عُقدت القمة السادسة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب خلال الولاية الثانية للأخير فى منتجع مارالاجو وذلك بعد أيام قليلة من اعتراف إسرائيل بأرض الصومال دولةً مستقلة، وعلى الرغم من الإطراء المفرط وتبادل عبارات الثناء خلال المؤتمر الصحفى الختامى، فقد عكست القمة بوضوح مستوى التناغم مع التباين فى العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية. تركزت المناقشات الأمريكية الإسرائيلية على دفع وقف إطلاق النار الهش فى غزة، ومواجهة إيران، وتحقيق الاستقرار فى سوريا، والتصدى للتهديدات القادمة من الحوثيين فى اليمن والصومال وهى ملفات متشابكة مع رؤية نتنياهو الراسخة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ظل استمرار التوترات من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقى، وعكست القمة احتمال اتخاذ خطوات دبلوماسية وعسكرية جريئة، لكنها فى الوقت نفسه حملت مخاطر تصعيد أوسع وعدم استقرار إقليمى. سياق إقليمى مضطرب لا يزال السياق الإقليمى محفوفًا بالأزمات. فالصراع فى غزة، الذى اندلع إثر هجوم حماس فى 7 أكتوبر 2023 وردّ إسرائيل عليه، يشهد وقفًا هشًا لإطلاق النار منذ أكتوبر 2025. ورغم الإفراج عن معظم الرهائن، لا تزال المرحلة الثانية - التى تتطلب نزع سلاح حماس، وإشرافًا دوليًا، وانسحابًا إسرائيليًا، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية - متعثرة. ونوه فريق ترامب عن إحباطه مما يعتبره مماطلة إسرائيلية، بما فى ذلك التوسع الاستيطانى والعمليات العسكرية التى يرى منتقدون إنها تقوض الاتفاق. ومع ذلك، جدّد ترامب علنًا دعمه القوى لإسرائيل، موجّهًا إنذارات لحماس ومؤكدًا توافقه مع نتنياهو فى منطق الردع. وهيمنت إيران على المحادثات، حيث حذّر ترامب من أى تقدم نووى أو صاروخى عقب ضربات أمريكية سابقة. وسعى نتنياهو إلى الحصول على تأييد أمريكى لأى تحرك إسرائيلى محتمل، معتبرًا ذلك ضرورة لأمن المنطقة. كما طُرح ملف سوريا فى مرحلة ما بعد الأسد، مع تفاهمات حول استقرار الحدود وحماية الأقليات، وأعرب ترامب عن ثقته فى العلاقات مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، رغم التحفظات الإسرائيلية.
رؤية «شرق أوسط جديد» برز خلال القمة أيضًا محور أوسع يتمثل فى هدف نتنياهو المعلن لصياغة «شرق أوسط جديد»، والذى يفسره محللون على أنه يتضمن عناصر من رؤية «إسرائيل الكبرى». وقد كرر نتنياهو الحديث عن تحويل المنطقة عبر الردع والتطبيع وتهميش الخصوم. وفى خطاباته ومقابلاته خلال عام 2025، تحدث عن «مهمة تاريخية» لإعادة رسم الواقع الجيوسياسى، مؤكدًا الهيمنة الإسرائيلية وسط انهيار الدول المجاورة، وهو الخطاب عكسته خرائط عرضها فى مناسبات سابقة بالأمم المتحدة متجاهلة قيام دولة فلسطينية أثار قلق الدول العربية والجماعات المدعومة من إيران، التى تتهم إسرائيل بالنزعة التوسعية. «أرض الصومال» والامتداد خارج المشرق تبرز التطورات الأخيرة فى القرن الإفريقى والبحر الأحمر امتداد هذه الرؤية خارج المشرق، ففى 26 ديسمبر 2025- قبيل زيارة نتنياهو للولايات المتحدة- أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا باستقلال أرض الصومال عن الصومال. وقد قُدم القرار على أنه "فى روح اتفاقيات أبراهام"، مع إقامة علاقات دبلوماسية وتعاون فى مجالات التكنولوجيا والزراعة والأمن. من الناحية الاستراتيجية، يتيح ساحل أرض الصومال على خليج عدن موقعًا متقدمًا مقابل اليمن، ما يسمح بمراقبة استخباراتية ودعم لوجستى وعمليات محتملة ضد الحوثيين وحلفائهم فى إيران وقد دعا محللون إسرائيليون صراحة إلى ذلك، معتبرين أمن البحر الأحمر ومواجهة النفوذ الإيرانى مبررين رئيسيين. غير أن القرار أثار ردود فعل غاضبة، فقد أدانت الصومال الخطوة باعتبارها اعتداءً على سيادتها، وحشدت دعم الاتحاد الإفريقى ومصر وتركيا ومنظمة التعاون الإسلامى، خشية أن تكون ترجمة لخطة نتنياهو للسيطرة المتزايدة على الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية، وأصدر 21 بلدًا عربيًا وإسلاميًا وإفريقيًا - من بينها السعودية والأردن ومصر - بيانًا مشتركًا رفضوا فيه الاعتراف، واعتبروه تهديدًا للأمن والاستقرار فى القرن الإفريقى. وترى وجهات النظر العربية أن الخطوة تعكس توسعًا إسرائيليًا قد يزعزع وحدة الصومال ويؤجج الصراعات بالوكالة.
