أنهى الذهب عام 2025 بارتفاع تاريخى وصل إلى نسبة 65%، وهى زيادة لم تحدث منذ نحو 45 عامًا، حيث وصل سعر أوقية (أونصة) الذهب فى نهاية العام إلى ما يزيد قليلًا على 4300 دولار للأوقية. وقد يعتقد البعض أنها قضية اقتصادية بحتة فى أسبابها وآثارها، والواقع أنها قضية مرتبطة بالسياسة الدولية، وعلى رأسها السياسات والقرارات الأمريكية، بل إن استمرار سعى كثير من البنوك المركزية فى شراء الذهب والابتعاد شيئًا فشيئًا عن الدولار كاحتياطى رئيسى لعملاتها لن تقبل به القوة العظمى الأمريكية؛ لأنه يخلّ بأحد أهم مظاهر هيمنتها الاقتصادية على العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بجانب ما تتمتع به من عناصر قوة شاملة عسكرية، وثقافية، وتكنولوجية، وجاذبية ونفوذ. فهل سيكون لها ردود أفعال على ذلك؟ وكيف؟ ومتى؟ وبأى أدوات سياسية واقتصادية تملكها؟ وهل يمكن أن يتسبب تدخلها هذا فى انهيار أسعار الذهب بنفس وتيرة الصعود ولكن بطريقة عكسية، خاصة وأن مثل هذه الظاهرة سبق أن حدثت فى عام 1979، حيث ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 133%، ووصل سعر الأونصة إلى 850 دولارًا، ثم انهارت إلى الثلث، أى إن من اشتروا عند الأسعار المرتفعة فقدوا فجأة ثلثى قيمة ما اشتروه. أسباب الارتفاع المتسارع لأسعار الذهب يطرح المختصون دائمًا ثلاثة أسباب رئيسية هى: الأول هو سعى العديد من البنوك المركزية فى العالم، منذ الحرب على أوكرانيا، إلى تنويع احتياطاتها وزيادة نسبة الذهب على حساب الدولار، بعد أن كانت تعتمد أساسًا على العملات الأجنبية، وأهمها الدولار الأمريكى؛ حيث مثّل نحو 57% من إجمالى احتياطات البنوك المركزية فى العالم، ويليه اليورو بنحو 20%، ثم الين اليابانى بنسبة نحو 6%، وذلك حسب بيانات صندوق النقد الدولى لعام 2025. وقد كان الدافع الرئيسى لتوجه هذه البنوك المركزية نحو الذهب (حسب تقرير نشرته وكالة رويترز فى 5 ديسمبر 2025) هو القرار الذى اتخذه الرئيس الأمريكى بايدن فى فبراير 2022 بمصادرة الاحتياطى الأجنبى لروسيا كعقاب سياسى على غزوها لأوكرانيا. فقد هزّ هذا القرار أسس النظام المالى الدولى المستقر، وأفقد الثقة فيه وفى عملة الدولار التى تُعد العمود الفقرى لهذا النظام، فكان عليها أن تلجأ إلى الذهب الذى لا يمكن مصادرته أو السيطرة عليه من طرف آخر كالولاياتالمتحدة، وهى التى تنتج الدولار وتتحكم فى مسارات تحويله من خلال نظام «سويفت». وبالتالى بدأت بعض البنوك المركزية تعود إلى الأصل التاريخى للاحتياطى النقدى، وهو الذهب. فزاد الطلب فارتفع السعر. والسبب الثانى، ويرتبط بالأول، هو التخوف من هبوط الدولار المستمر أمام العملات الرئيسية الأخرى، حيث فقد الدولار خلال العام الماضى ما يقرب من 10% من قيمته أمام سلة من العملات الرئيسية، ومنها اليورو على سبيل المثال؛ فقد هبط الدولار خلال عام 2025 نحو 15% من قيمته أمام اليورو (اليورو يساوى اليوم 1٫18 من الدولار، وسبق أن وصل اليورو إلى 1٫60 أمام الدولار فى عام 2008)، خاصة مع توجه إدارة ترامب العلنى إلى الضغط على الفيدرالى الأمريكى للاستمرار فى تخفيض الفائدة، رغم أن القواعد المستقرة