاحات اقتصادية جوهرية. إن عدم الاستقرار المتأصل في النظام السياسي الحالي بفنزويلا سيجعل من الصعب على البلاد إعادة هيكلة ديونها الخارجية البالغة 145 مليار دولار. وستحاول الرئيسة المؤقتة إعادة هيكلة هذه الديون، لآنه من الصعب تصور حدوث إصلاح اقتصادي في فنزويلا إذا استمرت البلاد في التخلف عن سداد ديونها. ولكن إذا أُطيح برودريجز، فقد تشكك أي حكومة في شرعية قراراتها بشأن ديون الدولة. وقد حدث هذا بالفعل، فبعد فوز مادورو بولاية ثانية في انتخابات 2018 التي اعتبرها معظم المراقبين مزورة، شكل زعيم الأغلبية المعارضة في الجمعية الوطنية، خوان جوايدو، حكومة موازية برئاسته وتنصل من بعض الالتزامات المالية الصادرة في عهد مادورو. ستزيد مشكلة المصداقية نفسها من صعوبة كبح التضخم بالغ الارتفاع في فنزويلا، ما يعني أن انعدام الثقة بعملتها، البوليفار، متجذر بعمق. ولتحقيق استقرار الأسعار، على سبيل المثال، يمكن للحكومة أن تعد بعدم طباعة النقود لتغطية العجز المالي، على أمل أن تتوقف الشركات عن رفع أسعار السلع والخدمات بشكل استباقي. لكن الدولة قطعت وعودا مماثلة ونكثت بها مرات عديدة من قبل. كما يمكن للحكومة محاولة خفض التضخم برفع أسعار الفائدة وبالتالي كبح الطلب، لكن ذلك قد يعرض الاقتصاد لخطر الركود. أخيرًا، يمكن للحكومة محاولة كبح التضخم ببيع الدولار الأمريكي. فزيادة المعروض من الدولار ستخفض الأسعار في فنزويلا وتعزز العملة، وبما أن أسعار العديد من السلع المستوردة مقومة بالدولار، فقد يبطئ ذلك مؤقتًا صعود الأسعار المحلية. لكن إذا اعتقدت الأسر والشركات أن سعر الصرف غير مستدام، فسوف يسارعون إلى حماية مدخراتهم بشراء العملات الأجنبية. وإذا كانت هذه مجرد عقبات داخلية أمام التعافي، فهناك مشاكل أخرى من صنع واشنطن. قد تدّعي الولاياتالمتحدة أن إزاحة مادورو ستحسن حياة الفنزويليين، لكن إدارة ترامب ركزت حتى الآن على المخاوف الأمنية بما في ذلك تهريب المخدرات والسيطرة على نفط فنزويلا لتبرير تدخلها، متجاهلة ملف التحول الديمقراطي إلى حد كبير. هذا يشير إلى أن إدارة ترامب سترضى بحالة تفرض فيها القرارات على كاراكاس إلى أجل غير مسمى، جاعلة فنزويلا دولة تابعة استبدادية لا تشهد أي انفتاح سياسي. ومن شأن هذا أن يقوض الحقوق السياسية للفنزويليين ويحول حصة غير متناسبة من ثروة البلاد النفطية إلى شركات أجنبية. إن سيطرة الحكومة الأمريكية على عائدات النفط الفنزويلية تزيد حدة هذا الخطر. كما أن حصيلة مبيعات فنزويلا من النفط توضع في حسابات تابعة لكاراكاس، لكنها في الواقع خاضعة لسيطرة مسؤولين في إدارة ترامب. وليس من الصعب تصور كيف يُمكن للرئيس الأمريكي أن يُسيء استخدام هذه السلطة لمصلحته الشخصية. وبالفعل فقد تم منح أحد أول عقدين لتجارة النفط الفنزويلي لشركة تبرع أحد كبار موظفيها بمبلغ 6 ملايين دولار لصالح حملة ترامب الرئاسية لعام 2024. حتى لو أثبت الرئيس، على غير عادته، نزاهة في إدارة أصول فنزويلا، فإن إصراره على استخدام عائدات النفط حصريا لشراء سلع أمريكية يحد من مكاسب فنزويلا. ورغم أن العقبات التي تعترض سبيل تعافي اقتصاد فنزويلا هائلة، فهي ليست مستعصية. فقبل أن ينهار اقتصادها، كانت فنزويلا من أغنى دول أمريكا اللاتينية. وإذا التزمت كاراكاس بالسياسات الصحيحة وأعادت سيادة القانون، فبإمكانها استعادة ازدهارها. المسعى، يجب على السياسيين الفنزويليين بناء توافق في الآراء حول مسار البلاد نحو المستقبل. وهذا يعني أنه على رودريجز وحلفائها التواصل مع جميع فصائل المعارضة، بما فيها فصيل ماتشادو الذي يحظى بتأييد شعبي واسع ولكنه لا يزال مستبعدا من المفاوضات الحالية، والعمل على التوصل إلى اتفاقيات بشأن سياسات وأطر حكم جديدة تحظى بدعم مشترك من كافة الفرقاء.