توافق أمريكى إسرائيلى مع تباينات كامنة عزز لقاء ترامب – نتنياهو العزم المشترك ضد ما تصفه إسرائيل ب«محور المقاومة»، بما قد يفتح المجال لعمليات أوسع لتحييد هذه التهديدات، ومع ذلك، تظل الخلافات الأمريكية – الإسرائيلية قائمة تحت السطح. فعلى الرغم من دعم ترامب العلنى، عبّرت إدارته عن استياء من تعامل إسرائيل مع وقف إطلاق النار فى غزة. ويتهم مسئولون أمريكيون نتنياهو بتقويض الاتفاق عبر التوسع الاستيطانى، وضعف المساعدات الإنسانية، وعمليات تنتهك بنود الهدنة. وتبدو سياسات ترامب متناقضة: إذ يدعو إلى ضبط النفس فى غزة، بينما يتسامح مع سياسات متشددة فى الضفة الغربية تضعف السلطة الفلسطينية. فى ملف إيران، يظل التوافق قويًا، مع تلميح ترامب إلى ضربات محتملة إذا أُعيد بناء القدرات، غير أن الخلاف يبرز فى الأسلوب - حيث يطرح ترامب التفاوض النووى، بينما يفضل نتنياهو العمل العسكرى الاستباقى. وفى سوريا، يتناقض تفاؤل ترامب بشأن الشرع مع التشكيك الإسرائيلى، ما يعكس اختلافات فى تقييم المخاطر. وتنبع هذه التوترات أيضًا من الضغوط الداخلية على نتنياهو، بما فى ذلك ائتلافه اليمينى المتطرف ومحاكماته بتهم الفساد. التداعيات الإقليمية والرؤية العربية. إقليميًا، تبقى الصورة غير مستقرة. ففى غزة، قد يؤدى ضغط ترامب نحو تنفيذ المرحلة الثانية - نزع سلاح حزب الله وإعادة الإعمار تحت «مجلس للسلام»- إلى تسريع العملية، لكن أولويات نتنياهو الداخلية قد تعرقل ذلك. كما أن توسيع مسار التطبيع، بإدخال أرض الصومال ضمن منطق اتفاقيات أبراهام، قد يزيد من حساسية هذه الاتفاقيات ويؤدى إلى نفور دول عربية متحفظة أصلًا. من منظور عربى، تعمّق القمة والاعتراف بأرض الصومال المخاوف من هيمنة إسرائيلية مدعومة أمريكيًا. وترى قيادات فى مصر والسعودية والأردن أن تحذيرات ترامب لحماس وإيران منحازة، وتتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار. كما يُنظر إلى خطوة أرض الصومال والاضطراب فى اليمن كموطئ قدم استراتيجى إسرائيلى فى البحر الأحمر، قد يهدد المصالح العربية ويغذى التطرف. داخليًا، يستفيد نتنياهو من علاقته الشخصية مع ترامب، متجاوزًا مستشاريه الأكثر تحفظًا. ويبدو أن إعلان الاعتراف بأرض الصومال قبيل القمة كان محاولة لكسب الغطاء الأمريكى، رغم أن ترامب أبدى تريثًا علنيًا. فى المحصلة، فإن قمة مارالاجو وبطء تنفيذ اتفاق غزة، والاعتراف بأرض الصومال، تجسد جميعها طموح نتنياهو لإعادة تصميم الشرق الأوسط: ردع بدلا من التسوية، وتحالفات تتجاوز الخصوم التقليديين، وإسقاط للقوة خارج الحدود التاريخية - بغض النظر عن حكم القانون أو مفهومى الحق والباطل، مما يفتح الباب لمرحلة قلق واضطراب بالشرق الأوسط نقلا عن إندبندنت عربية