فى عمل كل البنوك المركزية هو استقلالها التام عن الإدارة السياسية فى قراراتها، والاستناد فقط إلى المعايير الاقتصادية والبيانات والإحصاءات الدقيقة، ومنها معدلات التضخم. وإذا كان محافظ الفيدرالى الأمريكى الحالى قد عبّر عن الاستقلالية إلى حد كبير، إلا أن ولايته سوف تنتهى فى منتصف هذا العام، وبالتالى سيكون لدى ترامب حرية اختيار شخصية تابعة وملتزمة بتوجهاته نحو خفض الفائدة، وهو ما سيدفع المستثمرين فى رأس المال إلى المعادن، وعلى رأسها الذهب، ومن ثم زيادة الطلب عليه فترتفع أسعاره. أما السبب الثالث فهو الاضطرابات السياسية والحروب فى العديد من مناطق العالم؛ فقد شهد العامان الماضيان استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، كما شنت إسرائيل حروبًا على سوريا، وعلى لبنان وحزب الله، وعلى اليمن والحوثيين، وعلى إيران، ودمّرت منشآتها النووية بمشاركة عسكرية أمريكية مباشرة، فضلًا عن حرب الإبادة على غزة. وحدث اشتباك عسكرى بين الهند وباكستان، إضافة إلى استمرار الحروب الأهلية فى العديد من الدول، ومنها ليبيا والسودان. كما استمرت التوترات والتهديد بالحرب مع دول ذات تأثير على الأسواق العالمية، وهما إيران وفنزويلا، عضوا «أوبك» المصدرة للبترول، وهو سلعة استراتيجية للاقتصاد العالمى. وإذا أضيف إلى ذلك الاضطرابات التى سببتها قرارات ترامب على الاقتصاد العالمى، بفرض جمارك مرتفعة على معظم دول العالم، وعدم الالتزام بقواعد التجارة العالمية، وحربه التجارية العلنية على الصين، نكون أمام تطورات دافعة لدول وشعوب العالم لكى تلجأ إلى ما يسمى بالملاذ الآمن، وهو الذهب، وبالتالى لجأت إلى شرائه، فزاد الطلب وارتفع سعره. الدولار كاحتياطى للبنوك المركزية وقاعدة الذهب إذا كان العالم يتجه حاليًا نحو الذهب بدلًا من الدولار، فمن المفارقات التاريخية أن العكس هو الذى حدث؛ فقد انتقل العالم، أو فرضت الولاياتالمتحدة عليه، التحول مما كان يسمى قاعدة الذهب إلى الدولار كاحتياطى أساسى لعملات الدول المختلفة. فتاريخيًا كان الذهب والفضة وبعض المعادن الأخرى، كالنحاس، هى وسيلة الشراء والتبادل السلعى، وفى مقابل الخدمات للجيوش والعاملين فى الدواوين على سبيل المثال، بعد أن كانت قبل ذلك تتم بنظام المقايضة، أى سلعة بسلعة أخرى، أو سلعة نظير تأدية عمل أو خدمات. ثم لجأ العالم إلى نظام العملات الورقية التى تُصدر مقابل وزن محدد من الذهب، وهو ما يسمى (معيار أو قاعدة الذهب)، وذلك فى الفترة من 1876 إلى 1933، أى إن المواطن كان يمكنه فى أى وقت يشاء أن يذهب بعملته الورقية إلى البنك الرئيسى (المركزى) فى بلده، ويحصل على المقابل المدون عليها كذهب. ولكن مع ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعدم قدرة البنوك على تلبية هذا الالتزام لعدم امتلاكها كميات الذهب الكافية، وطباعتها أوراقًا نقدية أكثر مما تحتفظ به فعليًا من ذهب، فقد أدى ذلك إلى تضخم كبير وارتفاع متتالٍ فى الأسعار. ولمواجهة هذه المشكلات قادت الولاياتالمتحدة عقد مؤتمر على أراضيها فى بلدة «بريتون وودز» عام 1944، بصفتها المنتصرة فى الحربين العالميتين والوريثة للإمبراطوريات