شهدت القاعة الرئيسية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، احتفاء خاصا بالكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله، من خلال ندوة بعنوان «وجوه نصرالله»، وذلك بهدف الاحتفال بتتويجه بجائزة نيوستاد العالمية، ليصبح أول كاتب عربي يحصل على هذه الجائزة لعام 2025 عن مجمل أعماله، وبوجه خاص مشروع «الملهاة الفلسطينية»، الذي وثق من خلاله التاريخ الفلسطيني الحديث والمقاومة الفلسطينية. وشهدت الندوة حضورا لافتا من المثقفين والكتاب والناشرين، إلى جانب مجموعة من القراء متفاوتي الأعمار، بالإضافة إلى مشاركة الفنان المصري أحمد الرفاعي، والعازف الفلسطيني محمود العطار، اللذين قدما فقرة فنية متميزة من خلال أداء مجموعة من الأغنيات من التراث الفلسطيني بمشاركة الحضور تحت تنظيم وإدارة المنسق الثقافي مصطفى الطيب لهذا اللقاء. بدأت الندوة بكلمة للكاتب إبراهيم نصرالله قال فيها: «سعيد بوجودي بينكم، وسعيد بهذا التكريم من معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يعني لنا وللثقافة العربية الكثير، فهو واحد من أهم المعارض، وأعتقد جازما أنه المعرض الأكثر إقبالا من الجمهور في العالم العربي. وهذه فرصة مهمة لنتحاور في لقاء بسيط وطيب بعيدا عن الرسميات». واستهل مدير الندوة الحديث بالإشارة إلى تتويج نصرالله بجائزة نيوستاد، لينتقل مباشرة إلى السؤال الأول حول كون الجائزة جاءت بمثابة مفاجأة للقراء، خاصة مع ذهابها إلى كاتب عربي، في ظل إطلاق لقب «نوبل الأمريكية» عليها، متسائلا: كيف تم الفوز بالجائزة؟ وهل كان على علم بالترشيح؟ ليجيب نصرالله بأن الجائزة كانت مفاجأة له شخصيا، كما كانت للقراء، إذ إن الأمر غير متوقع، خاصة عند النظر إلى أسماء الكتاب الذين فازوا بها أو رشحوا لها، ما يستدعي الكثير من التواضع. وأوضح أن هؤلاء الكتاب كانوا جزءا أساسيا من ثقافته الشخصية وثقافة العالم العربي، مثل غابرييل غارسيا ماركيز الذي فاز بها عام 1970، وبابلو نيرودا الذي رشح لها ولم يفز، وساراماغو الذي يعتبره كاتبه الكبير. وأضاف في هذا السياق أن جائزة نيوستاد تختلف عن غيرها من الجوائز العالمية، حيث يرشح نقاد مجموعة من الكتاب، ثم تُعلن قائمة نهائية تضم تسعة كتاب، ويأتي ناقد أو كاتب للدفاع عن كل كاتب، وهي مسألة مهمة، مع وجود لجنة حكماء للجائزة تراقب ولا تتدخل، بحسب ما فهم. وأشار نصرالله أيضا إلى أنه لم يكن يتوقع الفوز، مؤكدا أننا اعتدنا على أن الجوائز العالمية «ليست لنا» لأسباب كثيرة، إلا أن خبر التتويج وصله فجأة، وكان مفاجأة رائعة. وفي السؤال الثاني، تطرق مدير الندوة إلى السياق الزمني للجائزة، باعتبارها جائزة أمريكية، وفوز صوت عربي بها في ظل قمع الصوت العربي، معتبرا ذلك نوعا من المقاومة، ودليلا على قدرة الصوت العربي على الوصول إلى أبعد الحدود، متسائلا عن تعليق نصرالله على ذلك. واختصر نصرالله إجابته بالتأكيد على أن أحد أهم أسباب فرحه بالجائزة هو بيانها، خاصة حين جاء فيه أنه منحت لكتاباته المتجذرة في الهوية والمنفى والمقاومة، والمقاومة كلمة لم تعد تذكر كثيرا ولم تعد محبوبة. وأضاف أنه تأثر حين علم أن رمز درع الجائزة هو الريشة، التي تعني لدى السكان الأصليين في أوكلاهوما أنها تمنح للمؤتمن على الذاكرة العامة، معتبرا أن ذلك مؤثر للغاية، في ظل حرب الذاكرة التي يخوضها الفلسطينيون مع عدو صهيوني يملك كل أدوات الإعلام والصحافة لترسيخ خرافاته في ذهن العالم. وانتقل الحوار بعد ذلك من الجوائز إلى بدايات المقاومة بالكتابة في حياة نصرالله، ليأتي السؤال الثالث حول مشروع «الملهاة الفلسطينية» بوصفه توثيقا للتاريخ والواقع الفلسطيني، وفي ظل محاولات المحو الثقافي التي تمارسها قوات الاحتلال أصبحت كتاباته مرجعا لأجيال تتعرف من خلالها على فلسطين، متسائلا: هل فرض عليه هذا المسار في الكتابة أم كان قرارا شخصيا؟ وجاءت إجابته مؤكدا أنه لا توجد قرارات في الكتابة، فالكاتب يكتب ليعبر عما يعانيه ويعيشه، خاصة في المخيم، الذي اعتبره رمزا مصغرا لمآسي العالم، من منفى، وحياة مهددة، ومصير مجهول. وأوضح أن كل المشكلات التي تؤرق البشر موجودة في هذه البقعة المسماة بالمخيم، ومع نمو الوعي تتدرج المسألة، لكن المحرك الأساسي يظل التعبير عن الذات المحاصرة المهددة بالموت منذ الطفولة، والتي تنمو يوما بعد يوم لتشكل الهوية بشكل أو بآخر. وفي السؤال الرابع، أشار مدير الندوة إلى أن معرض القاهرة اختار عنوان «وجوه إبراهيم نصرالله»، وأن من أبرز هذه الوجوه الروائي، إلا أن هناك وجوها أخرى لا يعرف عنها كثير من القراء، ومنها وجه الموسيقي، متسائلا عن دور الموسيقى في تشكيل هويته، خاصة مع قيامه بتلحين أغنيات مسرحية؟ وأجاب نصرالله بأن المسألة بدأت بشكل تلقائي، ففي المرحلة الثانوية كان طموحه الأكبر دراسة الموسيقى، وبالفعل تقدم لاختبارات القدرات الموسيقية، إلا أن أسرته رفضت ذلك تماما، وسخرت منه قائلة: «هل ينتهي بك الأمر طبال خلف سميرة توفيق!». وأشار إلى أنه ذكر هذه الواقعة في رواية «طفولتي حتى الآن»، مضيفا أنه حين نجح، كان الوقت خريفا، فجمعت والدته أوراق شجر العنب في حجرها ونثرتها قائلة: «هذا هو المال الذي نملكه». والتحق بعدها بمعهد المعلمين التابع لمؤسسة الغوث، وفي إحدى السنوات كتب أغنية ولحنها لمسرحية، مؤكدًا أن لديه عشرة ألحان يرفض إعطاءها لأي أحد. أما السؤال الخامس، فتناول علاقته بالقاهرة، رغم زياراته العديدة لمدن مختلفة، حيث تظل القاهرة ذات حميمية خاصة في ذاكرته، متسائلًا عن مدى حضورها في وجدانه. وأكد نصرالله في إجابته، بعيدا عن أي مجاملة، أن القاهرة «ربتنا»، فنيا وثقافيا، بحضورها الحضاري الممتد، وبأصدقائه الذين كانوا جزءا من روحه، مشيرا إلى أن كثيرا من هؤلاء الكتاب والفنانين رحلوا. وأوضح أن حضور مصر كان جزءا من طفولتهم وشبابهم ووعيهم في فلسطين، وأنه لا توجد مدينة في العالم العربي أثرت فيهم كما أثرت القاهرة، سواء زاروها أم لا، لأنها جزء من تشكيل الوعي والنهوض القومي. وأشار في هذا السياق إلى أن السفر كتب معه العديد من أعماله، منها «فضيحة الثعلب»، و«مجرد اثنين فقط»، و«طفولتي حتى الآن»، موضحا أنه تناول ذلك في كتاب «السيرة الطائرة»، متحدثا عن دور السفر في تشكيل وعيه المضاد. وفي ختام الندوة، استقبل نصرالله أسئلة الحضور، التي تنوعت بين كلمات الترحيب والاحتفاء بأعماله وتأثيرها، وبين تساؤلات حول مشروعاته المقبلة، التي سوف يكون على رأسها حكايات الأسرى وأمهاتهم، إذ يرى أن المرأة تحتل مكانة جوهرية كبيرة في الذاكرة والقضية الفلسطينية، تسبق الرجل، لتخلق هذه المداخلات حالة نقاش امتدت لأكثر من ساعة. وفي كلمته الأخيرة، أكد نصرالله إيمانه بقوة الفرد في ظل موات المؤسسات، مشيرا إلى أنه لا يعتقد أن أي مؤسسة رسمية تحب الكاتب أو الفنان أو تسعى لدعمه. وأضاف: «إذا لم نتحرك كأفراد، فإن وطننا سيزداد قمعا وضياعا»، ثم وجه التحية لكل الشجعان الذين حركوا العالم، رغم طردهم من جامعاتهم وبيوتهم، ونجحوا في إدانة الإبادة الجارية في غزة، وتحويل الإدانة إلى فعل حقيقي، مؤكدا أن الصمت لا يفعل شيئا، بل يقتلنا كأفراد وجماعة تؤمن بقضية ولا تتكلم، وأن على كل فرد أن يدفع ثمن هذا الصراع حتى يتغير كل شيء.