الاستعمارية التى بدأ يغيب شمسها وتضعف قوتها، وتترك مستعمراتها تحت اسم الاستقلال. ووضع هذا المؤتمر أسس النظام المالى العالمى الحالى وتطوراته. وفيما يتعلق بقاعدة الذهب، فقد تم الاتفاق على أن يتم تثبيت العملات بالدولار الأمريكي، وعلى أساس أن يتم فى الوقت نفسه تثبيت قيمة الدولار فى مقابل قيمة محددة من الذهب، أى إن الدولار أصبح هو عملة الاحتياط الرئيسية للدول المختلفة، وفى الوقت نفسه الوسيط إلى الذهب. وكان ذلك إيذانًا بالهيمنة الاقتصادية الأمريكية على رأس النظام الدولى، إضافة إلى هيمنتها العسكرية والسياسية والتكنولوجية عقب قيادتها للانتصار فى الحربين العالميتين الأولى والثانية. كما نشأت المؤسسات المالية القائمة إلى الآن، وهى الصندوق والبنك الدوليان، كما تم تثبيت أسعار صرف العملات. إلغاء قاعدة الذهب أدى ازدياد التكلفة المالية للتورط الأمريكى فى حرب فيتنام، وآثارها الكارثية على الاقتصاد الأمريكى، إلى أن يتخذ الرئيس الأمريكى نيكسون فى عام 1971 قرارًا بإلغاء «قاعدة الذهب»، أى إلغاء ربط قيمة الدولار بقيمة ثابتة من الذهب، وتُركت العملات لكل دولة تتداول حسب العرض والطلب وقدراتها الاقتصادية الذاتية، بعد أن كانت ثابتة إزاء الدولار، والذى كان بدوره مقوّمًا بوزن محدد من الذهب. ولكن ظل الدولار هو عملة التداول الرئيسية، ومن ثم الاحتياطى الرئيسى لمعظم دول العالم، حتى مع وضع كثير من الدول عملات دول ذات اقتصاديات قوية، مثل اليورو الذى ظهر فى عام 2002، والين اليابانى، فى احتياطاتها. رد الفعل الأمريكى المحتمل كان القرار الأمريكى بإلغاء قاعدة الذهب مؤشرًا على استمرار الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمى، ولكن قرار بايدن بمصادرة الأرصدة الروسية الخارجية فى 2022، وبالتالى استمرار العديد من البنوك المركزية فى شراء الذهب على حساب الدولار، يعد، كما ذكرنا سابقًا، مهددًا للهيمنة الأمريكية الاقتصادية العالمية، ومن المرجح ألا تقبل بذلك، ولديها من الأدوات والإمكانيات، بل والنفوذ السياسى وحتى العسكرى، ما يمكنها من التحرك لضمان هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمى، ومن ذلك ما يلى: • لا تزال أهم السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها البترول والغاز والمعادن الأساسية، ومنها الذهب والفضة، وغيرها من السلع الزراعية كالقمح، يتم تداولها بالدولار الأمريكى. • تربط دول الخليج المنتجة للطاقة، والأكثر أهمية على مستوى الاقتصاد العالمى، عملاتها بالدولار الأمريكى. • الولاياتالمتحدة هى أكبر دولة على مستوى العالم لديها مخزون ضخم من الذهب، ويبلغ ما قيمته تريليون دولار، والدولة التى تليها، وهى ألمانيا، لا تملك إلا ما قيمته نحو 412 مليار دولار فقط، أما الصين فهى فى المركز السادس بما قيمته 283 مليار دولار فقط. وتستطيع الولاياتالمتحدة، من خلال عرض جزء بسيط مما تملك فى السوق الدولية، أن تجعل الأسعار تنهار خلال فترة قصيرة. ويظل السؤال: كيف ومتى يمكن أن تتحرك الولاياتالمتحدة فى هذا الاتجاه؟ مساعد وزير الخارجية سابقا، وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية.